بقلم: إريك بوزنر

شيكاغو ــ أحدثت الانتخابات الرئاسية الأميركية التي اكتملت للتو انقلابا في مجموعة من التنبؤات الكئيبة. فقد قيل لنا إن الأصوات لن تُـفرَز، وإن آلات التصويت ستُـخـتَـرَق، وإن الهيئات التشريعية في الولايات ستأمر الناخبين بتحدي إرادة الشعب، وإن بلطجية مسلحين سيروعون الناخبين، وإن أعمال الشغب ستندلع ــ مع انحياز الشرطة إلى جانب رئيس "القانون والنظام". صحيح أن الرئيس دونالد ترمب، كما كان متوقعا منه، رفض التنازل حقا، واتهم الديمقراطيين بالتزوير، وطعن في الانتخابات والمحاكم. لكنه ليس لديه أي احتمال واقعي للبقاء في منصبه بعد يوم التنصيب.

الواقع أن أولئك الذين يزعمون أن سلوك ترمب بعد الانتخابات يرقى إلى مستوى محاولة الانقلاب يخطئون قراءة الموقف. إن رفض ترمب التنازل لا يعني أي شيء. كانت طعونه القانونية عبثية وقد سحقتها المحاكم. لقد خسر وقضي الأمر.

رغم أن العديد من الناخبين الجمهوريين يخبرون القائمين على استطلاع الآراء أن الانتخابات سُـرِقَـت، فلم يخرج أي منهم إلى الشوارع أو يتبع تكتيكات قد يتوقعها المرء من أناس يعتقدون حقا أن الديمقراطية جرى تخريبها. ولم نر انتفاضة على غرار ما حدث في هونج كونج. أما هجمات ترمب على المؤسسات الأميركية فهي إلى حد كبير شكل من أشكال فن الأداء السياسي.

من المغري أن نقول إن ترمب أضر رغم ذلك بالنظام الانتخابي في الولايات المتحدة، والديمقراطية الدستورية الأميركية في عموم الأمر. الادعاء الأساسي ــ الذي تكرر بشكل غير عادي على مدار السنوات الأربع الأخيرة ــ هو أن ترمب خَـرَّب "معايير" بعينها تُـعَـد ذات أهمية حاسمة لعمل الديمقراطية. تضمن هذه القواعد غير المدونة تعاون الحزبين السياسيين الرئيسيين، واحترام إرادة الشعب، وعدم انزلاق السياسة إلى العنف. إذا استهزأ رئيس بهذه المعايير أو هاجمها، فسوف تتفكك، مما يجعل الديمقراطية في حكم المستحيل.

كان هذا القلق مشروعا بكل تأكيد. لكن من عجيب المفارقات يبدو أن هجمات ترمب على الديمقراطية الأميركية عززتها ولم تضعفها. لنتأمل هنا الانتخابات. دأب علماء السياسة لعقود من الزمن على الإعراب عن أسفهم الشديد إزاء حقيقة مفادها أن قِـلة من الأميركيين يدلون بأصواتهم أو يكلفون أنفسهم عناء الاهتمام بالسياسة. مع ذلك، كان إقبال الناخبين على صناديق الاقتراع هذا العام كنسبة من السكان المؤهلين هو الأعلى على الإطلاق منذ عام 1900. وعلى الرغم من الصعوبات والقيود المرتبطة بأسوأ أزمة صحية في قرن من الزمن، تبرع الناس بالمال للمرشحين، وتجادلوا مع بعضهم بعضا عبر الإنترنت، ونظموا أنفسهم على نطاق هائل. وعلى الرغم من تنظير المؤامرة، والاستقطاب، والشعور المتواصل بالاضطراب والارتباك، فإن هذه علامات تدل على ديمقراطية سليمة.

على نحو مماثل، في حين هاجم ترمب الصحافة باعتبارها "عدو الشعب"، وانتقد غالبا العديد من الصحافيين بالاسم، فقد ازدهرت وسائل الإعلام الرئيسية. وارتفعت الاشتراكات في النسختين المطبوعة والرقمية من صحيفة نيويورك تايمز، وهي واحدة من "أعداء" ترمب الرئيسيين، إلى عنان السماء، من ثلاثة ملايين في عام 2017 إلى سبعة ملايين في عام 2020. وحظيت قنوات CNN، وMSNBC، وFox News، بتقييمات غير مسبوقة في عام 2020. ولا يوجد دليل يشير إلى أن الصحافيين أو المعلقين حاولوا قمع القصص أو الآراء لأنهم يخشون انتقام الحكومة.

كما حافظ القضاء، وهو هدف آخر متكرر لانتقادات ترمب، على استقلاله. فبالإضافة إلى رفض طعون ترمب الانتخابية التي لا تقوم على أي أساس، أنزل القضاة بإدارته الهزيمة تلو الأخرى. وحتى جهود ترمب لتحرير الاقتصاد من الضوابط التنظيمية، برغم ما حظيت به من إشادة من جانب المحافظين، عرقلتها المحاكم في الغالبية العظمى من القضايا المعروضة عليها ــ وبشكل أكثر تكرارا مقارنة بالحال مع الإدارات السابقة. كما تدخلت المحاكم في العديد من جهود ترمب الأصيلة للحد من الهجرة غير القانونية، منتقدة الإدارة بشدة في بعض الحالات. وعلى الرغم من نجاح ترمب في تحريك السلطة القضائية تجاه اليمين، يبدو أن القضاة الذين عينهم شخصيا يأخذون وظائفهم على محمل الجد.

الفكرة الأكبر هنا هي أن انتهاكات القواعد لا تنجح دائما؛ فهي تفضح غالبا عيوبا يمكن تصحيحها من خلال العملية الديمقراطية. بعد أن انتهك الرئيس فرانكلين ديلانو روزفلت القاعدة الخاصة بعدم جواز الخدمة لأكثر من ولايتين، جرى تدوين القاعدة في دستور الولايات المتحدة مع التعديل الثاني والعشرين.

حتى عندما تتسبب انتهاكات القواعد في تفككها، فإن هذا ليس بالأمر الضار دائما. ففي العديد من الحالات، كانت القواعد تعكس ممارسات الماضي وتتجاوز الغرض الذي أنشئت من أجله. عندما ننظر إلى الماضي الآن، سندرك أن الرؤساء الذين انتهكوا القواعد كانوا أبعد نظرا أكثر من كونهم رجعيين. في القرن التاسع عشر انتهك الرؤساء القواعد التي كانت تحظر عليهم تنظيم الحملات الانتخابية أثناء وجودهم في منصبهم (وهو ما اعتُـبِـر أمرا غير لائق). وقد تفككت هذه المعايير لأن المفاهيم المبكرة حول حكم النخبة فقدت بريقها وقدرتها على الإقناع في النظام السياسي في حين تعززت المثل الديمقراطية. إن المعايير السياسية، مثلها في ذلك كمثل المعايير الأخلاقية، تكون قوية لأنها على وجه التحديد غير قابلة للتدمير من قِـبَـل قِـلة من الأشخاص البارزين. وعندما تتآكل، فإن هذا يكون راجعا إلى تعارضها مع مبادئ ناشئة أو حقائق سياسية جديدة.

على النقيض من هذا، عملت هجمات ترمب على مراكز القوى المتنافسة في النظام السياسي الأميركي في الغالب على تذكير الناس بالسبب وراء أهمية مراكز القوى هذه في المقام الأول. ويبدو أن ترمب ذاته فهم ذلك، معتبرا أن هجماته كانت مجرد خطابة بلاغية. على حد علمنا، لم يتخذ ترمب إجراءات ملموسة لتقويض الصحافة أو إضعاف المحاكم ــ على سبيل المثال، من خلال إصدار الأمر بإجراء تحقيقات أو ملاحقات قضائية، أو الدفع بتشريعات يمكن أن تعرقل أنشطتها.

كما أنه لم يستخدم فرض القانون أو غير ذلك من الإجراءات الحكومية لمضايقة الديمقراطيين أو غيرهم من المعارضين السياسيين، بقدر ما كان راغبا في ذلك بشدة. بل إن خطابه التحريضي أدى إلى نتائج عكسية ــ حيث كلفه أصواتا مهمة بين الجمهوريين وحفز قدرا هائلا من الإقبال من جانب الديمقراطيين، في حين لم يفعل الكثير لإلحاق الضرر بمن استهدفهم. ويبدو أن ثقة الأميركيين في المؤسسات العامة، وفقا لاستطلاعات جالوب، لم تتراجع على مدار الفترة التي أمضتها إدارة ترمب في السلطة (وإن كان اتجاه هبوطي سبق وجوده في السلطة لفترة طويلة).

ربما كان ترمب يأمل (ولا يزال) أنه يستطيع من خلال مهاجمة الانتخابات التأثير على الساسة والقضاة الجمهوريين وغيرهم لحملهم على قلب النتيجة لصالحه. وربما لو نزل عدد كاف من الناخبين إلى الشوارع، وحَسِـب عدد كاف من المسؤولين أن ترمب الشاكر لجميلهم سيكافئهم بوظائف عاطلة مجزية في المستقبل، فربما كان هؤلاء المسؤولين ليحققوا له مراده. لكن هذا لم يحدث.

السبب الرئيسي وراء عدم حدوث ذلك ــ بصرف النظر عن حقيقة مفادها أن جميع المسؤولين الانتخابيين تقريبا أدوا أدوارهم بنزاهة واستقامة ــ هو أن ترمب ليس رئيسا محبوبا. ونظرا لافتقاره إلى الدعم السياسي للفوز في الانتخابات، فليس من المستغرب أنه كان يفتقر أيضا إلى الدعم السياسي اللازم لقلب النتيجة لصالحه.

سوف يمر وقت طويل قبل أن ينتهي المؤرخون بشكل كامل من تقييم تأثير ترمب على الديمقراطية الدستورية في أميركا. ومن الواضح أن فترة ولايته في المنصب كشفت عن بعض أوجه القصور الخطيرة، ولعل أكثرها أهمية التأثير الضخم بين الناخبين المتطرفين إيديولوجيا في العملية التمهيدية الرئاسية، والدور المفرط الذي يلعبه المال في السياسة. لكن الديمقراطية الأميركية تظل قوية ــ على الأقل في الوقت الحالي.

* إريك بوزنر، الأستاذ في كلية الحقوق بجامعة شيكاغو، ومؤلف كتاب دليل الديماغوجي:
المعركة من أجل الديمقراطية الأمريكية من المؤسسين إلى ترامب.
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1