د. منذر سليمان و جعفر الجعفري

حلّت الذكرى الأولى للحرب في أوكرانيا بنظرة أميركية مشبّعة بالتشاؤم، واكبتها رؤى أشد قسوة وسوداوية بين حلفائها الأوروبيين على مستقبلهم، تميّزت بتصعيد مطّرد لتوسيع رقعة الحرب ورفدها بسيل متواصل من المعدّات العسكرية، فضلاً عن تخصيص عدة مليارات من الدولارات الإضافية لتعويض كلفة الحرب ودفع رواتب الطواقم العسكرية الأميركية التي يزداد تعدادها بالقرب من الحدود الروسية.

التشاؤم المقصود من آفاق المرحلة المقبلة أوضحته نشرة "أتلانتيك" الأميركية المقربة إلى قيادة حلف الأطلسي، جراء استفتاء أراء مكثّف أجرته بين النخب الفكرية والسياسية الأميركية، شملت " كبار المؤرخين، وإختصاصيي العلوم السياسية والخبراء في التطورات الجيوسياسية والمسؤولين السابقين"، إعداداً لدخول الحرب عامها الثاني. وقد أجمعوا فيه على قتامة المستقبل المنظور والإعداد لحرب طويلة الأجل "ربما تستمر لعقد أو أكثر من الزمن" (نشرة "أتلانتيك"، 23 شباط/فبراير 2023).

تجدُد الجدل، بل صراع النخب، حول الاستراتيجية الأميركية في المرحلة الراهنة يأتي على خلفية تراجع الخيارات السابقة المتاحة أمام صنّاع القرار في انفتاح أكبر على المجتمعات الدولية، تليه هزائم متواصلة لمغامرات الحروب الأميركية في أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا والصومال، ناهيك بتعثر مفاوضات الملف النووي الإيراني، وصعود من ينادي بينهم بأنّ العالم اليوم "لم يعد يتقبّل الإملاءات الأميركية"، وما أنتجته من تحوّلات داخلية تحابي توجهات أقل تشدداً في العلاقات الدولية.

الثابت أنّ ذلك "الصراع" الفكري بين النخب الأميركية بين تياري التشدد والانفتاح لم يعمّر طويلاً مع اندلاع الحرب الأوكرانية. وسرعان ما انضمت غالبية الفريق المطالب بأخذ العبرة من المغامرات الحربية الأميركية في الخارج إلى النسق العام لدعم "المغامرة" الجديدة في أوكرانيا، مع بعض الاستثناءات المهمة، يتصدرهم أستاذ العلوم الاقتصادية والسياسة العامة في جامعة كولومبيا جيفري ساكس، وأستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو جون ميرشايمر، والأستاذ الجامعي في التاريخ آندرو باسيفيتش.

يسجّل للبروفيسور جيفري ساكس اتهامه المباشر لحكومة الولايات المتحدة بتفجير خط أنابيب الغاز الروسية إلى ألمانيا "وربما تورط بولندا معها". واستطرد في انتقاده الثابت لتوجهات واشنطن بأن آراءه "تسير بعكس بوصلة السردية الرسمية، ولا يجوز للمرء التلفظ بتلك الاتهامات في الغرب عموماً، لكن مراسلي كبار الصحف الأميركية، الذين تواصلت معهم، أكّدوا مسؤولية الولايات المتحدة عن التفجير، بيد أن تقاريرهم الموضوعية تغيب عن التغطية الإعلامية" (مقابلة مع شبكة "بلومبيرغ"، 22 شباط/فبراير 2023).

في الشق المقابل من تحولات النخب الأميركية بشأن مواصلة تأييد أوكرانيا، يمكن تسجيل بعض الاحتجاجات داخل قيادات التيار اليميني في الحزبين، وبشكل أكثر صرامة داخل الحزب الجمهوري الذي يعرب قادته عن قلقهم من "تراجع أولويات الأجندة الأميركية أمام نزعة التصعيد العسكري ضد روسيا" ("معهد كوينسي" الليبرالي، 28 شباط/فبراير 2023).

من أبرز "الاحتجاجات" المرصودة جهود تصدّرها عضو مجلس الشيوخ عن الحزب الجمهوري، التيار الليبرتاري المحافظ، راند بول الذي استطاع "تعطيل" موافقة المجلس على صرف "حزمة مساعدات لأوكرانيا" (إلى حين)، تبلغ قيمتها 40 مليار دولار، في شهر أيار/مايو من العام الماضي، وانضم إليه 10 أعضاء من الحزب نفسه.

وعلّل بول اعتراضه على الحزمة الضخمة بأنها "تهدّد أمننا القومي". وقد جرى نقاشها في مجلس الشيوخ على خلفية مشهد نقص إمداد حليب الأطفال وتوفره في الأسواق الأميركية.

ووصف أحد أبرز المحللين السياسيين في شؤون أوروبا الشرقية، داليبور روهاك، الذي يتبع لفريق المحافظين الجدد، ظاهرة "بدء التصدع" في تماسك قيادة الحزب الجمهوري بأن "انشطار الحزب الجمهوري على خلفية توجهات السياسة الخارجية الأميركية كان جلياً أمام الجميع" منذئذ. وقد جسّده تصويت الكونغرس على "مساعدة" أوكرانيا بمبلغ "113 مليار دولار" العام الماضي.

تتبّع إرهاصات تيارات الحزب الجمهوري وفّر فرصة فريدة، وربما غير مسبوقة، للمهتمين بالتوقف عند خلافات حقيقية بشأن تحديد سلّم الأولويات التي ينبغي معالجتها في الحقبة الحالية، وكذلك على المدى المتوسط. بعض الرموز المعروفة تعارض من موقع "أيديولوجي" كحافز أول، مثل راند بول، ومن ثم تتبلور المعارضة على خلفية الرؤى السياسية المتعددة ("معهد كوينسي"، واشنطن، 23 شباط/فبراير 2023).

وهنا تجدر الإشارة مرة أخرى إلى جسارة بعض ممثلي الحزب في مجلسي الكونغرس في التصدي للتيار التقليدي "المتشدد"، كما يطلق عليه، وخصوصاً من قبل مجموعة ممثلين مؤيّدين للرئيس السابق دونالد ترامب وتسجيل بعض النجاحات الملموسة.

ولا يجوز التغاضي عن أهمية الجدل السياسي الحاد إبّان انتخاب رئيس مجلس النواب عن الحزب الجمهوري، كيفين مكارثي، وما قدّمه من تنازلات قاسية لكسب تأييد تلك المجموعة محدودة العدد، وما قد يرافقها من مواجهات مقبلة بين تيّارات المؤسسة الحاكمة عند طرح "حزم مساعدات جديدة لأوكرانيا" للتصويت، والتنازلات التي قد تضطر تلك القيادات العليا تقديمها إلى أقلية أثبتت حضورها وثقلها السياسي بشكل أكبر من حجمها العددي.

علاوة على ذلك، لوحظ "تبدّل" فكري في توجه أحد أبرز مراكز اليمين السياسي الفكري في الآونة الأخيرة، ممثلاً بـ "مؤسسة هاريتاج"، التي أرست معالم توجهات المستقبل، مطالبة بـ "عدم تقديم شيك مفتوح" لأوكرانيا، ومحذرة من نزعة صنّاع القرار في الحزبين إلى "تهميش مصلحة أميركا" لمصلحة أوكرانيا (بيان صحافي، "مؤسسة هاريتاج"، 10 أيار/مايو 2022).

تجدر الإشارة أيضاً إلى تراجع في حماسة المزاج الشعبي العام لتقديم دعم متواصل لأوكرانيا، يقابله انكشاف اهتراء البنى التحتية في الصمود أمام حوادث "شبه عادية" مثل اصطدام قطارات وتسببها بانبعاث غازات سامة ناجمة عن حادثة بلدة "إيست باليستاين" في ولاية أوهايو حديثاً، أودت بالثروة الحيوانية ولوّثت مياه الشرب، مع تحذير الهيئات الصحية من انتشار أمراض سرطان متعددة بين سكان المنطقة.

بالتزامن مع الذكرى الأولى للحرب في أوكرانيا، قام الرئيس الأميركي جو بايدن بزيارة "مفاجئة" إلى كييف، في سياق استراتيجية واشنطن الثابتة بـ "إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا"، وُصفت بتصرف رئاسي "متهوّر"، مهّدت لها نشرة مختصة بالشؤون الدولية بأن " الأوان آن للإعداد (التخطيط) لانهيار روسيا" (نشرة "فورين بوليسي"، 7 كانون الثاني/يناير 2023).

رحلة بايدن رُتّبت على عجل، وكانت خارج سياق التواصل والتسلسل الإعلامي المعهود، وهي "المرة الأولى في التاريخ الحديث التي يزور فيها رئيس أميركي منطقة اشتباك مسلّح خارج تغطية حماية عسكرية أميركية"، ما دفع بعض وسائل الإعلام الرئيسية إلى وصفها بأنها "تسلّل من واشنطن إلى كييف تحت جنح الظلام من دون ملاحظة أحد" (موقع "أم أس أن" الإلكتروني، وشبكة "إيه بي سي" للتلفزة، وموقع "ميليتاري تايمز"، 20 شباط/فبراير 2023).

زيارة عاجلة "تمت بترتيب مسبق مع السلطات الروسية"، حرصاً على سلامة شخص الرئيس، بحسب ما تسرّب من تقارير تباعاً، كانت ترمي إلى "تجسيد التزام الغرب" بدعم أوكرانيا، في ظل "تبخّر وعود المساعدة الغربية في مؤتمر ميونيخ للأمن" (نشرة "ديفينس نيوز"، 23 شباط/فبراير 2023).

المساعدات المالية والعسكرية الموعودة لأوكرانيا، اصطدمت بجدار صلب من عدم اليقين داخل أروقة مؤتمر ميونيخ، وخصوصاً بين "طواقم الأمن القومي المتعدد الجنسيات، والصحافيين أيضاً"، بحسب نشرة "ديفينس وان"، على الرغم من كلمة متلفزة وجهتها نائب الرئيس الأميركي كمالا هاريس، أعلنت فيها تعهّد بلادها "دعم أوكرانيا مهما طال الأمر".

وازداد المطالبون بتحديد دقيق للسياسة الأميركية بشأن أوكرانيا، وخصوصاً من قيادات عسكرية معتبرة ونخب سياسية مرموقة، من بينهم رئيس هيئة الأركان الأميركية مارك ميللي، اشاروا بالمجمل إلى حالة من الجمود العسكري يرافقه تقدّم ميداني حثيث للقوات الروسية، ما يحتّم على الغرب مواجهة مباشرة للحقائق المتجددة.

وقالت النشرة العسكرية، "ديفينس وان"، نيابةً عن حضور مؤتمر ميونيخ للأمن، أن على زعماء الدول المختلفة "مخاطبة الجمهور بشأن إجماع الرؤى للمرحلة الحالية وما تواجهه أوكرانيا من حقيقة استنزاف متواصلة. وليس هناك من خيار أمام الغرب إلا دخول المعركة مباشرة ضد روسيا انطلاقاً من أوكرانيا، وتوفيره أسلحة ومعدات متطورة مدعومة بأسلحة الجو المختلفة لتلك المهمة".

ومضت محذرة قادة حلف الناتو من حالة "التردّد اتخاذ القرار المناسب الذي ستنجم عنه إطالة أمد الحرب وازدياد ضحاياها"، وأعربت عن قناعة المجمّع العسكري والاستخباري بهزيمة أوكرانيا، على الرغم من طمأنة رئيس هيئة الأركان، مارك ميللي، أقرانه إلى البدء بهجوم شامل في الربيع المقبل.

ووجّه الرئيس السابق لوكالة الاستخبارات المركزية، ديفيد بيترايوس، خطاب استغاثة إلى الغرب بالتحرك الفوري لتبني "تدريب طواقم طيارين على مقاتلات أف-16 أس"، كدليل على استنتاجه وآخرين بأن "الحرب لن تنتهي مع حلول فصل الصيف المقبل".

وخلصت النشرة بالقول أن ذلك السيناريو المرئي "سيخدم الرئيس بوتين حصراً، الذي باستطاعته إنهاء الحرب" اتساقاً مع اهدافه المعلنة.

لا يخفي خبراء الشؤون العسكرية أبعاد التصعيد الخطابي والعسكري الأميركي، ويقولون أنّ أحد أهدافه هو استدراج روسيا إلى استخدام سلاح نووي منخفض القدرة الإشعاعية في المعركة الدائرة، وما يترتب على ذلك من تدخل مباشر لواشنطن وحلفائها لتسديد المزيد من الضربات داخل الأراضي الروسية.

عند هذا المنعطف الخطر، أعلنت روسيا تجميد التزامها باتفاقية الحد من الأسلحة النووية مع الولايات المتحدة، فيما أعربت واشنطن عن خيبة أملها من القرار الروسي، معلنة استعدادها للتفاوض مجدداً بهذا الشأن.

التكهن بدخول السلاح النووي من عدمه، في الحرب الأوكرانية ليس مسألة هيّنة، وأركانها غير متوفّرة، باستثناء الخطاب التصعيدي من واشنطن سياسياً وعسكرياً، وهي التي تتخذ من أوكرانيا والأراضي البولندية منصة انطلاق لإدامة أمد الحرب، لكن باستطاعة المرء الاستنتاج بأن البشرية برمتها مقبلة على سباق تسلح نووي يخلو من الضوابط والقيود السابقة، تواكبه سيادة فريق الحرب في صنع القرار الأميركي والتحكّم في مستقبل العالم أجمع.

* نشرة التقرير الأسبوعي لمراكز الابحاث الأميركية

اضف تعليق