لست مع الذين تأسفوا لعدم دفاع الجيش الأفغاني عن النظام السياسي ضد الاستيلاء الخاطف لحركة طالبان للسلطة في كابول، وهو ما كانت تريده أمريكا لإغراق هذه البلاد المسكينة بالمزيد من الدماء التي تضاف الى ما هدر خلال العقود الماضية، فلا داعي للدفاع عن عملية سياسية هشة تأسس فيها الفساد قبل أن تترسخ مفاهيم الديمقراطية.

ولم تتمكن بكل جهود الغزاة، وما انفق عليها من أموال، وما روج لها دعائيا من التحول لعقيدة راسخة في عقول وضمائر الجنود، فالجيوش التي تفتقد الى العقيدة الوطنية والايمان بالنظام السياسي لا يمكن لها الصمود مهما بلغ عديدها وعدتها. والا بماذا نفسر هروب ما يقرب من ثلاثمائة الف جندي أمام حركة يقال ان عدد أنصارها لا يتجاوز خمس وسبعين الف عنصر لا يمكن لهم وفق السياقات العسكرية السيطرة على كل مساحة افغانستان.

لا أظن أحدا لا يذكّره هذا الحدث بما جرى في مناطقنا الغربية عندما احتلتها داعش، وكيف انهارت القطعات العسكرية بمختلف صنوفها وعناوين قادتها أمام مجموعة تقدر بالمئات، ولولا فتوى المرجعية الرشيدة وأبطال الحشد الشعبي لكانت داعش تترنح على صدور العراقيين، ولتحولت بغداد الى قندهار ثانية. فقد ألهب ايمان رجال المرجعية بالعقيدة الوطنية والدينية الحماس في رجال القوات الأمنية ليصولوا صولتهم البطولية ويحرروا ما اغتصب من أرضنا.

نعم التدريب والأسلحة المتطورة والمهارات القتالية في غاية الأهمية، ولكن الأهم هو العقيدة العسكرية المشبعة بالوطنية، فهي من يجعل الجندي مستعدا للتضحية بنفسه دفاعا عن بلاده وأهله، لكننا أولينا الاهتمام في تجربة ما بعد الاحتلال للجوانب الفنية ولم ننشغل بتعزيز العقيدة العسكرية، واكتفينا بما موجود في وجدان الشخصية العراقية من روح وطنية، مع ان هذه الروح متفاوتة من شخص لآخر، ويمكن لها أن تنخفض وتزداد، وبذلك فأنها بحاجة لبرامج ثقافية ونماذج حقيقية من قادة يُحتذى بهم.

من المؤكد سيفر الجندي من المعركة اذا رأى قائده الميداني ومن بعده السياسي فاسدا او جبانا او عميلا، او اذا شعر ان عائلته من بعد استشهاده ستُذل.

ولو كانت العقيدة الوطنية راسخة في نفوس أفراد القوات الأمنية، ولديهم من الوعي بطبيعة مهامهم ما يكفي، لما فر حماية مدير بلدية كربلاء أمام مجرم واحد، ولو كانوا فعلا مدربين لتمكنوا من قتل المجرم قبل أن يطلق رصاصته الى جسد الشهيد.

لا نريد جيوشا ولا حتى مواطنين لا يعنيهم من الوطن سوى رأس الشهر، يهيمن عليهم سلوك اللامبالاة، وترك الوطن لمهب الريح عندما تشتد عليه الخطوب سواء من قوة أجنبية محتلة، او مجموعة ارهابية متطرفة، او قوة محلية خارجة عن القانون.

لسنا متعالين على أحد، لكن الواقع يثبت: لا أشجع من العراقيين، او أكثر منهم غيرة، او أجزل منهم كرما، مثل هذه السمات التي لم يتعلمها الشعب تماما من المدرسة او غيرها، بل موجودة في الوجدان، تجعل بالمقدور التصدي لأية قوة أجنبية طامعة في بلادنا، لكن مواجهة قوة محلية مسلحة، ارهابية او خارجة عن القانون تعمل لمصالحها الضيقة او أداة بيد دولة أجنبية، تقتضي عقيدة ووعيا عميقا، ولا يقتصر ذلك على القوات الأمنية، بل يشمل جميع المواطنين.

لا يمكنني أن أنسى تلك الحادثة ابان سنوات الطائفية السوداء التي تسلق فيها اثنان من الارهابيين في وضح النهار جسر مشاة تعتليه نقطة أمنية على مرأى من أفرادها، فقتل الارهابيون جميع عناصرها من دون أن تنطلق رصاصة واحدة من أفرادها.

بينما فر جميع الناس الذين صادف وجودهم في المكان مذعورين دون مبادرة شجاعة، ولم يتساءل المعنيون كيف ولماذا وما السبيل؟، عدم الاجابة عن هذه الأسئلة هي من أوصلت داعش لاحتلال ثلث بلادنا. مع العقيدة ربما نصف عديد قواتنا كاف لحمايتنا من الأعداء، لكن من أين نأتي بالقادة الوطنيين؟ هذا هو السؤال.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق