ربما من المبكر الحديث عن تحقيق نصر نهائي (على الأقل في العراق) ضد تنظيم ما يسمى (الدولة الإسلامية/ داعش)، لكنة (وبحسب تطورات الأرض) أصبح الامر مسالة وقت ليس أكثر، قبل ان تبدأ معركة الموصل بحسم الأمور وكسر المعقل الأكبر للتنظيم في العراق، والذي ما زال يحتفظ فيه حتى الان، لكن، حتى لا تتكرر أخطاء الماضي، ينبغي على الحكومة العراقية التخطيط منذ الان لثلاثة أمور رئيسة:

1. الحفاظ على الانتصارات التي حققها العراقيون ضد تنظيم داعش.

2. ضمان عدم عودة تنظيم جهادي متطرف (قد يكون أكثر تطرفا من داعش) اخر الى العمل في العراق.

3. إعادة ترتيب الأوضاع (ديمغرافيا، خدميا، أمنيا، اقتصاديا) بطريقة مثالية وعادلة في المناطق المنكوبة.

الكل يعرف ما جرى في العراق بعد الغزو الأمريكي عام (2003)، حيث أصبح العراق المعقل الرئيس لتنظيم القاعدة، ومنه انطلقت وتفرعت عدة تنظيمات وحركات جهادية متطرفة، أودت بحياة ما يزيد عن نصف مليون مدني خلال عقد من الزمن، إضافة الى تنامي الصراع المذهبي والطائفي بين مكونات الشعب العراقي (السنة والشيعة)، والتي وصلت ذروتها بعد تفجير مرقد الامامين العسكريين بسامراء عام 2006، وقد احتاجت القوات الامريكية والقوات العراقية عدة سنوات لإنهاء نفوذ القاعدة في العراق، وبالأخص في محافظة الانبار (التي تشكل مساحتها ثلث مساحة العراق ومحاذية لسوريا والأردن والسعودية) حيث تطلب القضاء على سيطرة القاعدة الى تشكيل قوات من العشائر السنية لمقالة التنظيم عرفت لاحقا باسم (الصحوات).

وفي ذلك الوقت كان التمهيد مستمر لقيام تنظيم داعش، بعد ان أسس له (أبو مصعب الزرقاوي) الذي لم يتخلى عن القاعدة كسلفة (أبو بكر البغدادي)، وتحت اسم (قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين) استطاع الزرقاوي ان يوحد الفصائل المختلفة تحت اسم (مجلس شورى المجاهدين) الا ان مقتل الأخير على يد القوات الامريكية بغارة جوية، حول القيادة الى عدت اشخاص (أبو حمزة المهاجر، أبو عمر البغدادي)، حتى وصلت في النهاية ليد (أبو بكر البغدادي) بعد مقتل الجميع على يد القوات الأمنية، وكان اسم (الدولة الإسلامية) معروف على نطاق ضيق، رغم تبنيها للكثير من العمليات الانتحارية والتفجيرات الدموية التي طالت العاصمة العراقية بغداد وعدة محافظات أخرى في الوسط والجنوب، الا ان التحول الكبير في توسع نفوذ التنظيم جاء متزامنا مع الحرب الاهلية في سوريا، حيث وسع نفوذه في محافظات الرقة وحلب وريف اللاذقية ودمشق وريفها ودير الزور وحمص وحماة والحسكة وإدلب، بعد خلاف طويل مع التنظيمات الجهادية المتطرفة الأخرى، سيما تنظيم (جبهة النصرة) المنتمي الى تنظيم القاعدة الذي قطع جميع علاقاته مع داعش اثر خلاف جهادي وولائي بين التنظيمين، لكن تنظيم داعش لم ينسحب من العراق، بل استطاع الاستفادة من توسع قاعدته الجهادية في سوريا، وارتباك الأجهزة الأمنية في العراق، ليسيطر في التاسع من حزيران، بعد هجوم خاطف، على عدة محافظات عراقية، مهددا بالزحف نحو جنوب العراق (حيث الأغلبية الشيعية).

طبعا المعادلة الان تغيرت، ومؤشرات تراجع تنظيم داعش في العراق أصبحت أكثر وضوحا، وربما بحلول الربيع نشهد انطلاق عمليات تحرير الموصل من قبضة المسلحين، الامر الذي يعني فقدانهم لأخر معاقلهم الحيوية في العراق، اما بالنسبة للأنبار، فالعشائر السنية وحدها (بمساعدة القوات الأمنية العراقية) كفيلة برد الاعتبار للمحافظة وحفظ امنها وطرد التنظيم كما حدث سابقا أيام الصحوات، لكن وبعد انتهاء كل هذه "الفوضى" يبقى السؤال الأهم يبحث عن إجابة منطقية، ما ذا بعد تنظيف العراق من داعش؟

منطقيا، ولكيلا تتكرر ماسي الماضي، ينبغي على الحكومة العراقية الإجابة على ثلاث أسئلة تتفرع من هذا السؤال الرئيسي في الواقع.

فالسؤال الاول الذي يتعلق بكيفية المحافظة على الانتصارات التي تحققت؟ يتعلق جوابه بالجانب العسكري، وهو يعني في الأساس تطوير "عقيدة الجيش العراقي" وأساليب تدريبة وتسليحه وإعادة انتشاره، إضافة الى كفاءة الضباط ومكافحة الفساد و"الفضائيين"، وغيرها من الأخطاء التي تسببت بظهور داعش بعد الانتصار على القاعدة، وهي (الأخطاء) التي ستتسبب بظهور تنظيمات جديدة بعد زوال داعش.

ام السؤال الثاني، (كيف نضمن عدم عودة داعش ولا غيرة من التنظيمات المتطرفة؟)، فتتعلق اجابته بالجهد الاستخباري والأمني المركز والدقيق بالاعتماد على الخبراء والفنيين، إضافة الى استثمار التعاون والتأييد الدولي الكبير للعراق وحكومته في تطوير قاعدة بيانات متكاملة وشاملة والتفاعل والتنسيق مع مختلف الدول في مجال تبادل المعلومات الأمنية والاستخبارية لاحتواء أي تنظيم او حركة مسلحة قبل انتشارها، وهو امر تعتمد في تطبيقه اغلب دول العالم.

فيما يتناول السؤال الأخير كيفية إعادة ترتيب الأوضاع بعدالة ومثالية في المناطق التي تعرضت الى اعتداءات داعش؟

وهو، في الواقع، الأهم بين الامرين، اذ ان التنظيمات الجهادية تعتمد في الأساس على البيئة الحاضنة لأفكارها ومن ثم لانتشارها، وهو لا يتم في العادة من دون وجود ظروف استثنائية، والتي تحتاج بالنتيجة لجهود استثنائية لمكافحتها بعد القضاء على أسباب وجودها، خصوصا وان اهمال جزء من المشكلة قد يولد مشاكل ثانوية تتحول بالتقادم الى مشاكل رئيسية، واعتقد ان الإجابة على السؤال الأخير توجد في الأماكن المنكوبة وكيفية التعامل الحكومي مع العهد الجديد الذي سيبدأ بعد نهاية داعش، والتي قد تكون منطلقا لبداية عهد جديد تكون فيه "تجربة ترتيب الأوضاع" للمناطق المنكوبة نموذجا قابل للتعميم والفائدة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3