يقول مؤرخ أسترالي مختص في الثورة الفرنسية إننا نعيش في عالم يمور بتحديات تتسم بالتمرد على الأوضاع القائمة في دول تمتد من تشيلي والعراق إلى هونغ كونغ وإقليم كتالونيا في إسبانيا.

ويضيف بيتر مكفي في مقال بموقع "ذا كونفرسيشون" الإلكتروني أن الاحتجاجات التي تعصف بتلك الدول تُعرض في أجهزة الإعلام على أنها مجرد تعبير عن غضب على "النظام"، ويتساءل: كيف يتسنى لنا فهم تلك الانتفاضات؟ هل هي حركات ثورية أم مجرد "فورات" عارمة من الغضب؟ وهل مآلها إلى الفشل؟

سمات الثورة

يقول مكفي "بصفتي مؤرخا للثورة الفرنسية (1789-1799)، كثيرا ما أتأمل مليا في أوجه الشبه بين خمس ثورات عظيمة شهدها العالم الحديث وهي الثورة الإنجليزية (عام 1649) والثورة الأميركية (1776) والثورة الفرنسية (1789) والثورة الروسية (1917) والثورة الصينية (1949)".

ويبقى السؤال المهم اليوم، في نظره، هو ما إذا كانت تلك الاحتجاجات التي نشهدها حاليا ثورية الطابع أيضا.

ومن نموذج الثورة المستمدة من الثورات الخمس العظيمة وأسباب حدوثها ومساراتها، يخلص إلى أن السمات الرئيسية لأي ثورة تشمل أولاً أسباب طويلة الأجل ورواج أيديولوجية سياسية اجتماعية على خلاف مع النظام الحاكم.

وهناك كذلك عوامل محركة على المدى القصير تطلق العنان لاحتجاجات واسعة النطاق، وتحدث مواجهة عنيفة يعجز الممسكون بزمام السلطة عن احتوائها مع انشقاق أفراد من القوات المسلحة وانضمامهم إلى صفوف الثوار.

ويسعى المحتجون لإرساء تحالف عريض مناهض للنخب التي تتنافس على السلطة، وأخيرا يجري إعادة تأسيس نظام جديد في حال نجاح قائد ثوري في توطيد أركان سلطته.

ومن بين أكثر المقاربات تأثيرا لفهم طبيعة وتاريخ حركات الاحتجاج والتمرد الطويل، ما أشار إليه عالم الاجتماع الأميركي تشارلس تيلي في دراساته للتاريخ الأوروبي، وقد حدد سمتين رئيسيتين للاحتجاجات.

تتمثل السمة الأولى في أن أشكال الاحتجاجات تتغير عبر الوقت باعتبارها نتاج تغيرات أوسع في الهياكل الاقتصادية والسياسية. فأحداث الشغب بسبب نقص الغذاء التي اندلعت في مجتمع ما قبل الثورة الصناعية، مثلا، حلت محلها الإضرابات والمظاهرات السياسية في العالم الحديث.

أما السمة الثانية -بحسب تيلي- فهي أن الاحتجاجات الجماعية، سواء كانت سلمية أو عنيفة، تتميز بطابعها المستمر ولا تقتصر على سنوات محددة كما كانت الحال في ثورتي فرنسا وروسيا عامي 1789 و1917 على التوالي.

فالاحتجاجات من هذا النوع تكون تعبيرا مستمرا عن صراع بين متنافسين على السلطة، وهي جزء من النسيج التاريخي لكل المجتمعات.

الاحتجاج والثورة

لكن هناك ما يمنع تحوّل الاحتجاجات الحالية والمتنامية إلى ثورة، فالسمات أعلاه تشي بأن الانتفاضات التي يشهدها عالمنا المعاصر لا تُعتبر ثورات أو لا يمكن نعتها كذلك بعد.

لكن الحركة الاحتجاجية التي يمكن أن تصبح على الأرجح ثورية هي تلك التي تعصف بالعراق، حيث أظهر النظام الحاكم استعدادا لقتل مواطنيه (أكثر من 300 في أكتوبر/تشرين الأول الماضي وحده).

وتستشيط الشعوب غضبا على الأنظمة في أغلب الأحيان، أكثر من تمردها عليها، ونادرا ما تتحول حركات العصيان إلى ثورات. وهذا ما يتطلب التفريق بين الثورات الكبرى التي تحدث تغييرا في الهياكل الاجتماعية والسياسية، والانقلابات العسكرية وأشكال الاحتجاجات الشائعة على قضايا بعينها.

ومثال على ذلك المظاهرات الحاشدة والعنيفة التي تكللت بالنجاح في نهاية الأمر في الإكوادور الشهر المنصرم حيث أرغمت الحكومة على إلغاء خطتها للتقشف.

إن كل الثورات الناجحة -برأي بيتر مكفي- تتميز بتحالفات عريضة في بداياتها، بينما تلتحم شرائح اجتماعية تعاني من مظالم عميقة الجذور مع المعارضة ضد النظام القائم.

وتفشل الاحتجاجات الجماهيرية أيضا عندما تعجز عن توحيد صفوفها تجاه أهدافها الجوهرية. ولم يتحقق الكثير من أحلام انتفاضات الربيع العربي، وباستثناء وحيد في تونس، أخفقت تلك الحركات في أن تحقيق التغيير المنشود.

وما لبث أن انزلقت التحالفات الثورية إلى مستنقع الحرب الأهلية كما حدث في ليبيا، أو لم تنجح في تحييد الجيش كما هي الحال في مصر وسوريا.

لماذا كل هذا الغضب؟

لعل من المهم لفهم مشاعر الغضب التي تعتمل في نفوس الجماهير حاليا معرفة عجز المؤسسات الديمقراطية عن تحقيق مبادئ الديمقراطية البرلمانية. والمقصود هو الغضب الجماهيري إزاء ما تمخضت عنه ذروة الإصلاحات الديمقراطية حول العالم في تسعينيات القرن الماضي من مآلات اجتماعية متفاوتة، وتزامنها مع عولمة اقتصادية مغرية لكنها خادعة.

ثمة تجلٍّ واحد لهذا الغضب تمثل في ظاهرة الخوف من الأجانب التي استغلها بحنكة سياسيون شعبويون، أشهرهم على الإطلاق الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ومن بينهم أيضا الرئيس البرازيلي يائير بولسونارو ونظيره الفلبيني رودريغو دوتيرتي ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان.

وهناك من يزعم أن الليبرالية الغربية قد انتهت إلى فشل هي الأخرى.

بيد أن الغضب يتباين في سماته من منطقة إلى أخرى. ففي الاحتجاجات الممتدة من لبنان إلى العراق، ومن زيمبابوي حتى تشيلي، يتجه سخط الشعوب صوب الفساد المستشري في تلك الدول، بينما تستخف النخب بالمعايير الأساسية للشفافية والعدل لتنهب أموال الدولة لصالحها وصالح المقربين منها.

الاقتصاد والسياسة

ويشمل السياق الأوسع للاحتجاجات الحالية الانسحاب الأحادي للولايات المتحدة من الارتباطات الدولية لتتيح بذلك فرصا جديدة لاثنتين من القوى العظمى "المستبدة" هما روسيا والصين اللتان تحلمان بتأسيس إمبراطوريتين جديدتين، على حد تعبير بيتر مكفي.

وهناك الأمم المتحدة التي تتخبط في محاولاتها لإرساء قيادة بديلة عبر نظام دولي تحكمه قواعد محددة.

وتلعب حالة الاقتصاد العالمي دورا كذلك. ففي المناطق التي يعاني فيها النمو الاقتصادي من الركود، تكون الزيادات الطفيفة بالأسعار عاملا مثيرا للجماهير أكثر من مكونها مجرد منغصات. ذلك أنها ما تلبث أن تتحول إلى احتجاجات مثل قضية الضرائب التي فرضها لبنان على الاتصالات الصوتية للواتساب، وزيادة أسعار تذاكر المترو في تشيلي.

ولا ندري بطبيعة الحال كيف ستنتهي تلك الحركات الاحتجاجية. ورغم أنه من غير المرجح أن تسفر أي من تلك الاحتجاجات عن تغيير ثوري، فإننا نشهد بوضوح انتفاضات في القرن الحادي والعشرين تتميز بخصائص جديدة لا سبيل لإنكارها.

https://www.aljazeera.net

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

5