بقلم: ريتشارد هاس

نيويورك ــ تساهم مناقشات متكررة عديدة في جعل السياسة الخارجية نشطة نابضة بالحياة. وتدور أبسط هذه المناقشات حول المقدار الواجب توظيفه من السياسة الخارجية، أو كيف يمكن إيجاد التوازن الصحيح بين معالجة القضايا المحلية والمشكلات في الخارج ــ في هيئتها المتطرفة، المناقشة بين الانعزالية والعالمية.

ثم هناك المناقشات حول الأدوات (الدبلوماسية مقابل العقوبات أو القوة العسكرية) والوسائل (الأحادية مقابل التعددية). في بعض البلدان تدور أيضا مناقشات حول كيفية صنع السياسة الخارجية وتنفيذها؛ في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، تتناول هذه المناقشة الدور الذي يضطلع به الكونجرس وصلاحياته مقابل دور الرئيس والسلطة التنفيذية.

لكن في الأنظمة الديمقراطية، تدور مناقشة إضافية حول الأهداف. إلى أي مدى ينبغي للسياسة الخارجية أن تسعى إلى تشكيل الخصائص الداخلية للدول الأخرى، وعلى وجه التحديد من خلال الترويج لنشر الديمقراطية وحقوق الإنسان، بدلا من التركيز على التأثير على سلوك الدول الأخرى الخارجي في محاولة لتعزيز مصالح واقعية صارمة مثل الأمن والتجارة. بوسعنا أن نعتبر هذه مناقشة بين المثالية والواقعية.

إنها مناقشة أبدية لقادة الولايات المتحدة وصناع سياساتها. لنـتأمل هنا حالة المملكة العربية السعودية. كانت العلاقات بين البلدين تعاونية في الأغلب الأعم طوال ثلاثة أرباع القرن من الزمن، وفي المقام الأول من الأهمية في الأمور المرتبطة بالنفط: في مقابل استمرار السعوديين في ضخ النفط بكميات وفيرة (وبالتالي تقليص ضغوط الأسعار)، زودت الولايات المتحدة السعوديين بالأسلحة المتقدمة والاستخبارات التي يحتاجون إليها لضمان أمنهم.

كما تعاون البلدان ضد الاتحاد السوفييتي أثناء الحرب الباردة، وخاصة في أفغانستان. تعوض مثل هذه المصالح المشتركة غالبا عن الخلافات المستمرة بشأن سجل الحكومة السعودية الهزيل في مجال حقوق الإنسان وعداء المملكة تجاه إسرائيل.

وصلت إدارة الرئيس جو بايدن إلى السلطة قبل عام ونصف العام وهي عازمة على تغيير هذا النمط ومعاملة المملكة العربية السعودية على أنها "منبوذة". استنتجت الولايات المتحدة أن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي للبلاد والوارث المنتظر للعرش، أمر في عام 2018 بقتل الصحافي والمعارض السعودي البارز جمال خاشقجي في إسطنبول. كان خاشقجي يحمل إقامة دائمة في الولايات المتحدة.

كانت إدارة بايدن معارضة بشدة أيضا لمشاركة المملكة العربية السعودية في الحرب الأهلية الدائرة في اليمن، وهو الصراع المسؤول عن قدر هائل من المعاناة الإنسانية. مع انخفاض أسعار النفط ووفرة الإمدادات (وهو ما يرجع في الأغلب إلى توسع الإنتاج في الولايات المتحدة بشكل كبير)، وعزم بايدن على تخفيف بصمة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط والتركيز على آسيا، بدا الأمر وكأن القيم تسبق المصالح الاقتصادية والأمنية في الأهمية لأول مرة منذ نشأت العلاقات الأميركية السعودية في أربعينيات القرن العشرين.

ولكن الآن، تؤكد التقارير أن إدارة بايدن تفكر في تغيير المسار، حيث يخطط بايدن لزيارة المملكة ولقاء محمد بن سلمان هذا الصيف. ليس من الصعب أن نتخيل السبب. فقد ارتفعت أسعار الطاقة إلى عنان السماء، نظرا لارتفاع الطلب المرتبط بالتعافي الاقتصادي بعد الجائحة والعقوبات المفروضة الآن على روسيا وإيران وفنزويلا، وكل منها تحد من العرض.

تعمل أسعار الطاقة المرتفعة على تغذية التضخم، الذي تبين أنه التحدي الاقتصادي والسياسي الأعظم الذي يواجه إدارة بايدن. وفجأة، أصبحت المملكة العربية السعودية، منتجة النفط النادرة التي تتمتع بالقدرة على زيادة الإنتاج بسرعة نسبيا، شريكا مطلوبا بشدة مرة أخرى.

لا يخلو الأمر من عوامل أخرى مؤثرة أيضا. في السنوات الأخيرة، عقدت العديد من الدول العربية، بما في ذلك الإمارات العربية المتحدة والبحرين، معاهدات سلام مع إسرائيل. ومن الواضح أن جلب المملكة العربية السعودية، التي تستضيف أقدس المواقع في العالم الإسلامي، إلى معسكر السلام يحمل قيمة رمزية وسياسية عظيمة. كما يمهد الطريق لزيارة بايدن احتضان المملكة العربية السعودية لوقف إطلاق النار في اليمن.

لكن لعل السبب الأكثر أهمية في نهاية المطاف هو إيران. إن الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية تجدان نفسيهما تتشاركان شعورا متزايدا بالقلق إزاء برامج إيران النووية والصاروخية، فضلا عن دعمها لجماعات عنيفة في اليمن، وسوريا، ولبنان. إنه تطبيق كلاسيكي لمقولة "عدو عدوي صديقي". إن التعاون الوثيق بين المملكة والولايات المتحدة سيشكل ضرورة أساسية إذا فشلت الجهود الدبلوماسية، كما يبدو محتملا على نحو متزايد، لاستعادة الاتفاق النووي لعام 2015 مع إيران ــ أو فشلت في منع إيران من تحقيق اختراق نووي في غضون فترة وجيزة أو دون سابق إنذار.

على الرغم من هذه الاعتبارات الجديدة، تتوخى إدارة بايدن الحذر الشديد، لأنها على يقين من أنها ستكون هدفا للهجوم لتغيير موقفها. النبأ السار هنا هو أنه لا يوجد سبب يدعو الولايات المتحدة إلى التخلي عن التزامها بحقوق الإنسان. يحتاج السعوديون إلى الدعم من جانب الولايات المتحدة للتصدي لإيران، ونتيجة لهذا سيكون من الممكن الضغط عليهم لحملهم على تحسين معاملتهم لمنتقدي الحكومة، والنساء، والأقليات الدينية. لن تكون النتيجة مثالية، لكن ظهور مجتمع أكثر انفتاحا غاية من الممكن أن تتحقق.

ينطوي الأمر على درس أكبر هنا. لا تستطيع سياسة خارجية ناجحة تنتهجها قوة عالمية مثل الولايات المتحدة أن تختار القيم وليس المصالح. من المؤكد أن تبني نهج خالص يركز على القيم في التعامل مع المملكة العربية السعودية ــ أو الصين، أو روسيا، أو إيران، أو كوريا الشمالية ــ ممارسة غير مستدامة. الواقع أن المقياس الأساسي للسياسة الخارجية هو أنها تعطي الأولوية لأمن الدولة على تفضيلاتها. ويجب أن تكون الغَـلَـبة للواقعية على المثالية. يشير التاريخ إلى أن قدرة أي دولة، حتى وإن كانت قوية كقوة الولايات المتحدة، على جلب الإصلاح السياسي إلى بلدان أخرى محدودة.

لكن هذا لا يعني أن الولايات المتحدة ينبغي لها أن تتجاهل الديمقراطية وحقوق الإنسان. يجب أن تعكس السياسة الخارجية قيم الدولة إذا كان لها أن تحظى بالدعم العام وأن تقود المسيرة بمرور الوقت إلى عالم أكثر ديمقراطية، والذي سيكون في الأرجح سلميا ومزدهرا ومنفتحا على التعاون. إنها دوما مسألة درجة وتوازن. ويبدو أن ما تفكر إدارة بايدن في إنجازه في المملكة العربية السعودية هو تصحيح التوازن.

* ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية، مؤلف كتاب عالم في الفوضى: السياسة الخارجية الأمريكية وأزمة النظام القديم، وكتاب العالم: مقدمة موجزة
https://www.project-syndicate.org

اضف تعليق