سارة القاهر

انتشرت ظاهرة التسوّل في شوارع العاصمة بغداد والمدن الجنوبيّة، خصوصاً بين المراهقين من الجنسين مع موجة النزوح التي بدأت منذ سيطرة تنظيم "داعش" على الأراضي العراقيّة في عام 2014، وعزّز ذلك الوضع الاقتصاديّ البائس.

وحذّرت أوساط أمنيّة كثيرة من استغلال المتسوّلين لأهداف إجراميّة، عن طريق استخدامهم كوسائل اتّصال في المناطق، ولزراعة عبوات ناسفة أو تأمين المكان للقيام بعمليّات إرهابيّة.

فقد حذّر عضو اللجنة الأمنيّة في مجلس محافظة بغداد سعد المطلبي في حوار مع "المونيتور" من عواقب أمنيّة وخيمة لتفاقم ظاهرة الأطفال والمراهقين المتسوّلين "لأنّهم أسهل الفئات العمريّة التي يمكن استقطابها من قبل الجماعات المتطرّفة، ليتحوّلوا إلى قنابل موقوتة".

وشدّد المطلبي على ضرورة وضع حلول ناجعة تسهم في حماية عشرات الأطفال والمراهقين من مستقبل مجهول، مشيراً إلى أنّ الصمت إزاء ظاهرة تسوّل الأطفال والمراهقين، وعدم متابعتهم وإيجاد الحلول الحكوميّة المناسبة لهم سيؤدّيان إلى المزيد من الأعباء الأمنيّة والمجتمعيّة في الفترة المقبلة.

وأكّد المطلبي اطّلاعه على وجود حالات عدّة من تجنيد بعض المتسوّلين من قبل الجماعات المسلّحة، و"قد تمّ بالفعل اعتقال عدد منهم، متورّطين في زرع العبوات الناسفة وأعمال إرهابيّة أخرى".

وكانت محكمة تحقيق الكرادة أعلنت عن محاكمة جماعات خاصّة تمتهن التسوّل داخل مراكز التسوّق في بغداد في 24 نيسان/أبريل. وأشارت إلى أنّ بعضهم استخدم الاستجداء والتسوّل وسيلة للتغطية على الأعمال الإرهابيّة.

وكشفت مفوضيّة حقوق الإنسان في العراق عن أنّ تنظيم "داعش" جنّد في شباط/فبراير من العام الماضي نحو 77 طفلاً من المتسوّلين واستخدمهم كانتحاريّين في صفوفه، مؤكّدة أنّ الأطفال المتسوّلين في الشوارع أصبحوا عرضة للاستغلال من قبل الجماعات الإرهابيّة.

وقال الناطق باسم وزارة الداخليّة سعد معن لـ"المونتيور"، إنّه خلال الأشهر الماضية، تمّ اعتقال بعض المتسوّلين في محيط بعض المواقع الأمنيّة، وقد "أثبتت التحقيقات أنّ بعضهم كان منخرطاً في شبكات مسلّحة تعمل على جمع المعلومات"، مضيفاً أنّ "قوّات الشرطة والأجهزة الأمنيّة تشنّ باستمرار حملة مداهمات واسعة للفنادق التي يسكنها المتسوّلون، وتضمّ الأطفال والمراهقين والنساء في منطقة البتاويين" في وسط بغداد، والمعروفة بتواجد الكثير من المتسوّلين وتجارة الجنس.

وكشف معن عن أنّ المتسوّلين يعملون في شكل منظّم وأنّ هناك من يوجّههم، ويشرف على عملهم، ويسعى كذلك إلى حمايتهم من الأجهزة الأمنيّة بطرق شتّى.

وأضاف أنّ سجن الأحداث يضمّ بعض الشباب والمراهقين المتسوّلين الذين ألقي القبض عليهم بالجرم المشهود، مشدّداً على أنّ الأجهزة الأمنيّة تراقب أحوال المتسوّلين من الصبية والبنات في الشوارع والتقاطعات وتحذّر من اقترابهم من الحواجز الأمنيّة.

وتدفع الأميّة والجهل والفقر والفوضى وغياب الإجراءات الرادعة والحلول الحكوميّة إلى تفشّي ظاهرة التسوّل، وتحوّلها إلى الجريمة والقتل والتفجير، حسب ما تؤكّد التحقيقات الأمنيّة مع بعض المتسوّلين الذين ثبت تورّطهم مع الجماعات المسلّحة ومشاركتهم في نقل المعلومات الأمنيّة، في وقت لم تحرّك وزارة حقوق الإنسان أو لجنة حقوق الإنسان النيابيّة ساكناً لاحتواء الصبية والفتيات وإنقاذهم من الجريمة والضياع، على الرغم من علمهما بانتشار ظاهرة التسوّل وانعطافها في شكل خطير.

كما اعترفت بذلك عضو لجنة حقوق الإنسان في مجلس النوّاب شيرين رضا في حديثها إلى "المونتيور"، قائلة إنّ "اللجنة لم تعقد اجتماعاً واحداً في هذا الخصوص، كما لم تقدّم أيّ مقترحات للحكومة الاتّحاديّة لمعالجة هذه الظاهرة"، وألقت باللائمة على لجنة الأمن والدفاع النيابيّة، كونها المسؤولة الأولى عن الأمر ولديها المعلومات الكافية في شأنه.

ويصف الباحث الاجتماعيّ حسن البصام في حديثه إلى "المونتيور"، ظاهرة تفشّي التسوّل وانحداره خلف الإرهاب والجريمة المنظّمة، بأنّه نتاج لليأس. كما أنّ الصبية والمراهقين والفتيات هم الأكثر استعداداً للمغامرة، وهم أقلّ خوفاً من سواهم من تبعات أعمالهم، بسبب رخاوة عقولهم وطيشهم في هذه المرحلة العمريّة، لذا فهم أكثر من يتأثّر بالأفكار ويتبنّاها، ولأنّ تجاربهم الحياتيّة غير مكتملة ولا يملكون النضج الكافي لفرز الأفكار، فهم دائماً هدف للاستغلال من قبل الجماعات المتطرّفة، وهم في قرارة أنفسهم يحمّلون المجتمع الأخطاء والجرائم التي قد يرتكبونها.

كما سهّلت حالة الانفلات الراهنة في كلّ المجالات، وغياب الروابط الأسريّة والتربويّة، وغرق مؤسّسات الدولة في الفساد، من تنامي انحراف الشباب والمراهقين والفتيات الصغيرات في شكل يضع وخزات قويّة على الحكومة والمؤسّسات الدينيّة ومنظّمات المجتمع المدنيّ.

والحال هو أنّ غياب استراتيجيّة الدولة في تأمين العيش الكريم للشباب العاطلين عن العمل والمراهقين الذين لا معيل لهم، كان السبب الرئيسيّ في انحرافهم ووقوعهم في فخّ الجماعات المسلّحة، ليكونوا ضحايا في تنفيذ هجمات إرهابيّة، ويتمّ استغلالهم في شكل بشع من قبل تلك الجماعات، ممّا يعني حسب كثيرين، مسؤوليّة الحكومة في تفشّي ظاهرة التسوّل والخطر الأمنيّ الذي يترتّب عليها.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

7