بقلم: شاشي ثارور

نيودلهي ــ يعشق رئيس الوزراء الهندي نارندرا مودي ممارسة ما يسميه الجنرالات الأميركيون "الصدمة والرعب". كانت آخر مرة أذهل فيها مودي الهند ــ وقوبل بالتصفيق في مستهل الأمر لحسمه ورؤيته الجريئة ــ عندما أعلن، في غضون ساعات قليلة، سحب 96% من عُملة الهند (من حيث القيمة) من التداول. ولا يزال الاقتصاد الهندي يتعامل مع العواقب.

في الخامس من أغسطس/آب، صدم مودي الهند بإعلان آخر ربما يتبين أنه المعادل السياسي لكارثة سحب العملة من التداول. فبعد سبعين عاما من اطمئنان شعب جامو وكشمير ــ الولاية الوحيدة التي تسكنها أغلبية مسلمة في الهند ــ والمجتمع الدولي إلى أن الولاية ستظل محتفظة بمكانتها الخاصة بموجب الدستور الهندي، أصدرت الحكومة قرارا أحاديا بتقسيمها. اقتطعت إدارة مودي منطقة اتحادية على الهضبة العليا وتلال لاداخ في النصف الشرقي من الولاية، وقلصت الوضع الشرعي للقسم المتبقي ــ الذي لا يزال يسمى جامو وكشمير ــ من ذلك لصالح ولاية لمنطقة اتحادية. (منطقة اتحادية تدار بشكل مباشر من قِبَل الحكومة الفيدرالية، رغم أنها ربما تحظى بمجلس تشريعي ومجلس وزراء منتخبين، بصلاحيات محدودة).

يخشى كثيرون في الهند أن يفوق الضرر الناجم عن قرار مودي في الأمدين القريب والمتوسط، كما حدث مع مسألة سحب العملة من التداول، الفوائد النظرية في الأمد البعيد بدرجة كبيرة. فأولا وقبل كل شيء، هناك الخيانة المذهلة للديمقراطية في الهند: فقد غيرت الحكومة العلاقة الدستورية لشعب جامو وكشمير إلى جمهورية الهند دون التشاور معهم أو ممثليهم المنتخبين.

ادَّعَت الحكومة أنها حصلت على موافقة ولاية جامو وكشمير (كما ينص الدستور الهندي). لكن هذا كان قائما على تلاعب قانوني صارخ. ذلك أن ولاية جامو وكشمير خاضعة للحكم الفيدرالي المباشر، ولهذا تُرجِمَت كلمة "ولاية" بحيث تعني الحاكم المعين من قِبَل نيودلهي. أي أن الحكومة تلقت في واقع الأمر موافقتها الشخصية على تعديل الدستور!

الأسوأ من ذلك أن القرار جرى تقديمه إلى البرلمان، حيث ضمنت أغلبية حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم إقراره الفوري، دون استشارة الأحزاب السياسية المحلية. وتم وضع القادة السياسيين المنتخبين ديمقراطيا في الولاية رهن الاعتقال لأغراض "وقائية". كما أُغلِقَت المؤسسات التعليمية وسبل الاتصال ــ شبكات التلفزيون، والهاتف المحمول، والخطوط الأرضية، والإنترنت. وحتى لو تمكنت الحكومة من إقناع المتشككين بأنها ملتزمة بنص القانون، فإن القرار يُعَد خيانة لروح الديمقراطية الهندية.

وقد بات الضرر الواقع واضحا بالفعل. فقد دُمِّرَت السياحة التي تمثل شريان الحياة لكشمير؛ وضاعت عقود من الجهود التي بذلتها الحكومات الهندية المتعاقبة لدحض تحذيرات الحكومات الأجنبية من السفر إلى كشمير من خلال تصوير المنطقة على أنها آمنة. ومن عجيب المفارقات هنا أن مودي، في زيارة قام بها إلى كشمير في عام 2017، دعا شباب الولاية (حيث البطالة أعلى كثيرا من المتوسط في الهند) إلى الاختيار بين السياحة والإرهاب. فالسياحة من الممكن أن تستوعب العديد من الشباب العاطلين عن العمل. ولكن الآن، عادت الحكومات الأجنبية إلى إصدار تقارير النصيحة والمعلومات، فأصبحت المراكب السكنية خارج الخدمة، وأفلست أسواق الحرف اليدوية ونساجو السجاد (الحرفيون العظماء في كشمير). وقوطع بغلظة مزار أمارناث ياترا ــ الرمز المبجل للعلمانية الهندية ــ الذي يمر عبره سنويا الآلاف من الحجاج الهندوس إلى مزار مقدس في شمال الولاية الثلجي.

الواقع أن الهنود فخورون بالقول بأن أهل كشمير مواطنون أخوة لهم. لكن ظروفهم المعيشية اليوم مروعة: فالمتاجر ومحطات الوقود مغلقة؛ وبدأ ينفد مخزونهم من الوقود وغيره من الإمدادات الأساسية؛ ولا يستطيع الناس حتى أن يشاهدوا التلفزيون ما لم يكن بوسعهم الاتصال عن طريق الأقمار الصناعية، وهي ميزة يتمتع بها قِلة من الناس. ويعيش الغالبية العظمى من مواطنينا في كشمير في إظلام شبه كامل.

الأمر الأسوأ من ذلك هو أن الحكومة، بحبس القادة الديمقراطيين، تخلق الحيز اللازم للقوى غير الديمقراطية. وقد ادعت الحكومة أنها تقترب من الفوز في المعركة ضد الإرهاب، لكنها الآن أعطت حياة جديدة للإرهابيين. وجعلت الحكومة من الأحزاب الرئيسية المؤيدة للهند في الولاية بلا حول أو قوة في منع المتطرفين (بحبس قادتها). والآن، ربما نرى أعدادا أكبر من أي وقت مضى من شباب كشمير المضللين ينضمون إلى المتطرفين ويعرضون المزيد من جنود الهند للأذى. وعندما تنسحب الولايات المتحدة في نهاية المطاف من أفغانستان ويكتمل انتصار طالبان، فسوف يصبح عدد كبير من الجهاديين الساكنين جاهزين لتعزيز جهود باكستان التي دامت ثلاثة عقود من الزمن لإرسال "مقاتلين مسلحين" لإرهاب الهند. لقد أعطتهم حكومة الهند سببا إضافيا للحرب.

والعواقب الدولية محرجة ومقلقة. ففي ضربة واحدة، لم تتخل الحكومة عن سبعين عاما من طمأنة المجتمع الدولي والأمم المتحدة فحسب، بل أغضبت أيضا باكستان، الجارة المعادية التي تطالب بالسيادة على كشمير. وقد خفضت باكستان بالفعل العلاقات الدبلوماسية مع الهند، وطردت المفوض السامي الهندي، وأوقفت كل التجارة الثنائية، وكما كان متوقعا، أحالت القضية إلى الأمم المتحدة، وتحدثت مع أصدقائها الأجانب.

في حين أعربت بعض الحكومات عن تفهمها لتصرفات الهند، فمن السابق للأوان أن نتنبأ بما قد يحدث عندما تخف الحملة الصارمة أو ترفع (كما يجب أن يكون في عيد الأضحى الإسلامي). وسوف تتزايد حتما الاضطرابات الداخلية، بمساعدة من الموارد، والمقاتلين، والأسلحة القادمة من الخارج.

كما أعطت حكومة مودي للعالم الإشارة إلى تخليها عن تأكيدها السابق على النمو الاقتصادي والاستثمار الأجنبي. فالمستثمرون، الذين كانوا يتقاطرون إلى خارج الهند بالفعل، لا يحبون مناطق الحرب؛ وربما يفرون الآن بأعداد ضخمة. بعد فوز مودي بالسلطة في بداية الأمر على وعد بوضع التنمية في المرتبة الأولى من الأهمية، سعى إلى إعادة انتخابه بخوض حملته الانتخابية بوصفه مرشح الأمن الوطني والتأكيد على الشوفينية الهندوسية التقليدية التي تميز حزب بهاراتيا جاناتا. ومع تصرفه في كشمير، يعيد مودي تشكيل الهند في هيئة حزب بهاراتيا جاناتا ــ وإنها لمسافة شاسعة بعيدا عن أرض المهاتما غاندي وجواهر لال نهرو، اللذين بشرا بالامتناع عن العنف، والتعايش السلمي بين الأديان، وقبول الاختلاف.

الحق أن أمثالنا من الذين ظلوا لفترة طويلة يعتبرون التنوع الديمقراطي في الهند موطن قوتها الأعظم يجدون أنفسهم الآن في مواجهة حكومة عازمة على محو كل علامة من علامات هذا التنوع ولا تبدي إلا أقل القليل من الاحترام للدستور. إنها حقبة مشؤومة للأقليات والمعارضين في الهند.

* شاشي ثارور، نائب الأمين العام السابق للأمم المتحدة ووزير الدولة لتنمية الموارد البشرية في الهند، يشغل حاليا منصب عضو البرلمان عن المؤتمر الوطني الهندي، كتابه الأخير هو باكس إنديكا: الهند والعالم في القرن 21.
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1