صوت الكميت يصدح في حاضر العراق.. والمجتمع أول الضحايا

يستحضر المقال أبيات الكميت بن زيد الأسدي ليقارن بين تصويره للفتن وصراع الساسة وبين واقع العراق المعاصر، حيث تتكرر الأزمات وتتراجع العدالة وتُستغل الانقسامات لتحقيق مكاسب حزبية وفئوية. ويؤكد أن المجتمع هو الضحية الأولى للفساد والصراع والبطالة وضعف الخدمات، وأن الخلاص يبدأ بكسر دورة الفتن واستعادة ميزان الحق...

في الأيام القليلة الماضية، احتفل العالم بيوم القانون العالمي ويوم الديمقراطية العالمي، وهما مناسبتان يُفترض أن تذكّرا الشعوب بقيمة العدالة وسموّ الحرية، وأن تعكسا صورة مشرقة عن احترام الحقوق وصون الكرامة الإنسانية. 

غير أن واقعنا في العراق يبدو بعيدًا عن هذه الصورة، وكأننا نعيش في عالم آخر، حيث تغيب كل مقومات الاستقرار وسط دوامة الفتن والأزمات، وتتكرر صناعة الأزمات كما لو كانت قدرًا محتومًا. ولعل ما قاله الشاعر الكميت بن زيد الأسدي قبل قرون يصف حالنا اليوم بدقة مذهلة، إذ رسم بأبياته صورة مجتمع تنهشه الفتن، ويقوده ساسة كضباع وذئاب، ويثقل كاهله قادة يقحمون الشعب في أزمات متلاحقة حتى باتت أشبه بجراثيم تنهك الجسد الوطني. وفي ظل هذه الأجواء، يحاول المرء الهروب من شعارات الحقوق والوطنية التي تُطلق في هذه المناسبات لأغراض دعائية، والتخفيف من حالة الضجر، فتبحث النفس عما يرفّه عنها من هذه الكوابيس.

ويقول أهل العلم بوجوب الترويح عنها بطرائف الحكم، وما أمتع تلك الطرائف حين تكون من ديوان الشعر العربي، هذا السجل الحي الذي حفظ للعرب تاريخهم، بغضه وغضيضه، منذ الجاهلية وحتى يومنا هذا؛ فالشعر مرآة صافية تعكس وجوه المجتمع السياسية والاقتصادية والثقافية والفكرية، وتكشف لنا ما كان وما هو كائن.

وفي رحلة بين هذه الطرائف الممتعة والنافعة، وقعت عيناي على أبيات للشاعر الكميت بن زيد الأسدي، ذلك الصوت الجريء الذي حمل همّ الأمة في عصره. وبعد أن فرغت من قراءة قصيدته العصماء التي مطلعها: «طَرِبْتُ وما شوقًا إلى البيض أطربُ … ولا لعبًا مني وذو الشوق يلعبُ»، استوقفتني ثلاثة أبيات كأنها خرجت من رحم واقعنا العراقي، وكأن الكميت كان بيننا يرسم بكلماته صورة ما نعيشه اليوم، ويقول فيها:

لِيَفْتَعِلُوها فِتْنَةً بَعْدَ فِتْنَةٍ … فَيَفْتَصِلوا أَفْلائَها ثُمَّ يَرْكَبوا

وَأَقارِبُنا الأَدْنُونَ مِنْكُمْ لِعِلَّةٍ … وَساسَتُنا مِنْهُمْ ضِباعٌ وَأَذْؤُبُ

لَنا قائِدٌ مِنْهُمْ عَنيفٌ وَسائِقٌ … يَقْتَحِمُنا تِلْكَ الجَراثيمَ مُتْعَبُ

هذه الأبيات تكاد تكون وصفًا دقيقًا لما نعيشه اليوم في العراق من فقدان العدالة وسط دوامة الفتن والأزمات. ففي البيت الأول نرى كيف تُفتعل الأزمات، وتُجزّأ إلى ملفات صغيرة، ثم تُستغل لتحقيق مكاسب حزبية وفئوية، بينما الحقوق مغتصبة وغائبة، والمواطن هو الضحية الدائمة. وفي البيت الثاني نجد تصويرًا ينطبق على واقعنا حين يتحول الساسة إلى ضباع وذئاب تنهش جسد الوطن، ويتنازعون على السلطة والثروة، ويتركون الشعب بلا نصير أمام الفقر والبطالة وانعدام الخدمات، فتغيب العدالة التي هي أساس الدولة. أما البيت الثالث، فيرسم صورة القيادات التي تقحم الشعب في أزمات متلاحقة، من فساد إداري إلى صراع سياسي، حتى باتت الأزمات أشبه بجراثيم تنهك الجسد الوطني وتُضعف العراق يومًا بعد يوم.

ومعنى هذه الأبيات يدل على أن الفتن ليست قدرًا محتومًا قدّره الله تعالى، بل هي صناعة بشرية تُفتعل وتُستغل، وأن ضياع الحقوق وانتشار الركود والبطالة والفساد هو النتيجة الحتمية حين تتحول السياسة إلى افتراس، وحين يقود القادة الشعب نحو الأزمات بدلًا من أن يقودوه نحو الإصلاح. وما أشبه تصوير الكميت وتطابقه مع واقع العراق الراهن؛ فإن المجتمع أول الضحايا، إلا أن الخلاص لا يكون إلا بكسر دورة الفتن واستعادة ميزان الحق، ليكون العراق وطنًا يبنيه أبناؤه، لا أن تنهشه أزماته.

* قاضٍ متقاعد

اضافة تعليق