بقلم: يوشكا فيشر

برلين – لا أستطيع ان أتذكر في السنوات الخمس والسبعين الماضية وقتاً كان فيه مثل هذا الكم الهائل من الصدمات الكبيرة والصغيرة فالعالم اليوم يتعامل مع زيادة التغير المناخي والجائحة وحروب كبرى بالإضافة الى تصاعد التضخم وتعطل التجارة الدولية وسلاسل الإمداد ونقص حاد في الطعام والطاقة.

ان جزء كبير من تلك الاضطرابات ينبع من تنافس جديد (ومتجدد) بين القوى الكبرى ولهذا التنافس تداعيات واضحة وفوضوية الى حد كبير تجسدها حرب روسيا العدوانية على أوكرانيا. ان من يتنبأ بإن هذه الحرب ليست الا فصل من مأساة أطول لا يُعتبر من المتشائمين الذين يبشرون بالهلاك، وفي شرق آسيا فإن هناك تهديد بإن تؤدي مطالبة الصين بتايوان لتصعيد عسكري وفي الشرق الأوسط فإن برنامج إيران النووي الحالي قد يؤدي بسهولة الى اشعال صراع عسكري كبير.

باختصار ، نحن نشهد خاتمة السلام الأمريكي الذي على أساسه استمرت العلاقات الدولية لأكثر من 70 عامًا بعد الحرب العالمية الثانية علماً انه بعد ان انتصرت الولايات المتحدة الامريكية في الحربين العالميتين بالقرن العشرين تمكنت من الانتصار في الحرب الباردة التي تلت تلك الحروب وخلال تلك الفترة ضمنت الولايات المتحدة السلام والاستقرار في أوروبا- والتي كانت في حالة دمار كبيرة سنة 1945- ووضعت أسس أنظمة جديدة لتعدد الأطراف تتعلق بالتجارة والقانون الدولي والتي تم تأسيسها تحت مظلة الأمم المتحدة التي توسعت عضويتها نتيجة لانتهاء حقبة الاستعمار ولكن صعود الصين وغيرها أدى الى استبدال السلام الأمريكي -والذي من المؤكد انه لم يكن مثالياً – بواقع متعدد الأقطاب بشكل أكبر.

يشهد الاقتصاد العالمي على وجه الخصوص منذ بداية هذا القرن تحولاً تقنياً أساسياً. ان الرقمنة والذكاء الاصطناعي تعيد هيكلة الاقتصادات المتقدمة بشكل جذري كما تعيد توازن القوة السياسية عالمياً فمنذ الأزمة المالية سنة 2008 أصبحت الظروف العالمية أكثر فوضوية مما يعكس عيوباً قاتلة بالافتراضات الغربية. لقد استسلمت أوروبا للوهم بإن شراكة الطاقة مع روسيا سوف تضمن السلام والاستقرار في القارة كما أخطأ القادة الأمريكان باعتقادهم إن إشراك الصين بمنظمة التجارة العالمية وغيرها من الترتيبات المتعددة الأطراف سوف يؤدي حتماً الى ان تصبح دولة ديمقراطية.

وفي الحالتين، لم يستطع القادة الغربيون إدراك النوايا والأهداف الاستراتيجية للقادة الروس والصينيين فلقد كانوا واثقين جدا بالجاذبية العالمية لنماذج الحضارة الخاصة بهم ولدرجة أنهم فشلوا في توقع التداعيات السياسية لقبولهم بالتبعية الاقتصادية. لقد حان الان وقت دفع ثمن هذه السذاجة علماً أن الثمن سيكون كبيراً.

لقد أصبحت الصين وبشكل سريع منافس تقني للغرب وخاصة للولايات المتحدة الأمريكية وهو أمر استعصى على الاتحاد السوفياتي حتى في ذروة "صدمة سبوتنيك". ما يزال من غير المعروف الى اين ستقودنا هذه المرحلة الجديدة من المنافسة العالمية المنهجية، لكن من المؤكد إن الصين ستكون عصية على الكسر، وعلاوة على ذلك، سيتم خوض المنافسة الجديدة بين القوى العظمى في ظل ظروف عالمية جديدة تمامًا حيث تستمر جائحة كوفيد -19 وتغير المناخ في إحداث تعديل أساسي بالحسابات الاقتصادية والسياسية العالمية.

لو فشلت الإنسانية في تخفيض انبعاثات غاز الدفيئة بالرتم اللازم للإبقاء على الاحتباس الحراري تحت السيطرة، فإنها سوف تتعرض لحقبة من الأزمات العالمية التي لا يمكن عكسها ولا يمكن السيطرة عليها مستقبلاً، والأسوأ من ذلك وبسبب الديناميكيات التنافسية العالمية الجديدة، ستتجه القوى الكبرى الى المزيد من المواجهة وعلى الرغم من أن التحديات التي نواجهها تتطلب تعاونًا أوثق. إن هذه هي المأساة الحقيقية لحرب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين: فإلى جانب الدمار العبثي والمعاناة الإنسانية التي لا توصف، تكلّف الأزمة الأوكرانية البشرية وقتًا ثمينًا لا تملكه.

ان هناك أزمة أخرى يجب ذكرها في هذا المقام ففي خضم هذه الفوضى العالمية تعاني الولايات المتحدة الأمريكية أيضا من مشاكل محلية تلقي بظلال من الشك على مستقبلها كديمقراطية مستقرة وفعالة ففي 6 يناير 2021 شهدت البلاد أول محاولة انقلابية وكما اثبتت لجنة 6 يناير في مجلس النواب سعى دونالد ترامب الى الانقلاب على انتخابات 2020 من خلال ترهيب مسؤولي الانتخابات بالولايات والترتيب لقوائم "وهمية" للهيئة الانتخابية وفي نهاية المطاف تحريض حشد عنيف من الغوغاء لاقتحام مبنى الكونغرس الأمريكي، فهل ستثبت الديمقراطية الامريكية انها مرنة وصلبة بشكل يكفي لمنع شيء من هذا القبيل ان يحدث مجدداً أم هل سينجح ترامب أو من على شاكلته في تحقيق ما فشل اختبار 6 يناير في تحقيقه؟

سيكون هذا السؤال حاسماً ليس فقط بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية وديمقراطيتها ولكن أيضاً بالنسبة لحلفائها ومستقبل البشرية بشكل عام. ان الانتخابات الرئاسية سنة 2024 قد تكون أول انتخابات سيكون لها تداعيات حضارية وكوكبية مباشرة. ليس من قبيل المصادفة أن مصير العالم في القرن الحادي والعشرين سيتقرر في أقدم ديمقراطية فيه أي في الدولة التي ضمنت النظام الدولي طيلة الخمس والسبعين سنة الماضية.

* يوشكا فيشر، وزير خارجية ألمانيا ونائب المستشار من 1998 إلى 2005، كان زعيمًا لحزب الخضر الألماني لما يقرب من 20 عامًا.
https://www.project-syndicate.org

اضف تعليق