بقلم: مايكل يونغ

تخلّى دونالد ترامب، بإهماله الديمقراطية، عن أداة أميركية قيّمة في السياسة الخارجية.

مطلع نيسان/أبريل، استضاف الرئيس دونالد ترامب نظيره المصري عبد الفتاح السيسي في البيت الأبيض، وأغدق عليه بالمديح قائلاً، "أعتقد أنه يقوم بعمل رائع... أستطيع فقط أن أقول لكم إنه يقوم بعمل رائع. إنه رئيس عظيم".

هذه الزيارة جاءت في وقت يعدّ فيه السيسي استفتاءً دستورياً من شأنه تعزيز نظامه وإقامة نظام أكثر استبداداً حتى. سيعزّز الاستفتاء، الذي تمّ إقراره في 23 نيسان/أبريل، دور الجيش، ويقوّي السلطة التنفيذية على حساب القضاء، ويمدّد ولاية الرئيس لست سنوات، ويترك على الأرجح السيسي في سدّة الرئاسة لغاية العام 2030. كما سيعيد إحياء مجلس الشيوخ، على أن يعيّن الرئيس ثلث أعضائه. غير أن كل تلك التعديلات كانت تافهة بالنسبة إلى ترامب الذي لايكترث للدمقرطة في الشرق الأوسط. وكان ترحيبه بالسيسي بمثابة تأييد ضمني لأهداف الاستفتاء.

لو كان ثمة أي شكوك حول سلوك ترامب، فقد بدّدها بعد بضعة أيام عندما قوّض وزير خارجيته مايك بومبيو بشأن ليبيا. فقد دعم ترامب جداً هجوم المشير خليفة حفتر الذي يسعى حالياً إلى السيطرة على طرابلس وإطاحة حكومة رئيس الوزراء فايز السراج المعترف بها دولياً. ويُعتبر حفتر شخصية استبدادية يرغب في إعادة فرض نظام قمعي على ليبيا. وعلى رغم أن بومبيو أكّد معارضة الولايات المتحدة للهجوم في 7 نيسان/أبريل، نسف ترامب هذا التصريح، حين اتّصل لاحقاً بحفتر للثناء على جهوده في مكافحة الإرهاب و"ضمان أمن موارد ليبيا النفطية".

تجدر الملاحظة هنا أن ترامب لم يلتقِ قط بديكتاتور لا يستلطفه. فكلما ازداد نير الطغاة، كلما تحدّث عنهم بحفاوة أكبر. غير أن تدهور القيم الديمقراطية في السياسة الخارجية الأميركية بدأ فعلياً مع باراك أوباما، الذي كان على القدر نفسه من اللامبالاة إزاء التطلعات الديمقراطية، ولاسيما في الشرق الأوسط. فقد تعاطى أوباما ببرود مع التظاهرات في إيران في العام 2009، قائلاً إنه سيقيم حواراً مع طهران ومضيفاً أن "تدخّل" الولايات المتحدة في البلاد سيخلّف نتائج عكسية. وعوضاً عن اعتبار الانتفاضات العربية فرصةً لدعم المجتمعات الساعية إلى الحرية، كان أوباما حذراً ومراوغاً، فترك الشعب السوري لمصيره المروّع، بينما تقرّب من إيران مستخدماً الاتفاق النووي للقيام بذلك.

لطالما كان دعم واشنطن للديمقراطية تمريناً متواصلاً في النفاق. فلعقود من الزمن، تحدثت الإدارات الأميركية لفظياً عن الحكومة التمثيلية وسيادة القانون، بينما واصلت دعم الأنظمة التي كانت غير ديمقراطية وفاسدة ولا تطبّق القوانين. في هذا الصدد، قد يدافع البعض عن سلوك ترامب باعتباره تعبيراً أصدق حول كيفية سير الأمور فعلياً. فعوضاً عن المراوغة بالتحدث عن الديمقراطية، تناول الرئيس المسألة كما كان أي شخص سياسي واقعي ليفعل، مُعتبراً أن العالم مؤلف من مجموعة من الأوغاد، "لكن على الأقل بعضهم أوغاد تابعون لنا".

بيد أن التخلي من دون تردّد عن الأفكار الديمقراطية في السياسة الخارجية سيكون خطيئة. فلطالما كانت الديمقراطية ضرورية لنظرة أميركا إلى ذاتها وإلى سلوكها في العالم – ما يستبطن عملياً حسّ الفرادة الأميركية. قد يسخر البعض من النظرة المثالية التي لدى العديد من الأميركيين إزاء بلدهم، وبخاصةٍ الذين كانوا ضحايا الولايات المتحدة. لكن ذلك لايقلّل من نفوذ هذه النظرة باعتبارها أداة للسياسة الخارجية.

خلال الشطر الأكبر من القرن العشرين، مزجت الإدارات الأميركية سياسة القوة بالمثالية الويلسونية – أي تطبيق السياسة الخارجية وفق معايير أخلاقية كان الرئيس وودرو ويلسون أول من أعلن عنها. وفي حين أن هذا النهج لم يجعل العالم أكثر ديمقراطيةً بكثير، إلا أنه أضاف بعداً قيماً إلى قرارات السياسة الأميركية يمكن استخدامه ضدّ الخصوم الخارجيين، وعزّز في الوقت نفسه الدعم المحلي لخيارات السياسة الخارجية.

على سبيل المثال، ما كانت عقود من النفقات العسكرية خلال الحرب الباردة لتستمر من دون اعتبار الأميركيين أنهم يشاركون في حرب مبررة أخلاقياً ضد الشيوعية. وعلى نحو مماثل، بُنيت أكثر التحالفات الدائمة التي أقامتها أميركا بعد الحرب العالمية الثانية حول مبادئ عامة للديمقراطية والقيم الإنسانية، على رغم تعاون الولايات المتحدة مع أنظمة استبدادية مقيتة. وقد منح هذا الغموض الولايات المتحدة هويات متعددة على صعيد السياسة الخارجية أبدعت في استغلالها لصالحها.

لكن ترامب اختار سياسة خارجية قائمة كلياً على علاقات القوة. وتكمن المشكلة هنا في أنه في وقت تبنت فيه الولايات المتحدة هذا النهج، دفعت بآخرين إلى إقامة تحالفات أو علاقات مصلحة لموازنة الأفعال الأميركية. ولهذا السبب، يتفق الأوروبيون مع روسيا والصين على محاولة إنقاذ الاتفاق النووي المبرم مع إيران. فهم يبدون ردّ فعل إزاء انسحاب ترامب الأحادي من اتفاق دولي مصدّق بموجب قرار صادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، من دون استشارة حلفائه. وسواء كان ترامب على خطأ أو على صواب، فهذا أمر خارج عن الموضوع. إذ من خلال ممارسة لعبة القوة، يتعيّن على الولايات المتحدة الآن ضمان قدرتها على الانتصار، وبطريقة لاتلحق ضرراً دائماً بعلاقاتها الثنائية.

هذا وتشير مقاربة القطع والحرق التي ينتهجها الرئيس الأميركي، إلى أنه غير مبالٍ على نحو خاص بتبعات أفعاله. لا بدّ أنه يتصوّر أن القوة ستفرض دوماً منطقه الخاص، مرغماً الآخرين على اتباع خطاه. قد لا يكون ترامب مخطئاً بالضرورة. لكن عند إطلاله على شؤون الشرق الأوسط، قد تكون المقاربة الأكثر عقلانية هي الإدراك أنه من المستبعد كثيراً أن يساهم تمكين الأنظمة الديكتاتورية في تعزيز المصالح الأميركية، كما أنه لا يقدّم أي ضمانات للاستقرار.

مما لا شكّ فيه أن ترامب لم يكترث كثيراً لما حصل في العام 2011، حين أوقف العرب في كل مكان العمل بالعقود الاجتماعية الاستبدادية. فهم لم يعودوا مستعدين لمنح قادتهم سلطة واسعة مقابل أن تُمسك الدولة بيدهم وتمنحهم حصة صغيرة من كعكة الثروة الوطنية. وقد استؤنفت هذه النزعة الثورية مؤخراً في أماكن على غرار الجزائر والسودان، وقد تطال دولاً أخرى في المنطقة. وبينما يصطف الطغاة إلى جانب بعضهم البعض، لايقوم ترامب سوى بمد يد العون إليهم من خلال التخلي عن أقوى سلاحين لدى أميركا – الديمقراطية وسيادة القانون – حتى قبل اندلاع معارك جديدة.

هل يفاجئنا هذا الأمر؟ معظم الرؤساء الأميركيين هم في صُلب الاهتمام الدولي لأنه يمكنهم تحديد معالم الأجندة الديمقراطية العالمية. أوباما فشل في هذا المضمار ودفع الكثير من المدنيين السوريين الأبرياء الثمن. وترامب حتى أسوأ منه بكثير. فإذا قرر في يوم ما إيلاء بعض الاهتمام لما يحصل خارج بلده الغارق في مشاكله الداخلية، سيدرك طبيعة نفوذ أميركا الحقيقي؛ وهو نفوذ يتخطى التهديدات للتأثير على المعايير والسلوك الدوليين. لكنه بتجاهله هذا الأمر، يضعف القوة الأميركية.

https://carnegie-mec.org

...........................

* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق
محمد
العراق
المقال عندما يذكر اسماء الدول المستبدة يستثني اسماء دول الخليج مثل السعودية و البحرين والامارات و هذا ان المقال مدفوع الثمن2019-05-02

مواضيع ذات صلة

0