بقلم: شاشي ثارور

نيودلهي ــ إن مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد-19) ليس التهديد الوحيد الذي عَـبَـرَ حدود الهند هذا العام. فوفقا لتقارير مثيرة للقلق صادرة عن وزارة الدفاع الهندية، نشرت الصين "عددا كبيرا" من القوات عبر خط السيطرة الفعلية المتنازع عليه على طول حدود البلاد عند منطقة جبال الهيمالايا. حتى الآن، وقعت هذه الانتهاكات عند أربع نقاط على أطول حدود في العالم وأكثرها مثارا للجدال، مع ظهور الآلاف من القوات الصينية في سيكيم وفي أجزاء من منطقة لاداخ، شمال شرق وادي كشمير.

لا تنازع أي من الحكومتين حقيقة مفادها أن الجنود الصينيين احتلوا أرضا تعتبرها الهند تابعة لها. على الرغم من حرب قصيرة لكنها دموية في عام 1962، والتي انتهت بإذلال جيش الهند غير المستعد، تمكنت الصين والهند من إدارة طريقة غير مستقرة لكنها قابلة للاستمرار على حدودهما المشتركة طوال ما يقرب من نصف القرن من الزمن. ولم تُـطـلَـق رصاصة واحدة في غضب منذ عام 1976، ويميل كل من البلدين إلى التقليل من شأن تحركات قوات البلد الآخر، مستشهدا بتصورات "مختلفة" حول أين يقع على وجه التحديد خط السيطرة الفعلية ــ الذي لم يتم ترسيمه رسميا قَـط.

نظرا لهذه الظروف المشحونة، يقع ما يقدر بنحو 400 مواجهة كل عام على طول خط السيطرة الفعلية، وسرعان ما يُـنـزَع فتيلها جميعا. لكن هذه المرة مختلفة. فبحسب ما ورد، توغلت القوات الصينية داخل مناطق تعتبرها الصين ذاتها تقليديا على الجانب الهندي من التقسيم. وبدلا من الاكتفاء بالقيام بدوريات، أقامت القوات الصينية وجودا ثابتا (مع خيام معسكرات، وهياكل خرسانية، فضلا عن بناء طريق طوله عدة أميال) وراء "خط المطالبة" الصيني، واحتلت "Finger Heights" بالقرب من بحيرة بانجونج تسو.

من الواضح أن هذه التعديات قوبلت بالمقاومة. ففي الشهر الماضي وحده، وقع اشتباكان بدنيان بين جنود هنود وصينيين، حيث اندلعت مشاجرات أسفرت عن العشرات من الجرحى على الجانبين. ورغم أن الجيشين اشتبكا في مواجهة مماثلة على هضبة دوكلام في بوتان عام 2017، فإن ذلك كان في دولة ثالثة. وهذه المرة، أصبح لدى الهند كل سبب لتفسير غزو الصين على أنه عدوان مباشر.

صحيح أن المواجهة في دوكلام انتهت بنزول القوات الصينية من على الهضبة، كما حدث في واقعة مماثلة في ذات الجزء من لاداخ خلال أول زيارة قام بها الرئيس الصيني شي جين بينج إلى الهند في عام 2014. لكن الصين في عام 2020 أقوى، وأكثر حزما، وأشد حرصا على الإلقاء بكامل ثِـقَـلها في المنطقة، في حقبة جديدة من "الانفصال" الصيني الأميركي. وسوف تكون الصين أقل ميلا إلى الانسحاب من جانب واحد هذه المرة.

علاوة على ذلك، يراقب العالم كل هذا. أعربت تصريحات أخيرة صادرة عن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو وعن روسيا عن قلق متزايد، على الرغم من تصريح مسؤولين صينيين بأن الوضع "مستقر وتحت السيطرة في عموم الأمر".

لكن المشكلة ليست أن الصين تخطط لحرب شاملة أو حملة عسكرية كبرى. بل إنها تستخدم بدلا من ذلك "تكتيكات السجق": توغلات عسكرية طفيفة تلحق بالهند نكسات عسكرية صغيرة النطاق. وفي الأرجح، سوف يحتل الصينيون بضعة كيلومترات مربعة من الأرض لأغراض "دفاعية"، ثم يعلنون السلام. وهذا النهج ليس جديدا، وهو يشكل اختبارا لعزيمة الهند.

لأن حكومة الهند لا تـملك ترف تحمل العدوان الصيني الأخير دون أن تحرك ساكنا، فقد أوردت تقارير أنها تستعد لمواجهة طويلة بالفعل. وبشكل خاص، لا يستطيع نظام "الرجل القوي" القومي الذي أقامه رئيس الوزراء الهندي نارندرا مودي أن يجازف بفقدان ماء الوجه أمام جماهير الهند السريعة الالتهاب. ولكن حتى في ظل حكومة مختلفة، كانت الهند لتجد مصلحة قوية في إثبات أنها ليست خصما ضعيفا أمام المعتدين المحتملين ــ وخاصة باكستان.

من المؤكد أن الصين قد تزعم أنها تعرضت للاستفزاز بسبب قيام الهند بتشييد بنية أساسية على طول خط السيطرة الفعلية. لكن هذه المشاريع واجبة وطال انتظارها. قبل صيفين، قامت لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الهندي (التي كنت أتولى رئاستها في ذلك الوقت) بزيارة إلى المناطق الحدودية ووجدت أن البنية الأساسية هناك غير كافية على الإطلاق. في ذات الوقت، كانت الصين تعمل على بناء طرق صالحة لكل الأحوال، وخطوط سكك حديدية، بل وحتى مطارات على جانبها من خط السيطرة الفعلية. كما تتباهى بتفوقها العسكري التقليدي على الهند، سواء في منطقة خط السيطرة الفعلية أو في عموم الأمر؛ لكن خطوط الإمداد التي يتعين على الهند الحفاظ عليها في التضاريس الجبلية أقصر.

من الواضح أن العلاقة بين الهند والصين شديدة التعقيد. فجراح حرب 1962 لم تلتئم قَط، ومع ذلك تنامت التجارة الثنائية بين البلدين إلى ما يقرب من 100 مليار دولار، وإن كانت لصالح الصين بشكل ساحق. علاوة على ذلك، تستخدم الصين تحالفها مع باكستان لنخس الهند وإلهائها وحصرها داخل مناطقها الفرعية. الواقع أن الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان، والذي يشكل جزءا بالغ الأهمية في مبادرة الحزام والطريق التي أطلقها شي جين بينج، يمتد عبر أجزاء من كشمير التي تحتلها باكستان والتي تعترف حتى الصين بأنها منطقة متنازع عليها.

كما تواصل الصين تكرار مطالباتها بأراض هندية مباشرة، وخاصة ولاية أرونشال براديش الشمالية الشرقية، والتي تصفها بأنها "جنوب التبت". وعلى هذه الخلفية، ينبغي لنا أن نفهم الوقائع كتلك المواجهة الحالية على أنها جزء من استراتيجية أكبر لإبقاء الهند تحت السيطرة.

يدرك محللو السياسة الخارجية الهنود هذه الحقيقة، ويحذرون من أن العمل العدائي الأخير الذي قامت به الصين ينذر بنهاية "الصعود السلمي" الذي أعلنته الصين، لأنه يشير بوضوح إلى تحول في الوضع الراهن القائم منذ فترة طويلة على الحدود. الواقع أن الصين في عهد شي جين بينج، تبدو أكثر استعدادا لإثبات كونها القوة المهيمنة في المنطقة صراحة. ومن خلال اتخاذ موقف خشن على الحدود الهندية، تأمل الصين أن تثبت للعالم، وخاصة الولايات المتحدة، أن ثرثرة دونالد ترمب لا تخيفها، وأن الدول الآسيوية الأخرى يجب أن تخضع للنظام.

في اللحظة الراهنة، أعلن مسؤولون هنود أن محادثات عسكرية رفيعة المستوى مع الصين أسفرت عن التوصل إلى اتفاق يقضي بأن يعمل الجانبان على "حل الموقف في المناطق الحدودية سلميا بما يتماشى مع اتفاقيات ثنائية عديدة". ولكن كما أوضحت هذه المواجهة، فإن كل جانب يحمل فهما مختلفا تماما لما تعنيه هذه الاتفاقيات الثنائية. ويبقى أن نرى ما إذا كانت الصين ستسحب قواتها بالفعل من المناطق المتنازع عليها. يبدو أن الشيطان يكمن في التفاصيل، كما هي الحال دائما.

من الواضح أن الهند والصين في احتياج إلى وضع اللمسات الأخيرة على اتفاقية حدودية دائمة. زعمت الصين لفترة طويلة أنه من الأفضل ترك التسوية الحدودية الرسمية للأجيال القادمة، لكن هذا لأن قوتها الجيوسياسية ــ وبالتالي موقفها التفاوضي ــ تزداد طغيانا مع مرور كل عام. إن الصين تراهن على أنه كلما تأجلت التسوية، ازدادت احتمالات حصولها على الحدود التي تريدها. في غضون ذلك، سوف تستخدم الصين الأعمال العدائية المحدودة على طول خط السيطرة الفعلية للإبقاء على الهند مرتبكة.

* شاشي ثارور، نائب الأمين العام السابق للأمم المتحدة ووزير الدولة لتنمية الموارد البشرية في الهند، يشغل حاليا منصب عضو البرلمان عن المؤتمر الوطني الهندي، كتابه الأخير هو باكس إنديكا: الهند والعالم في القرن 21.
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق