آنا بالاسيو

 

مدريد- إن شهر ديسمبر عادة ما يعطينا فرصة التوقف والتفكير مليا بماذا حصل بالماضي وما الذي سيحصل بالمستقبل وهذا العام فإن أحد الإستنتاجات بعد التفكير العميق هو أن من المؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية ما تزال في قلب النظام العالمي الليبرالي والإستنتاج الاخر هو أن الولايات المتحدة الأمريكية بحاجة لعمل المزيد من أجل تبوأ القيادة بالطريقة التي تعكس وضعها على المستوى العالمي.

لقد زادت الشكوك في إستمرار القيادة العالمية لإمريكا منذ سنوات ولكن على الرغم من أن النظام العالمي المتعدد الأقطاب والذي نوقش كثيرا من الأمور المتوقعة مستقبلا ولكن الواقع الحالي يتطلب إنخراط الولايات المتحدة الأمريكية في الجهود لمواجهة التحديات الدولية- من التغير المناخي إلى الصراع في الشرق الأوسط-.

للإسف فإن الكلام عن الإنحدار الأمريكي قد حظي بالكثير من الشعبية في السنوات الأخيرة لدرجة أنه يبدو أن المسؤولين الأمريكيين قد أصبحوا يؤمنون بذلك حيث إتبعوا سياسات ضعيفة ومجزأة (أو في بعض الحالات لم يعملوا شيء على الإطلاق). يبدو أن مقاربة الرئيس باراك أوباما فيما يتعلق بالسياسة الخارجية القائمة على أساس ضبط النفس تشعل إنعدام الإستقرار في العالم عوضا عن التقليل منه.

إن هناك جدل حول أسباب عدم إتخاذ إجراءات قوية فالبعض يلقي باللوم على مخاوف أوباما من تكرار أخطاء من سبقوه وآخرون يلقون باللوم على الكونجرس العدائي في تقييد أيدي الرئيس.

في واقع الأمر فإن كلا العاملين لهما تأثير فصحيح أن أوباما قد يفضل توخي الحذر –حتى لو إستدعى الأمر إتخاذ إجراءات جريئة- عوضا عن التصرف بإندفاع مما قد يتسبب في المزيد من الضرر لكن يجب إن لا نستهين بالتأثير السلبي المعطل للكونجرس الأمريكي الذي يعاني من الإنقسامات الحزبية فعلى سبيل المثال فإن قيام الكونجرس بعرقلة الإصلاحات المتعلقة بإدارة صندوق النقد الدولي والتي تمت الموافقة عليها سنة 2010 يعني أنه قد ألحق الضرر وربما بشكل يتعذر إصلاحه بشرعية وأهمية مؤسسات بريتون وودز.

إن رفض الكونجرس الأمريكي كذلك التصديق على معاهدة الأمم المتحدة لقانون البحار يعني أنه قد قوض مصداقية أمريكا وهي تحاول إعادة التأكيد على القانون الدولي في بحر الصين الجنوبي بينما تتزايد جرأة الصين هناك. إن معارضة الكونجرس كذلك لتضمين إلتزامات مناخية ملزمة قانونا يعني أنه قد أضعف إتفاق المناخ العالمي والذي تم التوصل اليه في هذه الشهر في باريس مما يترك التقيد بالإتفاق وتطبيقه غير مؤكد.

إن الطريق المسدود قد أصبح عنوان اللعبة في السياسة الأمريكية في السنوات الأخيرة ولهذا السبب فإن الإنتخابات الرئاسية في العام القادم تعتبر حيوية للغاية فهي بمثابة فرصة لبداية جديدة أي مقاربة جديدة تنطوي على سياسات يحتاجها العالم. إن المفتاح هو التواصل بين أفرع الحكومة الأمريكية وبين الحكومة الأمريكية والشعب وبين الولايات المتحدة الأمريكية وبقية العالم.

في البداية وحتى نتجنب هذا النوع من التعطيل الذي ساد في السنوات الثماني الماضية فإنه يتوجب على الرئيس القادم التعامل مع الكونجرس بشكل مباشر وفعال وفي واقع الأمر تمكنت إدارة أوباما من تحقيق إنتصارين مؤخرا وهما إقرار ما يطلق عليه سلطة الترويج التجاري (سلطة تفاوض لتسريع إكمال إتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ) وإعادة الترخيص لبنك التصدير والإستيراد الصغير والحيوي وهذان الإنتصاران هما نتيجة للتواصل مع المشرعين وتوعيتهم وتثقيفهم بالإضافة إلى تملقهم.

إن الاتفاق النووي مع إيران وهو أحد إنجازات أوباما المميزة إنطوى على جهود مماثلة للتواصل مع الكونجرس وذلك من زيارات مطولة إلى كابيتول هيل من قبل مسؤولي إدارة أوباما إلى مقاربة خلاقة سمحت للمشرعين بالتعبير عن استياءهم من الصفقة بدون تعطيل تقدمها حيث يبدو أنه حتى في الأجواء السياسية المنقسمة بشدة في الولايات المتحدة الأمريكية فإنه حيث تتوفر الإرادة تتوفر الوسيلة.

يتوجب على الرئيس الأمريكي القادم كذلك تحسين التواصل مع المواطنين علما أن سخطهم الواسع النطاق يقيد القادة الأمريكان أو يسمح لهم بإتباع سياسة خارجية ضعيفة ومثل العديد من الأوروبيين اليوم فإنه يبدو أن معظم الأمريكيين لا يفهمون –أو غير مهتمين بإن يفهموا- بإن تفتت العالم النظام العالمي الليبرالي سوف يكون له عواقب وخيمة عليهم جميعا.

لم يكن الوضع كذلك في الماضي فبعد الحرب العالمية الثانية مباشرة عكست ذكريات الحرب والتهديد المستمر الذي شكله الإتحاد السوفياتي أهمية بناء النظام العالمي الليبرالي والمحافظة عليه واليوم وعلى الرغم من أن الحاجة لمثل هذا النظام كبيرة كذلك فإن الجدل القائم لا يتمتع بالشمولية أو بالقوة العاطفية كما كان الوضع بالماضي. إن مناقشة الأحكام والمؤسسات تعطي الإنطباع بفقدان الحيوية. إن الأمر متروك للقادة السياسيين –وخاصة الرئيس- من أجل أن يتوصل لكيفية تقديم حجج مقنعة حول ما يوجد على المحك.

إن هذه المقاربة فقط يمكن أن تؤمن الحصول على تفويض من الشعب والذي سوف يحتاجه الرئيس القادم من أجل التعامل بشكل فعال مع القادة الآخرين في العالم علما أن مثل هذا التواصل والإرتباط لا يمكن الإستغناء عنه فبينما يتوجب على الولايات المتحدة الأمريكية أن تلعب دورا أساسيا في التعامل مع التحديات العالمية من إنهاء الحرب الأهلية في سوريا إلى متابعة تطبيق الوعود المنصوص عليها في إتفاق باريس للمناخ، إلا أنها لا يمكن أن تعمل ذلك لوحدها فالتقدم الحقيقي سوف يتطلب تعاون حقيقي.

لقد أظهرت الولايات المتحدة الأمريكية خلال النصف الثاني من القرن العشرين بإن القيادة الملتزمة يمكن أن تساعد في التحقق من إنتشار الإستقرار والرخاء وفي القرن الواحد والعشرين أظهرت الولايات المتحدة الأمريكية بإن افتقاد القيادة كان له تأثيرا مدمرا. إن توجيه أصابع الاتهام لن يحل أي شيء، فقط السعي لتحقيق سياسات قائمة على الإرتباط الحقيقي والعميق والمستمر في البلد وخارجه يمكن أن يجعل الإدارة القادمة تتحقق من أن السنوات القادمة ستكون أفضل من الأخيرة.

* وزيرة الخارجية الاسباني السابقة ونائبة الرئيس السابقة للبنك الدولي

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
1