من الحقائق التي لا خلاف فيها أن العالم واجه العديد من الحروب الدولية الكبيرة والصغيرة وأن هذه الحروب كانت منذ مطلع التاريخ سببا مباشرا وأساسيا في دمار الحضارة البشرية وما نتج عنها من جرائم بشرية وانتهاكات خطيرة واعتداءات جسيمة للإنسان وحقوقه ومن تهديد للسلم والأمن الدوليين، ما دفع المجتمع الدولي وعلى وجه الخصوص الدول الكبرى للتعهد “كلاميا” بأن تمنع أو تحجم مثل هذه النزاعات، وعلى الرغم من ذلك اندلعت العديد من النزاعات المسلحة وعلى مختلف المستويات المحلية والإقليمية والدولية ونجم عنها تحديا سافرا للضمير الإنساني وانتهاكا صارخا لقواعد و فقه القانون الدولي الإنساني ولحقوق الإنسان.

بمرور السنوات تعددت أسباب الخروق الجسيمة للقواعد الدولية والتي غالبا ما ترتكب بتأييد ومباركة بعض الأنظمة الكبرى أو القمعية والديكتاتورية أو تكون نمطا لسياسة الدولة في ظل نظام متسلط ودموي يسعى لفرض جبروته، وقد ترتبط هذه الانتهاكات بصراعات إقليمية كسياسة التطهير العرقي، مما تعكس رغبة أقلية عنصرية أو قبلية أو دينية في احتكار السلطة السياسية العليا في البلاد وتمثل الصراعات الداخلية في بعض الدول الإفريقية وحتى الأسيوية نماذجا تاريخيا ومعاصرة لذلك النمط السياسي الفوضوي، وإن تلك الأمور أضحت تقلق المجتمع الدولي ككل خصوصا وأن المسئولين عن هذه الجرائم والانتهاكات يتمتعون بحصانات و امتيازات توفرها لهم مناصبهم السياسية أو القيادية والتي تكون بموجب نصوص دستورية أو قواعد المسؤولية الجماعية فتقف قوانين الدول حواجز واقيا أمام ملاحقة ومساءلة حكامها وحتى رعاياها الذين تندمج شخصيتهم مع شخصية الدولة باعتبارها هي الممثل الأوحد للقانون الدولي على أراضيها.

إلا أن التطورات السياسية والقانونية والإيديولوجية التي عرفتها قواعد القانون الدولي بعد الحرب العالمية الثانية مست هي الأخرى المركز القانوني للفرد، وإذا كان ذلك الوضع مازال هشا و ضعيفا و محدودا فإننا مع ذلك نقر أن الزمن الذي كان فيه الفرد لا يحتل مكانا مميزا على الصعيد الدولي قد انقضى إلى غير رجعة ذلك أن غاية أي نظام قانوني بما فيه القانون الدولي هو حماية أشخاصه الذين يتكونون في النهاية من أفراد. وأن جهود الأمم المتحدة المتواصلة والتي أثرت بشكل كبير في تشعب الالتزامات الدولية المفروضة على الفرد وتعدد مصادرها خاصة في مجال حماية حقوق الإنسان سواء في أوقات السلم أو النزاعات المسلحة وكذا في نطاق ما أملته عليها الضرورات ساهمت وبفعالية في الازدياد المطرد لقواعد القانون الدولي التي تفرض على الفرد الإمتناع عن إتيان بتصرفات وأفعال عدت من قبيل الجرائم الدولية الموجبة للمسؤولية والعقاب. فالجريمة الدولية وبالرغم من خلو القانون من نصوص اتفاقية تعرفها لكنها تكاد إن تجمع التعاريف على أنها تلك الجريمة التي تقع مخالفة لقواعد القانون الدولي والمتفق عليها وللعرف الدولي وللمبادئ العامة أو أن تكون هذه الجريمة من الجسامة و الخطورة لدرجة أنها لربما قد تؤثر في العلاقات الدولية أو تهز الضمير الإنساني، وتستدعي بالضرورة ملاحقة ومعاقبة مرتكبيها بغض النظر عن صفتهم الشخصية ومراكزهم الوظيفية.

ولما كانت النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية مسرحا للعديد من التجاوزات الخطيرة للقوانين الدولية وأنها أصبحت الواقع اليومي الذي يعيشه العالم وأن نتائجها انعكست سلبا على الأشخاص في وجودهم وأموالهم وعلى استقرار العلاقات بات من الضروري استهجانها والمناداة بتكاثف الجهود الدولية لقمعها وبضرورة تنشيط قضاء جنائي دولي يناط له مهمة متابعة ومساءلة مرتكبي هذه الانتهاكات وتفعيل تحقيق العدالة الجنائية الدولية، وفرض التزامات على الأفراد خاصة بصفتهم ممثلين لإرادة دولهم وبإقرار مسؤوليتهم الجنائية عن انتهاك القانون الدولي الإنساني لأن الجرائم الدولية المرتكبة أثناء النزاعات المسلحة لا يتصور ارتكابها من قبل أفراد عاديين نظرا لما تنطوي عليه هذه الأفعال من تخطيط وتدبير واستعمال لوسائل وإمكانيات خاصة لتنفيذها لا يمكن امتلاكها إلا ممن يتمتعون بسلطة إدارة السياسة الداخلية والخارجية في الدولة.

.......................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0