من وعي المشكلة إلى هندسة الحل

إن وعي المشكلة الاقتصادية يمثل الخطوة الأولى، لكن المرحلة الأصعب تبدأ بعد التشخيص، وهي هندسة الحل. والعراق اليوم لا يحتاج إلى قائمة جديدة بمشكلاته المعروفة، بل يحتاج إلى الانتقال من الريع إلى الإنتاج، ومن هدر الإمكانات إلى الاستثمار المنظم للثروة المعرفية لبناء قدرة اقتصادية متراكمة...

من خلال متابعتي لتصريحات وكلمات رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي، أجد أن الرجل يمتلك حسًا اقتصاديًا واضحًا، وأنه يدرك أن المشكلة الاقتصادية في العراق ليست أزمة مالية طارئة يمكن تجاوزها ببعض الإجراءات المؤقتة، وإنما هي مشكلة بنيوية عميقة تراكمت على مدى عقود.

فالاقتصاد العراقي ما زال يعتمد بصورة شبه كلية على الإيرادات النفطية، فيما يعاني القطاعان الصناعي والزراعي من ضعف واضح، وترتفع معدلات البطالة، وتتسع الفجوة بين مخرجات الجامعات وحاجات سوق العمل، في الوقت الذي تستمر فيه الدولة بوصفها المشغّل الأكبر ومصدر الدخل الرئيسي لقطاع واسع من المجتمع. وهذه ليست مشكلات منفصلة، وإنما وجوه مختلفة لاختلال اقتصادي واحد.

وبلغة الفلسفة الحضارية، نحن أمام خلل حاد في المركب الحضاري للمجتمع العراقي؛ لأن الإنسان والعلم والعمل والأرض والزمن لا تتحول بالكفاءة المطلوبة إلى قدرة إنتاجية متراكمة. وحين تعجز هذه العناصر عن التفاعل المنتج، يتحول جزء كبير من إمكانات المجتمع إلى هدر حضاري بدل أن يتحول إلى قدرة وثروة وحياة طيبة.

وعي هذه المشكلة يمثل الخطوة الأولى، ويبدو أن رئيس الوزراء قد قطع شوطًا مهمًا فيها. لكن الوعي بالمشكلة لا يكفي، لأن المرحلة الأصعب تبدأ بعد التشخيص، وهي هندسة الحل.

وهندسة الحل الاقتصادي لا يمكن أن تكون جهد فرد، مهما امتلك من معرفة وحس اقتصادي. العراق يملك عددًا كبيرًا من الاقتصاديين وأساتذة الجامعات والخبراء والمتخصصين في المالية والمصارف والصناعة والزراعة والاستثمار وسوق العمل. والمطلوب تحويل هذه الثروة المعرفية إلى قوة مساندة لصانع القرار، من خلال الاستماع المنظم إلى الخبراء وإشراكهم في تصميم السياسات، لا الاكتفاء باستشارات عابرة ومتفرقة.

العراق لا يحتاج اليوم إلى قائمة أخرى بمشكلاته؛ فقد أصبحت هذه المشكلات معروفة إلى حد بعيد. إنه يحتاج إلى الانتقال من وعي المشكلة إلى هندسة الحل: من الريع إلى الإنتاج، ومن البطالة إلى العمل المنتج، ومن انفصال التعليم عن الاقتصاد إلى مواءمته مع حاجات المجتمع، ومن هدر الإمكانات إلى بناء القدرة. وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي للسياسة الاقتصادية الجديدة. 

اضافة تعليق