من المفترض أن يكون المردود الكبير مقابل معاهدة أمريكية سعودية هو تطبيع غير محدد للعلاقات السعودية الإسرائيلية. قد يكون ذلك جميلاً، وربما يستحق الثمن، لكن السعوديين يطلبون الكثير. وما يثير القلق بشكل خاص هو شهيتهم المتزايدة، في مواجهة التقدم النووي الإيراني، إما للحصول على مكان تحت المظلة النووية...

بقلم: جيزيل دونيلي نقلا عن معهد المشروع الامريكي/ واشنطن
ترجمة: د. حسين احمد السرحان/ مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية

أكدت صحيفة نيويورك تايمز هذا الأسبوع أن إدارة بايدن تدرس قبول الصفقة التي كانت المملكة العربية السعودية تلوح بها منذ عدة أشهر مقابل تطبيع الرياض للعلاقات مع إسرائيل، وستعرض الولايات المتحدة على السعوديين ضمانات أمنية رسمية. وتقول الصحيفة إن الاتفاقية ستتخذ نمط "المعاهدات في شرق آسيا" -أي اليابان وكوريا الجنوبية -كنموذج لها. وهذا الامر عليه ملاحظات كثيرة.

صحيح أن شكلاً ما من أشكال الشراكة الاستراتيجية مع المملكة كان أحد ركائز الإستراتيجية الأمريكية، ليس فقط بالنسبة للشرق الأوسط ولكن للعالم اجمع، منذ عام 1945 على الأقل. وهذا الامر عزز المصالح الأمنية والاقتصادية للولايات المتحدة بشكل كبير. ولكن تراجع ذلك -كما حدث بعد غزو صدام حسين للكويت عام 1990-في الآونة الأخيرة، زاد هذا التراجع.

تعكس مثل هذه العلاقة التبادلية الاختلافات العميقة بين النظامين الحاكمين. اذ إن الديمقراطية الليبرالية والملكية المستنيرة الوهابية أمران غريبان. وقد يكون الوريث السعودي، ولي العهد الأمير محمد بن سلمان «مُحدِّثًا»، لكنه قاتل. في عهد والده الملك سلمان البالغ من العمر 87 عامًا، أصبح محمد بن سلمان هو المحرك للسياسة السعودية ومن الواضح أنه يرغب في تعزيز قوة الرياض ونفوذها، وطموحاته أكبر بكثير من طموحات أسلافه الحذرين والمحافظين، وهو يتبع نهجًا ميكافيليًا لتحقيقها.

لذا فإن القياس على اليابان وكوريا الجنوبية غير مناسب الى حد كبير ويكاد يكون مهيناً للدولتين اللتين طورتا ثقافات سياسية ديمقراطية عميقة. ورغم أن هذا يعود الى عقود من الاحتلال الأميركي في حالة اليابان، والضغوط التي تمارسها على كوريا الجنوبية، فقد أظهر سكان البلدين احتراماً وتقديراً عميقين للحرية والحكم الذاتي. وقد ازدهرت اقتصاداتهما التي دمرتها الحرب في السابق، وفيهما ثقافتين تقليديتين للغاية، وهناك براعم متزايدة للتحرر الاجتماعي، كما هو الحال في قضايا المرأة والمثليين. اذ قضت المحكمة العليا في سيؤل مؤخرًا بأن نظام الرعاية الصحية في كوريا الجنوبية يجب أن يعترف بزواج المثليين، وفي يوليو/تموز 2023، أصدر البرلمان الياباني قانونًا "لتعزيز الفهم" للتوجه الجنسي والهوية الجنسية المتباينة. وقد أدى التقدم السياسي والاقتصادي والاجتماعي بدوره الى توسيع أساس التعاون الاستراتيجي والعسكري مع الولايات المتحدة. وكانت كل من اليابان وكوريا الجنوبية داعمتين بشدة فيما يتعلق بأوكرانيا.

وبطبيعة الحال، كل هذا لم يحدث دفعة واحدة. لقد تم إملاء الديمقراطية في اليابان عليها بشكل أساس من قبل الجنرال دوجلاس ماك آرثر وجيش الاحتلال الأمريكي بين عامي 1945 و1952، ولم يتم التوقيع على معاهدة الدفاع اليابانية الأمريكية حتى عام 1960. وحصلت كوريا الجنوبية على معاهدة الدفاع المشترك مع الولايات المتحدة في عام 1953. وذلك بفضل نهاية الحرب الكورية، ولم تؤمن ديمقراطيتها إلا بعد عقود.

ولكن الأهم من ذلك، هو أن كلاً من اليابان وكوريا الجنوبية كانتا خاضعتين بوضوح للنفوذ الأمريكي، ولم تكن أي منهما مستعدة لاتخاذ إجراءات عسكرية أحادية قد تورط الولايات المتحدة أو تشعل حروبًا بالوكالة مع الخصوم، كما فعل محمد بن سلمان والسعوديون في اليمن. وفي حين تشعر كل من سيؤل وطوكيو بقلق متزايد بشأن القدرات العسكرية الصينية وعدوانيتها، فإن مواقفهما -سواء كانت على طول خط العرض 38 أو في أرخبيل ريوكيو أو سينكاكو أو في مناطق الدفاع الجوي المحيطة -تظل دفاعية بشكل صارم. وفي لحظات التوتر المتصاعد، اعتادوا على البقاء على اتصال وثيق مع الولايات المتحدة.

وبشكل أكثر عمومية، لا يمكن مقارنة الوضع الاستراتيجي في شرق آسيا ولا دور الولايات المتحدة في المنطقة بما هو عليه في الشرق الأوسط. لقد لعبت المؤسسة العسكرية الأميركية دوراً رئيساً في غرب المحيط الهادئ منذ الحرب الاسبانية الأميركية، وهو الدور المهيمن هناك منذ الحرب العالمية الثانية، وهي (اليابان وكوريا الجنوبية) تعتبر الآن جمهورية الصين الشعبية تشكل "تهديداً متسارعاً". ووفقاً لتقدير وزير الدفاع لويد أوستن، فهي "المنافس الوحيد الذي لديه نية إعادة تشكيل النظام الدولي ولديها القوة للقيام بذلك". كما ان التزام الولايات المتحدة بأمن شرق آسيا كان دائماً ويستند الى تحالفات حقيقية وعميقة بين المصالح والقيم.

وعلى النقيض من ذلك، تراجعت إدارات أوباما وترامب وبايدن بشكل متكرر عن الشرق الأوسط. وفي مقابلته بعنوان "مبدأ أوباما" مع محرر مجلة أتلانتيك جيفري غولدبرغ، أعلن الرئيس السابق أن الشرق الأوسط "غير قابل للإصلاح"، وأكد أن السعوديين بحاجة الى " تقاسم " منطقة الخليج مع إيران. وكان الإنجاز الأبرز لدبلوماسية عائلة ترامب هو ما يسمى بـ “اتفاقيات إبراهيم”، وهي إطار عمل لكتلة إسرائيلية عربية مناهضة لإيران.

لقد كانت إدارة بايدن بعيدة عن التدخل الى حد كبير. وإذا حكمنا من خلال آخر ثلاثة رؤساء للولايات المتحدة، فقد استنفدت الإرادة السياسية للولايات المتحدة للتدخل في الشرق الأوسط بحلول عام 2021، ان لم يكن قبل ذلك. ولهذا السبب فان احتمال إبرام معاهدة دفاع أكثر رسمية مع الرياض يبدو غريباً للغاية: فالتراجع عن المنطقة مع اقتراح نوع من اتفاق الدفاع المشترك في الوقت نفسه يبدو وكأنه انفصام استراتيجي.

من المفترض أن يكون المردود الكبير مقابل معاهدة أمريكية سعودية هو تطبيع غير محدد للعلاقات السعودية الإسرائيلية. قد يكون ذلك جميلاً، وربما يستحق الثمن، لكن السعوديين يطلبون الكثير. وما يثير القلق بشكل خاص هو شهيتهم المتزايدة، في مواجهة التقدم النووي الإيراني، إما للحصول على مكان تحت المظلة النووية الأمريكية أو رادع مستقل للرياض. وفي مقابلة مع شبكة فوكس نيوز هذا الأسبوع، قال محمد بن سلمان لبريت باير إنه إذا حصلت إيران على سلاح نووي، "علينا أن نحصل عليه". ويشير السعوديون ضمنًا الى أنهم يشعرون بالحاجة الى مواكبة التطورات، مما يعني أن أي مشروع مدني للطاقة النووية -وهو أمر يطلبون أيضًا مساعدة الولايات المتحدة فيه -يمكن أن يكون نقطة انطلاق نحو صنع سلاح نووي.

إن الشراكة الاستراتيجية التقليدية والمشروطة بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية ليست تطابقاً مثالياً، كما قد يتفق الطرفان على ذلك، ولكنها أثبتت أنها مريحة للطرفين على مدى ثمانية عقود من الزمن. وتظل هناك مصالح مشتركة (يتقاسمها أيضاً الإسرائيليون ودول الخليج الأخرى) في منع الاختراق النووي الإيراني، واحتواء طموحات الهيمنة لآيات الله، والحد من الأذى المتأصل في جميع أنحاء المنطقة. وببساطة، علاقة أمريكا مع المملكة العربية السعودية ليست رائعة، لكنها ليست منكسرة.

إذا نحينا جانباً في الوقت الحالي مسألة ما الذي سيحققه تطبيع العلاقات بين المملكة العربية السعودية وإسرائيل لأي من البلدين، وهو السؤال الذي لا يستطيعان تحقيقه بالفعل من خلال اتصالاتهما القوية عبر القنوات الخلفية، وسؤال لماذا يعتبر التوسط الأمريكي ضروريًا لتغيير هذا الوضع الهادئ، ولكن لطبيعة العلاقة الوظيفية بين مؤسسات صنع القرار في واشنطن، يعرف البيت الأبيض جيداً أن اقتراح أي معاهدة أو التزام أمني دائم من هذا النوع على الكونجرس أمر لا جدوى منه. وحتى موافقة الكونجرس على بيع طائرات متقدمة وأسلحة أخرى للسعوديين بسعر أعلى تتطلب جهدًا ملحميًا.

يصادف هذا الشهر الذكرى السنوية الثلاثين لاتفاقيات أوسلو للسلام بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية. وينبغي لهذا الفشل الشهير أن يخدم كتحذير بشأن عوامل الجذب التي تنطوي عليها عملية صنع استراتيجية "المصافحة الكبرى" في الشرق الأوسط. ومن الأفضل التمسك بالبديل الأقل سوءًا.

* مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2023
www.fcdrs.com

...........................................
رابط المقال الاصلي:
https://www.aei.org/op-eds/the-u-s-saudi-unhappy-marriage/

اضف تعليق