ليس الانتماء صفة وراثية يحملها الانسان بين جنباته بتعاقب الاجيال في امة ما، وليس الشعار الذي يرفعه او يلهج به ابناء الوطن الواحد في المناسبات او عند الملمات، بل هو شعور بالارتباط بحيز او جماعة ما يتكرس ويتنامى في الذات الانسانية مع امتداد الوجود وتواصل التفاعل الايجابي البناء مع هذا الوسط المادي بصيغة سلوك يعكس ارتباط والتزام هذا الفرد بمتطلبات العيش المشترك على حيز من الارض.

بالمقابل ليس الوطن ذلك الحيز الجغرافي الاصم الذي نعيش عليه ونتقيد بحدوده فحسب، بل انه المأوى والمعنى والهوية والملاذ... انه التاريخ والمصير المشترك ومستودع الذكريات والغايات المشتركة، لا يحتويه المكان ولا تعبر عنه مفردات الزمان، فلا يعتمد في وجوده على امة او حضارة بعينها لأنه الوعاء الحضاري والوجداني الممتد عبر الازمان والاحوال والاقوام.

ومثلما إحتار الكتاب والمعنيون في توصيف الوطن وتحديد معناه ومبتغاه، فانهم اختلفوا كذلك في سبر أغوار وتحديد مضامين الانتماء الوطني؛ فعرفه بعضهم على انه "شحنة عقلية وجدانية كامنة بداخل الفرد تظهر في المواقف ذات العلاقة بالوطن على مستويات ومجالات مختلفة "، وإنه وفق توصيف اخر "السلوك المعبر عن امتثال الفرد للقيم الوطنية السائدة في مجتمعه كالاعتزاز بالرموز الوطنية والالتزام بالقوانين والأنظمة السائدة، والمحافظة على ثروات الوطن وممتلكاته، وتشجيع المنتجات الوطنية، والتمسك بالعادات والتقاليد والمشاركة في الأعمال التطوعية، والمناسبات الوطنية، والاستعداد للتضحية دفاعا عن الوطن ".

وبكل الاحوال، لن يكون الانتماء الوطني عند هذا المقام غير مزيجٍ حي من الوعي والاحساس المترجم الى سلوكيات تعبر عن ارتباط الفرد الوجداني والعقلاني بالمكان. وسواء أكان الانتماء الوطني ثقافةً او احساساً او حتى سلوك يرتبط من خلاله الفرد بوطنه، فانه يمثل حجر الاساس في بناء الامة وادامة وجودها واستقرارها ومفتاح نهضتها؛ فعلى أساسه يتم تحديد ملامح الهوية الوطنية والتعريف بمستلزمات العيش المشترك لأبناء الوطن الواحد، وهو المنطلق لتطوير وعيهم الجمعي بالغايات المشتركة والمصير الواحد.

ومن هذا الارتباط الوجداني والوعي الجمعي تتولد وتنمو دوافع البذل والعطاء والتفاني في سبيل الذود عن الوطن والالتحام بأهدافه بين ابناءه؛ فعلى اساس الانتماء الوطني تبنى الاوطان وتصان وتتقدم حتى تكتسب الرفعة. أي بعبارة اخرى يكون الانتماء الوطني للأفراد

بمثابة الضمير الداخلي الذي يعمل على إرشادهم وتوجيه سلوكياتهم باتجاه خدمة الوطن وقضاياه وإذا جاز لنا القول على ما تقدم من وصف بان الانتماء الوطني جوهر كامن في النفس متغلغل فيها، فلابد لهذا الجوهر من مظاهر تدل عليه، مثلما ينبغي ان يكون لهذا البناء الوجداني من قيم وعناصر تقيم دعائمه واركانه يمكن ايجازها بالآتي:

- حب الوطن والتضحية من اجله والعمل على تحقيق أهدافه والايمان بأولويتها.

- الاهتمام بالقضايا الوطنية والحرص على حماية الوحدة الوطنية من كل ما يتهددها.

- الاعتزاز بالهوية الوطنية واحترام رموزها؛ المتمثلة باحترام العلم الوطني، والنشيد الوطني، والعملة الوطنية.

- الالتزام بالدستور والقوانين والانظمة السائدة في البلاد.

- المحافظة على الممتلكات العامة وجميع ثروات البلاد الطبيعية والتمسك بالقيم والعادات الاصيلة السائدة في هذا الوطن.

- النهوض بالواجبات الوطنية والمشاركة الفعالة في جميع الانشطة والفعاليات الوطنية والأعمال التطوعية التي تخدم البلاد ولاسيما في اوقات الازمة.

- الامتناع عن كل ما يسيء للوطن من تهديدات داخلية او خارجية مهما كانت مستوياتها.

بيد ان القول بوجود وعي واحساس مكتسب بالانتماء للوطن، يستلزم توافر ادوات ومؤسسات وجهود للتعريف بمتطلبات هذا الانتماء وتطوير الوعي والشعور الجمعي به وتوجيهه توجيهاً ايجابيا سبيلا لتكريسه ثقافة وسلوكا بين ابناء الوطن بما يسهم في ترسيخ الوحدة الوطنية من جانب، وتحشيد جهود ابناء هذا الوطن في طريق اعماره وتطويره والدفاع عن مكتسباته اذا لزم الامر في وجه التهديدات الداخلية والخارجية.

ومن هذا المنطلق تنبع الحاجة الصميمية لمؤسسات التنشئة الوطنية تتقدمها الاسرة والمدرسة والجامعة، ومع تضييق دائرة الاهتمام تبرز الاخيرة لتمارس دورها الفاعل في تعزيز الشعور الوطني وتجسيده في صورة سلوك يدعم بناء الوطن وتقدمه لدى شريحة الشباب الواعي الذي يعد اهم شرائح المجتمع واكثرها فاعلية وتأثير في مستقبله ونهضته؛ إذ تسعى الجامعة من خلال كوادرها التدريسية ومناهجها التعليمية وانشطتها وفعالياتها المتنوعة إلى إنضاج وابراز القيم المتعلقة بالاختيارات الوطنية وتعضيد أواصر الارتباط بحضارة الوطن وأمجاده ورموزه الامر الذي يفضي بالنهاية الى استيعاب متطلبات المواطنة وقيمها. على هذا فإن تأصيل "روح المواطنة[i]" يمكن أن يعد ضمن الاعتبارات القيمية في تكوين الشباب الجامعي ويعني تأكيد حق الوطن في كل ما يتعلق برؤية الفرد وجهوده لتحقيق ذاته ومكانته.

وفي هذا السياق التوعوي والتعبوي الوطني لشريحة الشباب الجامعي، يبرز الدور المحوري الذي يباشره الاستاذ الجامعي في عملية استنبات قيم الانتماء الوطني نتيجة لكونه العنصر الانساني الاساس وحجر الزاوية في العملية التعليمية، والحلقة المفصلية في إيصال رسالة الجامعة المعرفية والتربوية الى طلبتها، وهو الامتداد الحي والوسط الناقل لإرهاصات المجتمع وقيمه الى داخل الحرم الجامعي، عليه يعتبر الاستاذ الجامعي العنصر الأساسي في عملية غرس وتعزيز قيم الانتماء الوطني، كونه صاحب القرار والمهيمن على الفصل الدراسي والمحرك الأول لدوافع الطلبة، والمشكل لاتجاهاتهم، وهو المثير لدواعي الابتهاج والحماسة، والتسامح، والاحترام و الاحترام والألفة والمودة؛ فضلا عن كونه المحطة النهائية والاساسية لإتمام المسيرة التعليمية والتربوية للطالب الجامعي؛ فهو (أي الاستاذ الجامعي) المربي والموجه والمعلم والمرشد والمصلح الاجتماعي الذي يعمل على نقل المعارف والقيم والحقائق جيلا بعد جيل بالإضافة إلى الدور الرئيس والبارز في نقل ثقافة المجتمع وآرائه وآماله وطموحاته، وقيمه وعاداته وتقاليده.

فلا مجال بعد ذلك للقبول بالدور السلبي والمتحجر للأستاذ الجامعي في حدود نقل المعرفة المجردة دون القيم والاخلاقيات ودرة تاجها الوطنية وذلك نابع من جملة اعتبارات منطقية وعملية واخلاقية تؤكد هذا الدور وتكرس الحاجة له، فمن المنظور المنطقي والعملي، لا يمكن فصل الاستاذ عن مجتمعه وهموم وطنه، وتجميد مشاعره وتقييد دوره عند حدود الواجب التعليمي دون التربوي وهو الاب في اسرته، والجزء الفاعل في مجتمعه.

كما لا تسمح الاعتبارات الاخلاقية، بانسلاخ الاستاذ عن قيم المواطنة ومستلزماتها التي تفرض عليه في أحيان عدة أن يضع خبراته ومعارفه في خدمة قضايا وطنه وهمومه، بل ان هذه المعرفة هي ما تلزمه في ان يتقدم صفوف المواطنين من اجل البذل والعطاء؛ لاسيما وأنها ضريبة المواطنة وزكاة العلم والتعلم في هذا الوطن. "علاوة على ذلك فان التطورات السريعة والمذهلة التي مست كل مجالات الحياة، قد ألقت بأعباء إضافية على الواجبات الرسمية للأستاذ الجامعي فازدادت مسؤولياته وأعباءه نحو الناشئة والشباب فأصبح مسؤولا عن تعريف أجيال المستقبل بأهداف الوطن وآماله ومستلزمات بنائه وحمايته وايجاد الحلول الناجعة لمشكلاته، مع تعليم أصول المواطنة وتنمية قيمها الاجتماعية والقومية "

عند هذا المقام يتوجب على الاستاذ الجامعي أن يجند نفسه وعلمه في خدمة وطنه من موقعه كأستاذ في مؤسسة تربوية وواجهة اجتماعية مرموقة، فيغرس في طلبته حب الوطن والايمان بأهدافه وقضاياه، مستحضرا في وعيهم الامجاد الحضارية والبطولات التاريخية لهذا الوطن لتكون حافزا لهؤلاء الطلبة في تعزيز انتمائهم الوطني. ولا غنى للأستاذ الجامعي عن إحاطة الطلبة ببعض المعلومات عن مقومات الوطن وعناصر القوة فيه وهمومه وتحدياته، وصرفهم عما يسيء له من سلوكيات مستجدة او وافدة؛ بالوعظ والقدوة الحسنة لإشاعة ثقافة الحوار والتسامح والسلام.

ترتيبا ًعلى ما تقدم، سيكون الرهان على دور البناء الوطني الذي تنهض به الجامعة ينبني على مكانة الاستاذ ودوره وتأثيره في هذه المؤسسة والاستثمار الامثل لطاقات الاخير في تعزيز قيم الانتماء الذي يصب بالمحصلة في صالح تعزيز بنية وقدرة الوطن ومؤسساته التربوية، وهذا لعمري أحسن استثمار يحصن البلد والأجيال الصاعدة ويحصنه من كل التهديدات والتحديات ويكرس ملامح الهوية الوطنية والمصالح الوطنية المستقبلية بين طلبة الجامعة.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2021
www.fcdrs.com

.....................................
مصادر تم الاعتماد عليها:
- مفهوم الانتماء الوطني، وكالة جراسا الاخبارية، على الرابط:
https://www.gerasanews.com/print/179701
- دور المدرسة في تنمية قيم الانتماء، على الرابط:
https://revues.univ-ouargla.dz/index.php/numero-05-ssh/1142-2013-05-21-09-21-37

اضف تعليق