على أرض منداناو المعقل الرئيس للمسلمين في جنوب الفلبين، انتشر الإسلام بفضل التجارة والدعاة منذ عام (1450). وبعد أن كانت جزر الفلبين مفككة ومفرقة لا تجمع بينها سوى صلات التجارة، أضحت أكثر التحاما برابطة العقيدة الإسلامية التي غرست في المجتمع الفلبيني قيماً ومفاهيم جديدة لم يألفها الفلبينيون من قبل؛ لتتخذ الحياة في ظلها منحى جديداً ويغدو مفهوم التوحيد المطلق لله الدعامة الرئيسة في الحياة الروحية للمسلمين في الفلبين، وتغدو المساواة بين أفراد المجتمع من أهم خصال المجتمع الإسلامي الجديد في الفلبين. واليوم يبلغ عدد المسلمين في هذه الاصقاع من الارض نحو (10) ملايين نسمة بنسبة تقدر 11% من إجمالي عدد سكان الفلبين.

وفي أتون الصراع من أجل تأكيد الهوية الدينية الذي خاضه المسلمون في جنوب الفلبين ضد محاولات المستعمرين ومن بعدهم حكومة الاغلبية المسيحية، توافر المناخ الملائم لبروز قوى وحركات ترفع لواء الإسلام وتدافع عن حقوق المسلمين عن طريق العمل السياسي تارة أو حتى العمل المسلح تارة أخرى. وإذا كانت محاولات المسلمين في جنوب الفلبين للتمسك بهويتهم الإسلامية قد أفصحت عن نفسها حتى انتصاف القرن العشرين بمظاهر شتى من أبرزها تكوين الجمعيات الدينية التوعوية، فإن تصاعد حدة المواجهات بين المسلمين والحكومة، وبطش الاخيرة ولجوئها الى استخدام العصابات الإرهابية من أمثال (الأغا، والأيلاجاس) في ارتكاب أبشع المجازر ضد المسلمين، قد افضى الى ظهور نمط جديد من التنظيمات الاسلامية المتشددة الميالة الى استخدام العنف المسلح على شاكلة (جماعة ابي سياف (1991م)، وجماعة أنصار الخلافة (2008)، وجماعة مقاتلي بانجسا مورو الإسلامية من أجل الحرية (2010)، وجماعة ماوت (2012)..

تلك الحركات التي إستمدت الانصار والاسناد من العائدين من ساحات المعارك في أفغانستان والمدارس المتشددة في اليمن والسعودية منذ مطلع التسعينيات، وإتخذت من إقليم بانغسامورو مركزا لفعالياتها المعادية للحكومة المركزية بالنظر لما يتوافر في هذه المنطقة من عوامل محفزة وحاضنة للتطرف؛ حيث الصراعات الدينية، والانقسامات العرقية، والفقر المدقع، وغياب الأمن وسط الغابات الكثيفة إضافة إلى الحدود المتاخمة لكبرى الدول الاسلامية في جنوب شرق اسيا. وبعد فقدان تنظيم “داعش” سيطرته المكانية في مناطق نفوذه التقليدية في سوريا والعراق، إتجه الى البحث عن ساحات بديلة في آسيا وافريقيا بهدف تجاوز هزائمه، واستعادة نشاطه، فكان ارخبيل منداناو بمزاياه الاستراتيجية وواقعه المنقسم عقائديا والهش أمنيا آنف الذكر، الملاذ الامن والبيئة المؤاتية للترويج لأفكار "داعش" وتوسيع رقعة نفوذه وتأثيره في ارجاء جنوب شرق اسيا برمتها، لاسيما وان هذا التنظيم ينشط في بؤر التوتر الملتهبة والهشة امنياً، فيعمل على تحويل الصراعات المحلية فيها إلى صراعات ذات بُعد هوياتي تخدم أجندته، بعد أن يحظى بتأييد ومبايعة الجماعاتٍ المتطرفة المحليةٍ له، مقابل مناصرة قضيتها وتلقيها الدعم المالي والبشري واللوجستي، مع منحها الاستقلالية الكافية.

وهكذا تمكن التنظيم من توسيع مساحات نشاطه وإعادة تموضعه الجغرافي في منداناو جنوب الفلبين بعد مبايعة التنظيمات السلفية المتطرفة فيها، لابي بكر البغدادي – قائد تنظيم داعش الارهابي - منتصف عام 2014 ؛ فكان التمدد الداعشي الى هذه المنطقة الملتهبة من الفلبين، نتيجة طبيعية لتفاعل المظالم المحلية مع الدعوات العالمية في بيئة نبتت فيها ونضجت بذور النقمة والتطرف والعنف واختلط فيها البعد القومي بالديني، والأيديولوجي بالعقدي منذ عقود خلت. ولعلنا نساير في هذا السياق ما انتهت اليه احدى الدراسات المختصة من راي مفاده " إن الجماعات الفلبينية المتطرفة لم تحتج إلى دعم داعش لها، بقدر حاجتها الى توظيفه كفزاعة لإكساب تموضعها المحلي بُعداً إقليميا ودوليا، غير أن تنظيم داعش هو الذي كان يحتاج إلى التموضع الاستراتيجي في الحاضنة الفلبينية البعيدة نوعاً ما عن حاضنته الرئيسية في منطقة الشرق الأوسط."

ومنذ الوهلة الاولى سعى تنظيم داعش الى تثبيت دعائمه وتوسيع نطاق فاعليته في الفلبين وجنوب شرق اسيا قاطبة، عبر توحيد الجماعات المتفرقة تحت رايته وشعاره، وفي سبيل ذلك قدّم التنظيم حوافز متباينة للجماعات المختلفة ومقاتليهم، وذلك لتشجيعهم على التعاون مع بعضهم. ثم اردف ذلك المسعى بالشروع في أول حملة لتجنيد سكان جنوبي الفلبين عام 2016، عبر نشر مقاطع فيديو على الإنترنت لإغراء المقاتلين الذين لم يستطيعوا السفر إلى الخلافة التي أعلنها التنظيم لنفسه في العراق وسوريا، على الانضمام الى ولاية التنظيم في جنوب شرق اسيا ومانداناو تحديدا حيث تدفق اليها مئات المقاتلين من دول جنوب شرق اسيا وغيرها من العالم الاسلامي مثل (الشيشان والصومال واليمن)، ليس بهدف كسب الانصار والانتشار فحسب، بل بهدف إكساب التنظيم المرونة والخبرات الكافية والقدرة على المناورة والتحرك والانتشار بسهولة بين الجماعات المحلية المختلفة بعد التحرر من قيد الروابط العائلية والعشائرية الفلبينية من جانب، والافادة من الخبرات الوافدة وشبكة علاقاتهم في تمويل وتطوير قدرات التنظيم الناشئ في الفلبين وجنوب شرق اسيا بأكملها.

وبعد أن ثبّت تنظيم داعش قواعده في منداناو، سعى الى إثبات حضوره والإعلان عن وصوله اليها عبر تبنيه مسؤولية العمل الارهابي الذي نفذه أنصاره في جنوب محافظة (سلطان قدرات)، مطلع شهر نوفمبر 2015، وأسفر عن مقتل 8 أشخاص. وفي العام التالي زاد عدد الهجمات التي نفذها التنظيم في جنوب الفلبين بشكل كبير حتى بلغ مجموعها (17) هجمة، أدت إلى مقتل 158 شخصا وإصابة 195.

لم يكتف (داعش) بما حققه من غايات وأصداء بهجماته المتفرقة في منداناو، بل زاد حماسه الى إحداث نقلة نوعية في أجندته القتالية بالسيطرة الفعلية على مدينة مراوي ذات الاهمية الاستراتيجية والغالبية المسلمة في مايو 2017، لتكون منطلقاً لتوسيع نطاق تمدده الجغرافي في المنطقة بما يؤمن له المزيد من الانصار والتمويل اللازم لإدامة زخمه. وبعد قتال دام خمسة أشهر، نجحت القوات المسلحة الفلبينية في إستعادة المدينة من قبضة التنظيم في أكتوبر من العام نفسه بعد مقتل (920 مسلح و165 جندي و47 مدني) ونزوح أكثر من نصف مليون شخص.

وقد شهدت الاعوام اللاحقة زيادةً ملحوظة في تكتيك العمليات الانتحارية التي نفذها تنظيم “داعش” في المنطقة لتصل الى ما نسبته 50٪ من مجموع العمليات الارهابية في الأشهر السبعة الأولى من عام 2019. وقد تم تفسير ذلك ضوء ثلاثة إحتمالات؛ يتعلق أولها بأن ذلك التكتيك تم استحداثه مع عودة العناصر الإرهابية من العراق وسوريا. وينصرف ثانيها إلى تصاعد حالة اليأس من زيادة الإجراءات والملاحقات الامنية الصارمة ضد مقاتلي التنظيم في جميع أنحاء الفلبين وجنوب شرق اسيا كلها، ويتصل ثالثها برغبة التنظيم في إثبات حضوره وتأكيد قدرته على الاستمرار والتأثير حتى بعد مقتل البغدادي في أكتوبر 2019، حيث أطلق حملةً دعائيةً سعى فيها إلى تجديد التعهدات لزعيمه الجديد (أبو إبراهيم الهاشمي)، في كل من فروع التنظيم في الفلبين وإندونيسيا، خاصةً بعد خسائره الإقليمية الكبيرة التي تكبدها في العراق وسوريا، وللتأكيد أيضًا على كون الفلبين لا تزال مهمة في حساباته مهما تغيرت الظروف.

إن تصاعد تهديدات داعش في منداناو لا يطال أمن الفلبين وحدها، بل يطال أمن دول جنوب شرق اسيا برمتها، لان التداخل الجغرافي بين اجزاء هذه المنطقة (جنوب شرق اسيا) تواجه المصير نفسه في المجال الامني، وهكذا شكل ارخبيل منداناو معبرا حيوياً لتدفق كثير من مسلحي داعش الذين نفذوا عملياتهم الارهابية في إندونيسيا ودول اخرى من جنوب شرق اسيا. وبكل الاحوال فان تهديدات وتطلعات داعش الارهابية لم ولن تتوقف عند حدود الفلبين أو حتى حدود منطقة جنوب شرق اسيا، بل تمتد لتشمل العالم كله. ومنذ البداية، دفع مسلمو الفلبين المستضعفين ضريبة الحرب التي شنها داعش ضد قوات الحكومة المركزية في جنوب البلاد، على حساب أمنهم ورفاهيتهم والسلام الهش الذي تحقق في ربوع هذه المنطقة إثر تصديق رئيس الفلبين (رودريغو دوتيرتي)، في 27 يوليو/تموز 2018، على قانون يمنحهم الحكم الذاتي بناء على اتفاقية ابرمتها الحكومة مع "جبهة تحرير مورو الإسلامية.

وبكل الاحوال والظروف، تبقى المقاربة الأمنية المتطورة والقاسية في مواجهة مظاهر الارهاب حديثة العهد في جنوب الفلبين وجنوب شرق آسيا، قاصرة عن إجتثاث منابع الإرهاب أو محاصرة المتشددين فيها، بفعل توافر مناطق شاسعة خارجة عن سيطرة النظام المركزي لأسباب إثنية أو أيديولوجية وتفاقم مظاهر الفقر والتهميش لأبناء الاقلية المسلمة فيها التي ستبقى مادة قابلة لاشتعال الازمات وانتشار التطرف والارهاب كلما سمحت الظروف وتوافرت القوى والعوامل المحرضة لها.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2021
www.fcdrs.com

........................................
مراجع مختارة:
- تقى النجار، الصعود في الشرق… لمحة إقليمية عن عمليات تنظيم “داعش” في جنوب شرق آسيا، دراسة منشورة على موقع المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية بتاريخ 26 يوليو 2020، على الرابط: https://marsad.ecsstudies.com/
- تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية بعنوان "داعش ينكمش في الشرق الأوسط ويتمدد بشرق آسيا" منشور في موقع sky news على الرابط: https://www.skynewsarabia.com/world
- سهير الشربيني، كيف تطور وجود تنظيم “داعش” في الفلبين، دراسة منشورة على موقع ذات مصر، في 11 مارس2021 على الرابط: https://zatmasr.com/

اضف تعليق