أندريس فيلاسكو

 

سانتياجو ــ هل تذكرون الطريق الثالث الذي تحدث عنه توني بلير وبِل كلنتون؟ حسنا، لقد عاد الطريق الثالث. صحيح أن الأسماء والوجوه تغيرت، ولكن فكرة أن الحكومات من الممكن ــ وينبغي لها ــ أن تجمع بين قيم الديمقراطية الاجتماعية والاقتصادات الليبرالية الحديثة عادت إلى الصدارة من جديد.

في اجتماع للزعماء في برلين في شهر يونيو/حزيران من عام 2000، والذي استضافه المستشار الألماني آنذاك جيرهارد شرودر، بدا الطريق الثالث وكأنه الطريق إلى المستقبل. كان ذلك التجمع من بنات أفكار بلير (وإن كان لم يحضره لأن زوجته كانت وضعت طفلاً للتو). ولكن كلينتون تحدث مطولاً وبطلاقة عن الكيفية التي قد تساعد بها التكنولوجيات الجديدة في علاج الأمراض الاجتماعية التي ظلت معنا لعقود من الزمان. وزعم قادة السويد ونيوزيلندا أننا نستطيع أن نجعل أجهزة الدولة أصغر حجماً وأكثر كفاءة. ومن الممكن أن ينتقل الطريق الثالث بسهولة إلى ما كان يطلق عليه ذات يوم العالم الثالث، كما زعم رئيس جنوب أفريقيا ثابو مبيكي، ورئيس البرازيل فرناندو إنريكي كاردوسو، ورئيس شيلي ريكاردو لاجوس (كنت حاضراً كعضو ضمن وفد لاجوس).

وللأسف، لم يكن هذا ليدوم. فلم تتحول الكلمات الموجزة عن الحكم التقدمي بسهولة إلى فلسفة سياسية دائمة. فقد تخلى آل جور عن اقتصاد كلينتون واتجه إلى الشعبوية التقليدية، ثم مني بالهزيمة في مواجهة جورج دبليو بوش. كما خسر الديمقراطيون الاجتماعيون وحلفاؤهم السلطة في العديد من البلدان الأوروبية. وتسببت الحرب في العراق والأزمة المالية العالمية في الفترة 2008-2009 في إحداث ردة فعل عكسية ضد بعض السياسات التي نادى بها قادة الطريق الثالث.

وفي الوقت الحاضر، كثيراً ما يوصف رئيس وزراء إيطاليا الاشتراكي ماتيو يرنزي الذي يبلغ من العمر 39 عاماً بأنه الأمل الأخير لبلاده. وهو يَعِد (ولو أنه لم ينفذ أي من وعوده حتى الآن) بإصلاحات عميقة لسوق العمل والقطاع المالي. بعد انتصاره الانتخابي، نال رينزي الثناء والإشادة في وقت مبكر من قِبَل بلير ذاته، والذي زعم أن "ماتيو يتمتع بالديناميكية والإبداع والصلابة في سعيه إلى تحقيق النجاح".

ويراهن مانويل فالس رئيس وزراء فرنسا الاشتراكي برأسماله السياسي على برنامج طموح للضرائب وخفض الإنفاق ولكنه لا يحظى بدعم الجناح التقليدي في حزبه. ويوجه المنتقدون من اليسار اتهاماتهم إليه بأنه "يأخذ الحلول من بلير وشرودر".

الواقع أن رينزي وفالس ــ جنباً إلى جنب مع بيدرو سانشيز من الحزب الاشتراكي الأسباني ــ يشكلان جزءاً من اتجاه أوسع. ففي ظل تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي، يحاول العديد من ساسة يسار الوسط تعبئة الأسواق ودفع عجلة النمو مع الاستثمار في الوظائف والمهارات في نفس الوقت.

وبالتالي فإن الاحتياج الشديد الآن يتلخص في التفسير الفوري للعودة إلى أفكار الطريق الثالث. وليس من المستغرب أن تبحث الحكومات الأوروبية المثقلة بالديون عن سياسات اجتماعية جديدة بتكلفة مالية منخفضة. ولكن التقشف الصارم الذي ناصرته الحكومة الألمانية المحافظة لا يماثل التعديل التدريجي الذي يسعى إليه الجيل الجديد من الديمقراطيين الاجتماعيين في دول الجنوب.

ويطالب المحافظون بتصحيح الأوضاع المالية مقدما، أياً كانت العواقب. ويفهم الديمقراطيون الاجتماعيون المعاصرون الذين قرأوا جون ماينارد كينز أن بعض التعديل الفوري ضروري لإكساب البرنامج المصداقية اللازمة. ولكنهم يعلمون أيضاً أن الإنفاق الإضافي على رأس المال البشري والبنية الأساسية المادية ضروري للحد من تأثير التقشف المالي على تشغيل العمالة والأجور وتعزيز إمكانات النمو الاقتصادي.

والسبب الآخر لإعطاء أفكار الطريق الثالث فرصة ثانية هو نجاحها. كان إقدام شرودر على إعادة تشكيل سوق العمل في ألمانيا في أوائل العقد الأول من القرن الحالي مثيراً لقدر كبير من الجدال في ذلك الوقت؛ ولكنه كما نرى الآن ساعد في تحويل ألمانيا من رجل أوروبا المريض إلى قوة تصديرية هائلة على مستوى القارة بالكامل. وقد تقدمت بلدان الشمال الطريق في التجريب مع سبل جديدة لتسليم الخدمات العامة وفي الوقت نفسه اعتماد "الأمن المرن" في علاقات العمل. وكانت النتيجة أنها نجحت في تحقيق الثلاثي المتمثل في النمو القوي، ومعدلات تشغيل العمالة المرتفعة، والديون العامة المنخفضة.

ولا تقتصر فعالية هذه الأفكار على البلدان الغنية في الشمال. فقد استمدت حكومة ائتلاف الأحزاب من أجل الديمقراطية في شيلي، وحكومة ألان جارسيا في بيرو، وحكومة فرناندو إنريكي كاردوسو في البرازيل الإلهام من أجندة بلير-كلينتون-شرودر. وكل نال أو ينال نصيبه من الجدال والخلاف. ولكن كل من هذه البلدان أطلقت العنان بلا شك لفترة من تعزيز الديمقراطية والتحديث الاقتصادي.

وفي انتخابات البرازيل الرئاسية المقبلة، ينادي كل من المعارضين الرئيسيين للرئيسة الحالية ديلما روسوف بسياسات تعيدنا إلى الأيام الخوالي. وهذا ليس بالأمر المستغرب في حالة آسيو نيفيس، الذي ينتمي إلى حزب كاردوسو. ولكنه لافت للنظر في حالة الاشتراكية مارينا سيلفا، التي تدعو إلى عقد تحالفات تجارية جديدة خارج ميركوسور وجعل البنك المركزي البرازيلي مستقلا. وهذا من شأنه أن يجعل بلير، الذي أعطى بنك إنجلترا استقلاله الكامل في أول أسبوع له في منصبه، يشعر بالفخر.

هناك العديد من الاختلافات بين البلدان والأزمان، ولكن في النهاية هناك أربع أفكار مشتركة بين هذه التجارب الناجحة. الأولى هي السياسة البرجماتية. فما يهم هو ما يثبت نجاحه، وليس ما قد نعتبره نقياً من الناحية الإيديولوجية. ومن المفيد والمثمر، بدلاً من المناقشة العقيمة التي لا تنتهي حول ما إذا كان من الواجب أن تكون الدولة كبيرة أو صغيرة، أن نسأل أنفسنا عن شكل تدخل الدولة ومكانه الصحيح.

والفكرة الثانية هي الواقعية المالية. إن الحكمة في التعامل مع الميزانية أمر مرغوب (فالعجز غير المستدام غير قابل للاستمرار بحكم التعريف) وتقدمي (عندما تسوء الأمور، يكون القدر الأكبر من العناء من نصيب الفقراء والضعفاء).

وتتلخص الفكرة الثالثة في مبدأ الرفاهة الاجتماعية. فبوسع الدولة، وينبغي لها، أن توزع الدخل والثروة، ولكن يتعين عليها في القيام بذلك أن تحرص على عدم تدمير الحوافز التي تدفع الناس إلى العمل والادخار. وينبغي للحكومات، بدلاً من تقديم الهبات والصدقات ببساطة، أن تسعى جاهدة لضمان فرص العمل الجيدة والأجور المجزية.

وأخيرا، يتسم الطريق الثالث بالليبرالية التقدمية. فالحرية والمساواة يكمل كل منهما الآخر ولا يتعارضان. وإذا تم تصميم القواعد على النحو اللائق، فإن المجتمع الذي يتخذ أهله قراراتهم ويتصرفون بحرية من الممكن أيضاً أن يتحول إلى مجتمع حيث يتم توزيع الفرص بشكل عادل. وعلى النقيض من ذلك، في غياب الحد الأدنى من الفرص للجميع، تصبح الحرية أقرب إلى الوهم والخيال من الواقع.

إن هذه الأفكار تحيي الطريق الثالث الذي يحظى الآن بفرصة ثانية ــ ولو أنه كان من الواجب أن يعامل كاختيار أول منذ البداية.

* وزير المالية السابق لشيلي، وأستاذ الممارسة المهنية في التنمية الدولية في جامعة كولومبيا للشؤون الدولية والعامة

https://www.project-syndicate.org

...........................

* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

 

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0