جريمة الاعتداء على يونس قنديل، أمين عام "مؤمنون بلا حدود"، لم تحظ بالاهتمام الرسمي الذي تستحق... التعامل مع الجريمة جاء كما لو أنها "واقعة جنائية"، والحجة انتظار نتائج التحقيق (؟!)... تُرك الأمر للمستوى الأمني، ولولا زيارة خجولة قام بها وزير الثقافة للمعتدى عليه على سرير الشفاء، وقيل إنها بتوجيه من رئيس الوزراء، لبقيت الواقعة في الإطار الجنائي.

مع أن الواقعة بتفاصيلها، ما سبقها ورافقها وأعقبها، تدلل بالبرهان الملموس، أنها جريمة كراهية موصوفة وبامتياز، بصرف النظر عن هوية وأسماء الفاعلين والجناة، فقد تركوا بصماتهم على جسد الضحية... وكتاباتهم بالسكاكين على ظهره المتسلخ، لا تدع مجالاً للشك بأنها كذلك، وتفضح هوية من حرّض وشحن واستنفر وهيّج الرأي العام، أما أسماء وهويات من قاموا بالفعلة النكراء، فتلكم وحدها المهمة المتروكة للجهات الأمنية.

ليست المرة الأولى، وقد لا تكون الأخيرة، إن ظل الحال على هذا المنوال... كنّا ننتظر أن تنهض الحكومة ممثلة برئيسها والمعنيين من وزرائها، بالحديث عن هذه الجريمة، إدانتها والتنديد بمن خطط ونفذ، وحرّض، وهذا هو الأهم... كنا ننتظر تطمينات قطعية بسيطة، تعيد الاعتبار للوظائف الأولى للدولة: حفظ حياة مواطنيها وأمنهم وصيانة تعدديتهم وحماية حرية الرأي والتعبير وإنفاذ سيادة القانون... كنّا ننتظر لغة صارمة لا تحتمل التأويل أو التأجيل، المماطلة أو التسويف، فالرجل لم يتعرض للتهديد، لخلاف على موقف سيارة أو لصراع على "منقوشة" أو "كعكة" في فرن، الرجل تعرض لما تعرض إليه، على خلفية مؤتمر تم إلغاؤه من دون وجه حق، وهو يقود منظمة إقليمية، لها ما لها وعليها ما عليها.

لست من المعجبين بالمنظمة التي يقودها السيد قنديل، مع أن لي من بين أعضائها وكبار المسؤولين فيها، أصدقاء أحترم تاريخهم وسيرهم الذاتية، ولا أشكك أبداً بسلامة سرائرهم، ولطالما نظرت بعين النقد لمحاولات نقل صراع المحاور الإقليمية، المتحاربة والمتنافسة في المنطقة، إلى الفضاء الديني والفكري والعقيدي... لكنني مع ذلك، لا أمتلك الكلمات التي تعبر عن غضبي وإدانتي للجريمة النكراء، بل وعن مخاوفي من أن يتحول الأردن، إلى مكان غير آمن للمفكرين والمثقفين وأصحاب الآراء المختلفة... ألم يدفع ناهض حتر، الذي طالما اختلفت معه، حياته ثمناً لهذه الثقافة ولهذا التهاون واللامبالاة في التعامل الرسمي مع قضايا من هذا النوع؟

ما حصل في "أدغال" عين غزال، ما كان ليحدث لولا تفشي ثقافة الكراهية والتكفير والتحليل والتحريم، لولا تعاطي البعض منّا مع "المختلف" بوصفه عدواً ومارقاً وزنديقاً، لولا قيام البعض منّا بدور الوصي على عقولنا وثقافتنا وتفكيرنا وأخلاقنا وسلوكنا... ما حصل لقنديل، هو امتداد لحملات ابتزاز، لم تسلم منها الثقافة والفن والموسيقي، من مهرجان جرش وصولاً لإحدى مدارس الإناث... ما حصل هو النتيجة الطبيعية لمنطق المزايدات والاتجار بمشاعر الناس وعواطفهم ومعتقداتهم... وليس من حق أحد أن يوصلنا إلى حافة القتل والاغتيال، وأن يتنصل من المسؤولية عن الجريمة... ليس من حق أحد، ادعاء البراءة، وهو الذي حرّض وشحن وهيّج، ووقف جانباً ينتظر أرعناً أو مهوساً لاستكمال الجريمة... على الدولة بمؤسساتها المختلفة، أن تبدأ من هنا، من التحريض، وأن تواصل تحقيقاتها إلى حين إلحاق القصاص العادل، بالجناة جميعاً.

وعلى الدولة أن تغادر فوراً، وقبل فوات الأوان، ثقافة الخضوع الابتزاز، و"تطليق" نظرية "الباب اللي بيجيك منه الريح سدّه واستريح"... على الدولة أن تقاتل دفاعاً عن تعدديتها ومدنيتها، وأن تحفظ حق الجميع في التعبير والانتظام والاجتماع والتفكير، على المختلفين الكف عن ممارسة "أخذ الحق بالذراع" أو بالأحرى، ما يعتقدونه حقاً، فليس لأحدٍ أن يمارس دور الدولة نيابة عن الدولة، هذه بلطجة وزعرنة، ولا مسمى آخر لها أياً كانت المبررات والذرائع.

لقد نظر الإعلام العربي والدولي، للجريمة بوصفها جريمة كراهية، ولم ينتظر إطلالة المسؤول الرسمي الذي يبدو أنه "أدركه الصباح وتوقف عن الكلام المباح"، ولا أدري متى سنغادر هذا المربع، وكم جريمة من هذا النوع، ستقترف قبل أن يوقظنا "جرس الإنذار" على ما نحن فيه وعليه.

إني أعتذر!

أعترف بأن رواية يونس قنديل قد انطلت عليّ... فقد قدم الرجل رواية "متماسكة"، ودعمّها بشواهد كتبت على جسده بالسكين و"القدّاحات"، هل ثمة ما هو أكثر من ذلك؟... ولأنني أعرف سياق العداوات المترسخة بين "مؤمنون بلا حدود" من جهة وتيارات إسلامية إخوانية وسلفية "نوعاً" من جهة ثانية... ولأنني أواكب صراع المحاور وطوفان التمويل وسياسات "الاحتواء المزدوج الناعم" للنخب الفكرية والدينية العربية في سياق هذه الحرب الملعونة بين عواصم عربية وإقليمية... فقد انطلت الرواية عليّ، بل وانتابني شعور عارم من الغضب، عبّرت عنه في مقالتي الأسبوع الفائت... واعتراف بأنني كنت مخطئاً ومتسرعاً.

 لم يراودني للحظة شعور بأن أحداً يمكن أن يفعل بنفسه ما فعله "زلمتنا"... لم أتخيل أن يبلغ هوس الشهرة بأحد هذا المبلغ... لم تساورني لحظة شك بعد كل ما أدلى به من تفاصيل... ولم أكن أعرف أن للتمويل سحره المدمر، وأن المرء يمكن أن يذهب إلى جهنم، لكي يضمن استمرار تدفق المال للجيوب أو تركز العدسات على الوجه... وقد كنت مخطئاً... ولولا بيان الأمن العام الذي أكد اعتراف "الجاني/الضحية" بفعلته، وإحالته للقضاء، لما تصورت للحظة أن أمراً كهذا قد يحدث.

 لقد صببت جام غضبي على الحكومة، التي أدركها الصباح وسكتت عن الكلام المباح، كما جاء في المقال.... وكيف لا، وفي البال والذاكرة الطازجة، ما زالت صور ناهض حتر مضرجاً بدمائه أمام "قصر العدل"، ماثلة أمامي... وحملت على أصوات التحريض والشحن والتعبئة، وفي البال ما زال مواقف مشابهة تدهمني... لقد ربطت الواقعة المفبركة، بكل هذا وذاك وتلك، وأصدرت أحكاماً واتخذت مواقف، وقد كنت مخطئاً ومتسرعاً.

 ليس الغريب أن يقارف المرء الخطأ، فهذا يحدث مع أحدنا كل يوم تقريباً، لكن امتلاك الشجاعة على الاعتراف بالخطأ، هو نصف الطريق لاختيار الصواب... ولقد تعملنا في مدرسة اليسار العربي نظرية "النقد والنقد الذاتي" مع أننا كنا نمارس نصفها الأول فقط، ويبدو أن تراكم تجاربنا، بات يملي علنيا ممارسة النصف الثاني من هذه النظرية، وها أنا أفعل.

 ولكيلا يختلط حابل الاعتذار والمراجعة النقدية بنابل ما هو جوهري في المسألة، أرى أن بعضاً مما أوردته في المقالة إياها، كان صالحاً وما يزال... فالدولة بمؤسساتها المختلفة، لم تقم بما يتعين عليها في الحرب على التطرف والغلو، وهي قابلة للابتزاز والمساومة مع أصحاب الأصوات المرتفعة... وفي مجتمعنا هناك من لا يزال يروّج عن سبق الترصد والإصرار، لثقافة الغلو والتكفير، ومن يستسهل لغة التحليل والتحريم... أخطأنا في أخذ رواية قنديل كما وردت على لسانه، وتسرعنا في تبني الرواية كما وردت من المصدر، بيد أن نقدنا لتقاعس الدولة عن أداء وظيفتها في بلورة وإطلاق استراتيجية وطنية شاملة لمحاربة التطرف، ما زال يكتسب صحته وراهنيته... وتحذيرنا مما تفعله تيارات الغلو والتكفير، وميلها الجارف لشيطنة الآخر وتهميشه وتهشيمه، ما زالت صالحة كذلك... ولن ندع لخطأ اقترفناه عن حسن نية وسوء تقدير، أن يحول دون استمرار مطالبة الجميع، دولة ومجتمع، التصدي بحزم وقوة للغلاة والمتطرفين، وإرساء دعائم ثقافة الحوار والتسامح والعيش المشترك، وحفظ التعددية وصون الحريات، بما فيها حرية الاعتقاد والضمير... ما زلنا على رأينا بأن التوسع في إضفاء القداسة على الموروث، ليس سوى وسيلة لحجر العقول ومصادرتها، خدمة لغرض سياسي فئوي، ورغبة في حفظ مصالح ومكتسبات، دنيوية بامتياز، لا قداسة فيها ولا من يُقدَسون.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0