بقلم: كرزيستوف كراكوفسكي

تورينو - إن الاستخدام المتزايد لتقنيات المراقبة المتطورة، بما في ذلك المراقبة الرقمية، يجعل من الصعب على المعارضين في الدول الاستبدادية التهرب من أجهزة المراقبة التابعة للسلطات. إن الآلاف من عملاء الشرطة السريون في بيلاروسيا والصين وروسيا والعديد من البلدان الأخرى يشاهدون ويستمعون ويتابعون المعارضين والمشتبه بهم للنظام. ووفقًا لأحد التقديرات، استخدمت 39٪ من الحكومات في عام 2019 أجهزة المراقبة في انتهاك جزئي أو كامل لحق مواطنيها في الخصوصية.

بداية، يجب أن تعمل أجهزة المراقبة التابعة للدولة على قمع المعارضة. في الواقع، تتطلب المعارضة الفعالة المناهضة للحكومة قدرًا كبيرًا من الجهد الجماعي والتنسيق الماهر والسرية التامة. يجب أن يكون هذا النوع من التنظيم صعبًا إن لم يكن مستحيلاً لإنشائه والحفاظ عليه في بيئة يمكن للنظام فيها الوصول بشكل موثوق إلى اتصالات النشطاء ورصد تحركاتهم. يخلص العديد من الباحثين إلى أن المراقبة فعالة في إفشال المقاومة. ومن خلال مساعدة السلطات على تحديد الشخصيات المعارضة الرئيسية والقضاء عليها، فإنها تزرع الخوف في نفوس السكان.

يمكن أن تثير تجربة إخضاعها للمراقبة امتثالاً شبه مهووس للقانون، كما وصف أوجينيوس جاتنار، المعارض في بولندا في الحقبة الشيوعية، في مذكراته: "كنت أعرف أن الشرطة السرية كانت تلاحقني. لطالما قلت لنفسي: لا تعبر الشارع عند الإشارة الحمراء، وتحقق من صحة التذاكر في القطار". إلى جانب ترهيب المواطنين وثنيهم عن دعم حركات المعارضة، تُمكن أجهزة المراقبة النظام من اختراق منظمات المعارضة وتعطيل شبكات المُنشقين. يمكن للمتسللين نشر معلومات مُضللة وتمكين النظام من إحباط خُطط جماعات المعارضة.

تُظهر الأحداث البارزة الأخيرة مدى انتشار وفعالية أجهزة المراقبة الحديثة. وبعد تسميم المعارض الروسي البارز أليكسي نافالني بعد حدث انتخابي في وسط روسيا في أغسطس / آب عام 2020، كشف تحقيق مشترك أجراه موقع "ذا إنسايدر" وموقع "بيلينغكات" الاستقصائي الإلكتروني أن جهاز الاستخبارات الروسي كان يُلاحق نافالني لأكثر من ثلاث سنوات. قام عملاء من جهاز الأمن الفيدرالي الروسي بمراقبة نافالني عن كثب، في انتظار الفرصة لوضع غاز الأعصاب على ملابسه. يُعد اعتقال الصحافي والناقد الحكومي البيلاروسي رومان بروتاسيفيتش مثالاً بارزًا آخرًا. في مايو / أيار من العام الماضي، جادل البعض أن ضباط الأمن البيلاروسيين تعقبوا بروتاسيفيتش إلى أثينا. وعند عودته على متن رحلة جوية تجارية إلى منزله في فيلنيوس بليتوانيا، لم يتمكن بروتاسيفيتش من الوصول إلى هناك: أثناء سفره عبر المجال الجوي لبيلاروسيا، أُجبرت الطائرة على الهبوط في عاصمة البلاد مينسك، حيث تم اعتقاله (وصديقته) على الفور.

وقد واجه بول روسيساباجينا مصيرًا مماثلاً، وهو معارض سياسي ومنتقد صريح للحكومة الرواندية يعود إليه الفضل في إنقاذ أكثر من 1000 شخص خلال الإبادة الجماعية في البلاد عام 1994. وفي 31 أغسطس / آب عام 2020، ورد أنه تم تعقب روسيساباجينا في رحلة من الولايات المتحدة إلى دبي من قبل عملاء روانديين وتم اختطافه أثناء محاولته الوصول إلى جمهورية بوروندي المُجاورة في رحلة جوية لاحقة.

ومع ذلك، لم يعجز المُعارضون في مواجهة أجهزة المراقبة المنتشرة على نطاق واسع. يكشف بحثي الأخير، الذي أجريته مع أنسيلم هاجر، عن المرونة التي تتمتع بها المنظمات المُعارضة الخاضعة للمراقبة. ومن خلال تحليل أرشيفات وسجلات الشرطة السرية التي رفعت عنها السرية من بولندا في الحقبة الشيوعية، اكتشفنا أن المناطق التي خضعت للمراقبة المُكثفة من قبل الشرطة السرية في الثمانينيات شهدت أيضًا المزيد من الإضرابات والتجمعات. فقد ركز بحثنا على موجة الاحتجاجات التي شكلت أساس منظمة (تضامن)، وهي الحركة التي أطاحت بالنظام في نهاية المطاف في عام 1989.

ومن أجل معرفة كيف استمرت جماعات المعارضة في تحقيق التقدم على الرغم من المراقبة المكثفة، قمنا أولاً بالبحث عن سبب استمرار الأشخاص في الانضمام إليها. وجدنا أن الخوف من المراقبة قد تغلبت عليه عاطفة أخرى أكثر قوة: الغضب - الذي كشف بحثنا أنه الشعور الأكثر شيوعًا التي عبر عنه أعضاء المعارضة أثناء الحديث عن أجهزة المراقبة. فقد جادل بعض المعارضين البولنديين بأن المراقبة المُستمرة كانت بمثابة تجربة مُهينة، مما دفعهم إلى الاحتجاج في الشوارع. وكما أشار المؤلف البولندي ليوبولد تيرماند، وهو كاتب معارض معروف في بولندا الشيوعية: "لقد حظِيت حقيقة مفادها أن الشرطة السرية تعرف أكثر مما أتذكر ما كنت أفعله في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني وأي من ملابسي الداخلية الإحدى عشر تُعجبني أكثر [...] بدعم كبير".

لكن الغضب وحده لا يفسر نجاح حركة "تضامن" بشكل كامل. وقد قمنا أيضًا بالبحث عن كيفية نجاح المنظمات المنشقة الخاضعة للمراقبة في حماية نفسها من التسلل والاختراق وفساد الأعضاء. وعلى نحو غير متوقع، وجدنا أن إحدى السمات المميزة لأجهزة المراقبة في الأنظمة الشيوعية - والتي تتمثل في الاعتماد الكبير على المخبرين المدنيين - كانت إحدى نقاط ضعفها الرئيسية. وفي بولندا، كان استخدام المخبرين على نطاق واسع يعني أن المراقبة يمكن أن تتم بواسطة أي شخص، بما في ذلك المعارف المقربين أو الأقارب. وفي الأساس، كان الجميع متعاونين محتملين مع النظام. وقد يتوقع المرء أن يؤدي انعدام الثقة الاجتماعية الناتج إلى زيادة صعوبة تنظيم المعارضة. وبدلاً من ذلك، وفر هذا النهج للمواطنين حافزًا للكشف عن ولائهم الحقيقي علنًا. ومن خلال العمل الصريح ضد النظام، يمكن للناس أن يثبتوا لأصدقائهم وعائلاتهم أنهم لم يكونوا متعاونين.

وفي إحدى الشهادات، رد أحد المعارضين على التهم الموجهة إليه من خلال القيام بإضراب عام عن الطعام. وقد حذا حذوه كثيرون آخرون. تستخدم الأنظمة الاستبدادية أجهزة المراقبة لردع الاحتجاج عن طريق الخوف والاضطراب. لكن بحثنا يُظهر أن المراقبة يمكن أن تشجع الناس على الوقوف في وجه النظام. يدفع الوعي بالخضوع للمراقبة إلى شعور بالغضب الذي يُعد أقوى من الإحساس بالخوف، وبالتالي فإن انعدام الثقة واسع النطاق يشجع المعارضين على إعلان ولائهم علنًا. تُعزز كلتا العمليتين حركات المقاومة المناهضة للنظام، مما يُسلط الضوء على الصمود غير المُتوقع لمنظمات المعارضة في مواجهة أجهزة المراقبة.

* كرزيستوف كراكوفسكي، أستاذ مساعد للعلوم السياسية في كوليجيو كارلو ألبرتو في تورينو، إيطاليا.
https://www.project-syndicate.org

اضف تعليق