من المؤكد أن الإرهاب التكفيري ومفاعيل تفجيراته وطبيعتها التي تستهدف خلخلة النسيج الاجتماعي الواحد، يعد من أخطر التحديات والمشكلات التي تواجه أغلب دول العالم الإسلامي.. لأن المجموعات الإرهابية تمتلك قدرات مادية وفنية هائلة، كما أنها تستمر في عملية التأثير على الكثير من الشباب المتحمس، وذلك بفعل خطابها التأجيجي وكأنها قاب قوسين أو أدنى من الوصول إلى أهدافها وغاياتها..

وكل الدول اليوم معنية ببلورة استراتيجية متكاملة في طرق مواجهة الإرهاب. ونود في هذا المقال أن نوضح حقيقة أن الإصلاح الثقافي الذي يستهدف تطوير أنظمة التفكير وآليات الفهم مع منظومة أولويات جديدة، كل هذه الممارسة الإصلاحية في الحقل الثقافي، هي من أهم وسائل مكافحة الإرهاب وتحريك قوى المجتمع المتنوعة للوقوف معاً في صف مكافحة الإرهاب وتجفيف منابعه المختلفة..

والخوف من الإصلاح الثقافي والرهاب منه، يعد دعماً غير مباشر لهذه المجموعات الإرهابية..

لأن هذه المجموعات الإرهابية تتغذى بشكل دائم ورئيسي من السائد الثقافي كمسوغات لتبرير خطابها الصدامي وخلق حالة من العصبية التي تجعل من كل المتعصبين يلتفون حول خيار هذه المجموعات الإرهابية..

ونود أن نوضح حقيقة أن الإصلاح الثقافي بما يشكل من تجديد الفهم وإعادة النظر في طبيعة الأولويات ونص الاهتمامات الثقافية، هو بمجمله إحدى وسائل مكافحة الإرهاب وإنهاء المسوغات الاجتماعية والثقافية التي يتغذى عليها، من خلال النقاط التالية:

من المؤكد أن الجمود الثقافي والترهل الفكري وعدم تغيير السيئ من السائد الثقافي، يعد من العناصر الداعمة بشكل مباشر لخطاب الإرهاب وترويج قناعاته ومسوغاته..

لذلك فإن العمل الثقافي الذي يستهدف إنهاء حالة الجمود والركود وبناء رؤية جديدة لتغيير وتطوير بعض عناصر السائد، يعد وسيلة من وسائل مكافحة المسوغات الفكرية والدينية والاجتماعية لخطاب الإرهاب..

لهذا فإننا نرى أن الإصلاح الثقافي الذي يسهم في تغيير المناخ الاجتماعي وذهنية آحاد المجتمع، يعد من وسائل مكافحة الإرهاب في المجتمع..

ولو تأملنا في طبيعة الحركة الاجتماعية، لوجدنا أن المجتمعات التي تمتلك قدرة على إصلاح وتطوير أوضاعها الثقافية، هي من أكثر المجتمعات قدرة على مواجهة الإرهاب..

أما المجتمعات الساكنة والجامدة والبعيدة عن ضرورات الإصلاح وفعالية الثقافة، فهي من المجتمعات التي تنمو في أطرافها وهوامشها أفكار الإرهاب والبحث عن وسائل للتغير الاجتماعي، متوسلة بذلك بذات الخطاب الذي تحمله المجموعات الإرهابية..

فالمجتمعات الساكنة والتي لم تطالها ثقافة الإصلاح الثقافي، هي أكثر قابلية من غيرها للخضوع الجزئي لثقافة الإرهاب..

من هنا فإن الإصلاح الثقافي الذي يغير من الاستعدادات والقابليات الاجتماعية، هو من أنجع الحلول للتمكن من مواجهة خطر الإرهاب وثقافته التكفيرية والعنفية..

لا يمكن لكل المجتمعات العربية والإسلامية من التفاعل الخلاق مع كل مكاسب الحضارة الحديثة ومنتجاتها الإعلامية والتواصلية بدون الإصلاح الثقافي..

وهذا الإصلاح الثقافي هو الذي يوفر إمكانية فعلية وحقيقية للتعامل الإيجابي مع كل السلع الحضارية والتقنية..

أما إذا خضعنا لمتواليات الجمود الثقافي والرهاب من التجديد الفكري، فإن النتيجة المباشرة لذلك هي التعامل غير السوي مع أغلب منتجات الحضارة الحديثة.. فتتحول بعض هذه السلع من وسيلة للتواصل الإنساني إلى وسيلة للتأجيج الإرهابي وبث ثقافة التكفير والتفجير.. لذلك فإن من وسائل تصحيح طبيعة العلاقة مع السلع التواصلية للحضارة الحديثة هو الاستمرار في خيار الإصلاح الثقافي الذي يطرد كل مسوغات الجمود من المناخ الاجتماعي..

فالإصلاح الثقافي في المجتمعات المتوقفة عن التطور والتقدم من الضرورات الكبرى، لأنها إحدى الوسائل المهمة للقبض مجدداً على كل شروط القوة وبناء التقدم..

وعليه فإننا نعتقد أن الإصلاح الثقافي بكل زخمه وتأثيراته، هو من أهم الوسائل لعتق مجتمعاتنا من ربقة الإرهاب..

مواجهة الإرهاب تتطلب دائماً القبض على القدرات الذاتية التي تمكن المجتمع من التعبير الحي والحيوي عن ذاته الثقافية البعيدة عن خيار العنف والإرهاب.. ولا ذات ثقافية حيوية وفعالة في الفضاء الاجتماعي بدون عملية الإصلاح الثقافي الطاردة لكل الحوامل الثقافية والاجتماعية لنزعة الإرهاب والتكفير في المجتمع..

أما المجتمع الذي لأسباب عديدة، ضيع ذاته الثقافية أو قمعها وحاربها، فهو من المجتمعات التي تمتلك قابلية التفاعل الاجتماعي والثقافي مع خيار الإرهاب.. لذلك ومن أجل كنس كل العناصر التي تؤسس هذه القابلية البغيضة، ثمة حاجة عميقة للإصلاح الثقافي، الذي يطرد حالة الجمود ويؤسس لفاعلية ثقافية جديدة، تحرك كل الساكن والجامد في الفضاء الاجتماعي..

فالإصلاح الثقافي من الضرورات الأساسية لمكافحة الإرهاب من موقع القدرة على الانتصار عليه ودحره..

لهذا كله فإن الإصلاح الثقافي هو خيار من يريد أن يبني راهنه ومستقبله، بعيداً عن تأثيرات الإرهاب التي تضيع كل فرص بناء المستقبل على أسس أكثر فعالية وقدرة على التأثير والتأسيس..

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0