تحاول فرنسا ان تتخذ خطوات فاعلة في مجال مكافحة الارهاب، وتحاول أن تجفف منابع الفكر المتشدد، لاسيما بعد أن انزلق عدد من مواطنيها في التنظيمات المتشددة لاسيما تنظيم داعش الارهابي، بعد كشفت الاحصاءات بأن نصف الارهابيين الاوروبيين في سوريا والعراق هم من الفرنسيين، إذ يشكل سفر هؤلاء الارهابيين الى مناطق القتال في العراق وسوريا ومسألة عودتهم الى فرنسا ومراقبتهم، مصدر قلق رئيسي لأجهزة مكافحة الارهاب الفرنسية.

وتحاول فرنسا الحد من سفر مواطنيها الى مناطق القتال في سوريا والعراق، عن طريق اصدار حزمة من التشريعات والقوانين التي نصت على مكافحة الإرهاب وتوسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية والاستخبارية، إضافة الى التعاون الوثيق بين مختلف دول العالم لتبادل المعلومات الأمنية، خصوصا فيما يتعلق بمنع الهجرة الجهادية التي اغرت المئات من الشبان الفرنسيين بالذهاب الى القتال في صفوف التنظيمات المتطرفة.

فيما تبين بعض الوقائع الارهابية اشتراك قوى دولية بدعم الإرهاب وخاصة في أفريقيا ومنطقة المغرب العربي كما هو الحال بالنسبة للجزائر وليبيا، لكن تخشى هذه الدول ان ينقلب دعمها للارهاب عليهم، ويرى محللون انه قد حصل هذا فعلا في فرنسا واشارو الى هجوم شارلي ايبدو كمثال على ذلك.

ويرى هؤلاء المحللون أن تصاعد الاحداث الأمنية في فرنسا مؤخرا، هو نتيجة لسياسة التخبط المتبعة في مواجهة الإرهاب من السلطة الفرنسية، مثل الحروب في أفريقيا كحرب مالي، ودعم بعض المجاميع الإرهابية بصور غير مباشرة في بعض الدول الساخنة أمنيا مثل العراق وسوريا، لذا تسعى السلطة الفرنسية بصورة حثيثة الى إيجاد أساليب واستراتيجيات جديدة لمكافحة الإرهاب، ومن ابرز تلك الاهداف، تنظيم القاعدة والمنظمات الإرهابية الأخرى، فضلا عن صراعها الدائم مع بعض الإسلاميين المتطرفين.

في المقابل يقول بعض الحقوقيين ان سياسة مكافحة الارهاب التي تنتهجها السلطات الفرنسية قد تصطدم بالحريات المدنية، لكن نظرا لفعالية الارهاب وتمدده اليها، وذلك أثر تهديدات الذئاب المنفردة العائدين من سوريا والعراق، باتت مكافحة التطرف والصراع مع الإرهاب من الأولويات الأمنية للإدارة الفرنسية خاصة خلال الآونة الأخيرة.

وعليه يجمع المحللون بأن أجندة فرنسا من اجل الهيمنة والنفوذ السياسي خارجيا، باستخدام أدوات محلية لتحقيق أجندات خارجية، تسببت بأخطاء سياسية أمنية مكلفة، فالملاحظ بأن قضية الإرهاب تشكل ضغطا كبيرا داخل المعترك السياسي الأمني الفرنسي حاليا، وربما تبقى ضمن هذا الاطار الى أمد غير معلوم!.

نصف الارهابين فرنسيون

في سياق متصل غادر حوالى 1500 فرنسي فرنسا الى مناطق الجهاد في سوريا والعراق حيث يشكلون نصف عدد الجهاديين الاوروبيين وفقا لتقرير لمجلس الشيوخ، وذكر التقرير ان هذا الرقم سجل زيادة بنسبة 84% مقارنة بكانون الثاني/يناير 2014.

ولدى عرضه هذا التقرير حول "الشبكات الجهادية في فرنسا واوروبا" قال السناتور جان بيار سويور انه من اصل ثلاثة الاف جهادي اوروبي تم احصاؤهم في المناطق التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الاسلامية، نصفهم تقريبا (اي 47%) هم فرنسيون، واضاف ان "اجهزة الادارة المركزية للامن الداخلي تراقب حاليا اكثر من ثلاثة الاف شخص يشتبه في تورطهم في شبكات في سوريا وهو رقم سجل زيادة ب24% مقارنة مع تشرين الثاني/نوفمبر 2014"، واوضح التقرير ان 413 فرنسيا من اصل 1432 معنيين بهذه الشبكة موجودون فعليا في مناطق المعارك بينهم 119 امرأة. كما ان 261 غادروا منطقة الجهاد بينهم 200 للعودة الى فرنسا وقد يكون 85 قتلوا وهناك اثنان مسجونان في سوريا. بحسب فرانس برس.

وقال ان 152 اسلاميا متشددا هم حاليا مسجونون في فرنسا بتهمة " الانتماء الى عصابة اجرامية على علاقة بشبكة ارهابية" تبين ان 22 منهم فقط سبق وان دخلوا السجن قبلا، ودعا التقرير "لتفادي التشدد" الى "انشاء دورات الزامية للتدريب على رصد الافراد المتشددين تشمل (الاساتذة والمستشارين التربويين والمعلمين والقضاة المكلفين الملفات العائلية)"، واقترح ايضا "ادخال تدريب في المناهج المدرسية على انتقاد المضمون الذي ينشر على الانترنت" و"صياغة خطابات مضادة والاستناد في نشرها الى كلمات لجهاديين سابقين او متطرفين تائبين"، و"لمراقبة حدود الاتحاد الاوروبي بشكل افضل" يقترح التقرير ايضا "زيادة عديد الشرطة الجوية والحدود" وتدريب "وحدة من حرس الحدود الاوروبي".

قانون يهدد بالتعدي على الحريات

فيما تعرض الحكومة الفرنسية مشروع قانون يعزز الوسائل المتاحة لاجهزة الاستخبارات للتصدي للمخاطر الجهادية، ولو ادى ذلك الى فرض قيود على الحريات الفردية في بلد لا يزال تحت صدمة اعتداءات كانون الثاني/يناير، وسيسمح هذا القانون لاجهزة الاستخبارات باختراق "الارهابيين" المحتملين ومراقبتهم من خلال اذونات ادارية بدون الموافقة المسبقة من قاض، واستبقت السلطات الانتقادات في مجال الحريات العامة والحياة الخاصة مؤكدة ان كل هذه التدابير ستخضع للاشراف وان المراقبة ستقتصر حصرا على الحالات المتعلقة بالارهاب، واوضح مكتب رئيس الوزراء ان "فرنسا هي احدى الديموقراطيات الغربية الاخيرة التي لا تملك اطارا قانونيا متماسكا ومتكاملا" يضبط عمل اجهزة الاستخبارات الستة، وعلى اثر اعتداءات كانون الثاني/يناير التي اوقعت 17 قتيلا في فرنسا، بات من الضروري سن قوانين من اجل "وضع اطار لعمل (اجهزة مكافحة الارهاب) ومنحها" الوسائل "المناسبة للتصدي للتهديد" الجهادي.

واقرت الحكومة في هذا السياق بوجود "ثغرات" في الامن في فرنسا، واوضح مستشارو الوزارات المعنية (الداخلية والعدل والدفاع) ان مشروع القانون يهدف الى منح الاجهزة الوسائل المناسبة في مواجهة التقنيات الجديدة وادراج ضمن "اطار قانوني" ما كان يتم خارج مراقبة القضاء وخارج اي اطار بصورة عامة.

وسيكون بالامكان بموجب القانون الجديد القيام بعمليات "اعتراض امني" لمحتوى الرسائل الالكترونية والاتصالات الهاتفية ولكن فقط اذا كانت على ارتباط مباشر بالتحقيق، كما سينص القانون على "اللجوء الى اجهزة لتسجيل كلام اشخاص وصورهم، او لبرامج معلوماتية تلتقط البيانات المعلوماتية" ما سيسمح لعناصر الاستخبارات بوضع ميكروفونات وكاميرات تجسس وغيرها اينما يرون ذلك ضروريا بما في ذلك اقامة مراكز تتبع هواتف المشتركين التي تسمح باعتراض الاتصالات في مربع معين، سواء اتصالات مشتبه بهم او المقربين منهم، وينص القانون على سبيل المثال على التقاط ما يتم نقره على مفاتيح هاتف معين بشكل اني، كما يلزم القانون مشغلي خطوط الهاتف ومزودي الانترنت بتسليم السلطات كل ما يمكن ان يجمعوه من بيانات.

وتؤكد السلطات ان هذا القانون لا يمت الى قانون "باتريوت اكت" الاميركي لمكافحة الارهاب الذي اقر اثر اعتداءات 11 ايلول/سبتمبر 2011، وافادت رئاسة الوزراء ان الاجراءات "ستحدد بشكل دقيق" وان اي طلب سيكون "مبررا" وان القرارات تبقى من صلاحية رئيس الوزراء نفسه وستكون محدودة في الزمن.

وتعهدت رئاسة الوزراء بانه "لن يكون هناك غموض" بالنسبة لعناصر الاستخبارات الذين لا يودون ان يكونوا في "وضع حرج"، مشددة على ان "المشروع يوفق بين حرية المواطنين وضمان وضع عناصر الاستخبارات.. ويرسي رسميا مبدا الاخطار المسبق".

وسيعرض مشروع القانون على مجلس الوزراء وتامل الحكومة في التصويت عليه هذا الصيف، وقال بيار تارتاكوفسكي رئيس رابطة حقوق الانسان منتقدا "اخشى في حال الصدمة المسيطر على البلد ان يتم تمرير مثل هذا القانون بدون جدل كبير".

واظهر استطلاع للراي اجري في نهاية كانون الثاني/يناير بعد الاعتداءات التي نفذها ثلاثة جهاديين ان الفرنسيين لن يعارضوا اجراءات لمكافحة "التطرف الديني" حتى لو كانت تتضمن تعديا على الحريات الفردية، وايد 71% من المستطلعين في هذا التحقيق الذي اجراه معهد ايبسوس لحساب صحيفة لوموند واذاعة اوروبا 1، تعميم التنصت على الاتصالات الهاتفية بدون اذن مسبق من القضاء، وقال تارتاكوفسكي "يتم اعتماد نظام يمكن ان يتعدى على الحريات" مضيفا "اننا نضحي بالحريات الفردية بحجة تعزيز الاستخبارات"، من جهتها نددت "لا كوادراتور دو نيت" الجمعية الفرنسية الرئيسية للدفاع عن الحريات عبر الانترنت في بيان ب"التسييس الامني لاحداث كانون الثاني/يناير الدامية" الامر الذي "قد يؤدي الى تجاوزات هائلة للحكومة على صعيد مراقبة المواطنين".

تدابير لمكافحة تمويل الارهاب

من جهته اعلن وزير المال الفرنسي ميشال سابان في مقابلة مع صحيفة لو باريزيان/اوجوردوي آن فرانس عن عدة تدابير منها منع دفع اكثر من الف يورو نقدا في اطار "مكافحة تمويل الارهاب"، وكتبت الصحيفة "باسم +مكافحة تمويل الارهاب+ يطلق ميشال سابان حملة حقيقية لمطاردة المبالغ النقدية" مضيفة ان "وزير المال يعلن عن تدابير للحد باقصى ما امكن من استخدام المال نقدا"، وذكرت لو باريزيان ان اول اجراء يقضي ب"منع دفع اكثر من الف يورو نقدا" موضحة انه "حتى الان كان بوسع المستهلكين الفرنسيين تسديد ثمن مشتريات بحدود ثلاثة الاف يورو نقدا. وهذا السقف سيخفض اذا الى الف يورو. اما بالنسبة لغير المقيمين، اي بالنسبة للسياح الاجانب، فتم تخفيض السقف ايضا من 15 الفا الى عشرة الاف يورو"، واشارت الى ان "الدفع نقدا يسمح في الواقع باعادة تدوير اموال من مصادر مشبوهة". بحسب فرانس برس.

وقال ميشال سابان للصحيفة ان هذا الاجراء "سيطبق اعتبارا من 1 ايلول/سبتمبر 2015"، وذكرت الصحيفة ان "عمليات سحب مبالغ كبيرة ستتم مراقبتها بشكل تلقائي" مشيرة الى انه "سيترتب على المصارف ان تبلغ اي حركة اموال او سلوك يبدو لها مشبوها الى +تراكفين+، جهاز وزارة الاقتصاد المكلف مكافحة تبييض الاموال وتمويل الارهاب، في حين لم يكن هناك حتى الان اي عتبة للابلاغ التلقائي".

وقال سابان للصحيفة انه اعتبارا من الان "سيترتب عليها ابلاغ تراكفين تلقائيا عن اي عملية ايداع او سحب مبلغ نقدي يزيد عن عشرة الاف يورو في الشهر" اعتبارا من الاول من كانون الثاني/يناير 2016 موضحا ان "هذه المهلة ضرورية حتى يتسنى للهيئات المصرفية تحديث انظمتها المعلوماتية".

وتابعت الصحيفة انه "اعتبارا من الاول من كانون الثاني/يناير سيترتب على مكاتب الصرف طلب اوراق ثبوتية حين يطلب شخص ما تبديل ما يزيد عن الف يورو من العملات الاجنبية"، ومن التدابير ايضا "وجوب الابلاغ عن الرساميل التي تمر عبر الشحن"، وكتبت الصحيفة ان "التصريح عند الجمارك الزامي في حال الدخول الى الاراضي (الفرنسية) بحقيبة تحمل اوراقا مالية او بضائع قيمة مثل الذهب".

واوضحت ان "الوضع لم يكن كذلك حتى الان في حال التسليم عبر البريد. واعتبارا من الاول من كانون الثاني/يناير 2016 سيتحتم الزاميا ابلاغ الجمارك مسبقا عن +هذه التحويلات المادية للرساميل عبر الشحن والشحن السريع+"، واشارت ايضا الى ان "الحسابات الثمانين الفا من نوع +نيكيل+ التي يمكن فتحها في مكاتب التبغ سيترتب حفظ مراجعها في قائمة فيكوبا الذي تخضع لها كل الحسابات المصرفية الاخرى" كما "سيتم تعزيز +واجب التيقظ+ المفروض على المؤسسات المالية ولا سيما في منح القروض الاستهلاكية".

سحب جوازات سفر

الى ذلك سحبت جوازات السفر من ستة فرنسيين كانوا على وشك التوجه الى سوريا، في سابقة في فرنسا منذ اقرار هذا الاجراء في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي ضمن قانون لمكافحة الارهاب، كما اعلن مصدر قريب من الملف، وسحبت جوازات سفر الرجال الستة وبطاقات هوياتهم لفترة ستة اشهر قابلة للتجديد. وبالاضافة الى سحب هذه الجوازات الستة الاولى، فيما افاد المصدر انه "يجرى التحقيق في حوالى اربعين ملفا في الوقت الراهن"، وتسلم هؤلاء الفرنسيون الستة الذين اعتبرت اجهزة الاستخبارات انهم سيتوجهون "بشكل آني" الى سوريا، ايصالات في مقابل جوازات سفرهم وهوياتهم. بحسب فرانس برس.

والمنع الاداري من الخروج من البلاد مدرج في قانون مكافحة الارهاب الذي اقر في تشرين الثاني/نوفمبر، وأحد اهدافه كبح حركة السفر الى سوريا لكنه لم يكن طبق بعد، وردا على استيضاح يتعلق بأولى عمليات منع السفر صباح الاثنين، على هامش زيارة الى معرض الزراعة في باريس، قال رئيس الوزراء مانويل فالس "ستجرى عمليات منع اخرى"، واوضح رئيس الوزراء في وقت سابق من الشهر الجاري ان الاجهزة المختصة احصت حوالى 1400 فرنسي او مقيم في فرنسا "هم على علاقة بهذه الشبكات".

الارهاب في ليبيا يهدد أوروبا

الى ذلك قال رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس في مؤتمر الاشتراكيين الديمقراطيين الأوروبيين، والذي عقد في مدريد، إن الحركات الجهادية في ليبيا تشكل تهديدا مباشرا لأوروبا. وجدد فالس اقتناعه ببروز "إسلام فاشي" عبارة عن مزيج من نظام شمولي وتعصب ديني. داعيا إلى إجراءات دفاعية مشتركة. بحسب فرانس برس.

اعتبر رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس أثناء مؤتمر للاشتراكيين الديمقراطيين السبت في مدريد، أن الحركات الجهادية في ليبيا تشكل "تهديدا مباشرا" على أمن أوروبا، وقال بحسب نص كلمته "أود أن أذّكر بمسألة ليبيا، والتهديد المباشر الذي يمثله قيام معقل جديد للجهاد الإرهابي تحت أعيننا وليس بعيدا عن حدودنا"، مشيرا إلى ضرورة القيام بمجهود دفاعي أثناء هذا الاجتماع المغلق.

وفالس هو أحد أربعة رؤساء وزراء يشاركون في هذا الاجتماع لقادة اشتراكيين ديمقراطيين أوروبيين، وهم نحو أربعين، بهدف تحديد موقف مشترك من ثلاثة مواضيع رئيسية بالنسبة إلى الرأي العام الأوروبي وهي الإرهاب والسياسة الخارجية والعمل.

وأضاف مانويل فالس أنه ينبغي "التحلي بنفاذ البصيرة لنوضح للرأي العام أن الإرهاب الجهادي تمركز في مجتمعاتنا الغربية"، متطرقا إلى سلسلتي الهجمات المستوحاة من التيار الإسلامي المتشدد والتي ضربت فرنسا والدنمارك منذ بداية العام مع 17 قتيلا في فرنسا وقتيلين في الدنمارك.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1