جوزيف ناي

كامبريدج- يبدو أن الرئيس شي جين بين يحقق إنجازات ناجحة. إذ أرسل صاروخا نحو الجهة المظلمة من القمر، وبنى جزرا اصطناعية على سلسلة صخور متنازع عليها في بحر الصين الجنوبي، وأغرَت في الآونة الأخيرة إيطاليا حتى تقطع علاقات التعاون مع شركاءها الأوروبيين، وتوقع مبادرة حزام واحد طريق واحد. وفي غضون كل هذا، أدى الموقف الأحادي الجانب للرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى تراجع القوة الناعمة للولايات المتحدة الأمريكية وتأثيرها.

لقد كانت الإنجازات الاقتصادية للصين خلال العقود الأربعة الأخيرة مدهشا بالفعل. وأصبحت الصين الآن الشريك التجاري الرئيسي لما يزيد عن مائة بلد مقارنة مع الولايات المتحدة الأمريكية التي لها نصف هذا العدد. فقد تباطأ نموها الاقتصادي، لكن معدلها السنوي الرسمي الذي يصل إلى 6% يساوي أكثر من ضعف معدل الولايات المتحدة الأمريكية. ووفقا لما تقوله الآراء السائدة، يُتوقع أن يتجاوز اقتصاد الصين اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية في العشر سنوات القادمة.

ربما قد يكون هذا ممكنا، لكن قد يكون لشي نقاط ضعف خفية أيضا.

لا أحد يدري ما يخبئه مستقبل الصين، وهناك تاريخ طويل للتوقعات الخاطئة بانهيار منهجي أو ركود. ومع أنني أستبعد حدوث كلا الحالتين، أظن أن الآراء السائدة تبالغ في تقييمها لقوة الصين. ويرى الغربيون انقسامات واستقطابات في نظامهم الديمقراطي، لكن جهود الصين الناجحة في إخفاء مشاكلها لن تنهي هذه الأخيرة. ويصف علماء الحضارة الصينية الذين لهم دراية أكبر بالموضوع على الأقل خمسة مشاكل كبرى طويلة الأمد تواجهها الصين.

أولا، هناك العامل الديمغرافي غير الإيجابي للصين. إذ وصلت القوة العالمة إلى أعلى مستوياتها في عام 2015، وتجاوزت مرحلة الأرباح السهلة من التحضر. فضلا عن أن الساكنة تشيخ، وستواجه الصين ارتفاعا كبيرا للتكاليف الصحية، وهي ليست على استعداد لذلك. وسيضع هذا عبئا كبيرا على الاقتصاد وسيزيد من عدم التكافؤ في النمو.

ثانيا، ينبغي على الصين تغيير نموذجها الاقتصادي. إذ في عام 1978، حول تشياوبينغ بحكمة الصين من اكتفاء ذاتي ماوي إلى نموذج نمو شرق آسيوي يعتمد على الصادرات، وكانت اليابان وتايوان البلدين السباقين في اعتماد هذا النموذج بنجاح. إلا أن هذا النموذج بالإضافة إلى تسامح الحكومات التي تفسح المجال لنجاحه، لا يلائمان الصين اليوم. فمثلا، يركز الممثل التجاري للولايات المتحدة الأمريكية روبيرت لايثايزر على غياب التبادلية، وغياب دعم الشركات التابعة للدولة، والتحويل الإجباري للملكية الفكرية التي سمحت للصين بتحويل ساحة المنافسة لصالحها. ويشتكي الأوروبيون أيضا من هذه المشاكل. وتعيق سياسات الملكية الفكرية للصين واختلالات سيادة القانون الاستثمار الخارجي وتدفع مقابل ذلك الدعم السياسي الدولي الذي غالبا ما تجلبه هذه الاستثمارات. ويخفي ارتفاع معدلات استثمارات الحكومة في الصين ومعدلات دعمها للشركات التابعة للدولة عجزا في توزيع رأس المال.

ثالثا، بينما اختارت الصين لما يزيد عن ثلاثة عقود من الزمن إحداث إصلاحات سهلة نسبيا، تحتاج اليوم لإحداث تغييرات أكثر صعوبة: نظام قضائي مستقل، وعقلنة الشركات التابعة للدولة والقضاء على نظام هوكو فيما يخص التسجيل السكني، الذي يقيد التنقل ويؤدي إلى اللامساواة. فضلا عن أن شي أسقط الإصلاحات السياسية التي قام بها دينغ من أجل الفصل بين الحزب والدولة.

ويحيلنا هذا إلى المشكل الرابع. إن ما يثير السخرية هو أن الصين أصبحت ضحية لنجاحها. إذ لاءم النموذج اللينيني الذي فرضه ماو في عام 1949 التقاليد الإمبريالية الصينية جيدا، لكن التقدم الاقتصادي السريع غير الصين واحتياجاتها السياسية. فقد أصبحت الصين مجتمعا حضريا للطبقة الوسطى، لكن النخبة الحاكمة تظل حبيسة تفكير سياسي يدور في حلقة مفرغة. إذ تعتقد أن وحده الحزب الشيوعي قادر على إنقاذ الصين ومن هنا، يجب أن يعَزِّز أي إصلاح احتكار الحزب للسلطة.

لكن هذا بالضبط ما لا تحتاجه الصين. إذ تعارض نخبة الأحزاب التي تحقق ثروات هائلة من النظام القائم الإصلاحات البنيوية العميقة التي قد تؤدي إلى استغناء الصين عن اعتمادها على مستويات مرتفعة من الاستثمارات الحكومية والشركات التابعة للدولة. ولن تستطيع حملة شي لمكافحة الفساد التصدي لهذه المقاومة؛ بل ليست إلا مبادرة مُحبِطة. وخلال زيارة قمت بها مؤخرا إلى بيجين، أخبرني خبير اقتصادي صيني أن حملة شي تكلف الصين 1% من الناتج المحلي الإجمالي كل عام. وأخبرني رجل أعمال صيني أن معدل النمو الحقيقي أقل من نصف الرقم المعلن عنه رسميا. وربما قد يكون هذا متناقضا مع ديناميكية القطاع الخاص، لكن حتى في هذا القطاع، أدى الخوف من فقدان السيطرة على تعزيز دور الحزب.

ويكمن المشكل الأخير في تراجع القوة الناعمة للصين. إذ أعلن شي عن "الحلم الصيني" المتمثل في الرجوع إلى العظمة العالمية. ومع تباطؤ النمو الاقتصادي وتزايد المشاكل الاجتماعية، ستعتمد شرعية الحزب على مثل هذه الإغراءات القومية. وخلال العقد الماضي، أنفقت الصين المليارات من الدولارات لتزيد من جاذبيتها للدول الأخرى، لكن استطلاعات الرأي العام الدولي تظهر أن الصين لم تحقق أرباحا مقابل استثماراتها. فضلا عن أن قمع الأقليات العرقية المثيرة للمشاكل، وسجن محامي حقوق الإنسان وخلق دولة مراقبة، وإبعاد الأفراد المبدعين عن المجتمع المدني مثل الفنان المعروف آي ويوي، يحد من جاذبية الصين في أوروبا وأستراليا والولايات المتحدة الأمريكية.

وقد لا تضر هذه السياسات بسمعة الصين في بعض الدول الديكتاتورية، لكن إيديولوجية الديكتاتورية الحديثة لا تشبه إيديولوجية الشيوعية. وقبل عشرات السنين، كان الثوريون الشباب حول العالم متأثرين بدروس ماو. واليوم، بصرف النظر عن أن فكرة "شي جين بين بشأن الاشتراكية مع الميزات الصينية" احتفظت بقدسيتها داخل دستور الحزب، قليل جدا من الشباب في الدول الأخرى يحمل هذا الشعار.

إن للصين مكامن قوة هائلة، لكن لديها نقاط ضعف كبيرة أيضا. وينبغي كذلك أن تتفادى الاستراتيجية الأمريكية المبالغة. وستزداد الصين أهمية، وستصبح العلاقة الصينية الأمريكية منافسة تعاونية. ويجب أن لا ننسى أي جزء من هذا الوصف. وليس محتملا أن تتجاوز أي دولة، بما في ذلك الصين، قوة الولايات المتحدة الأمريكية على جميع المستويات في العقد أو العقدين المقبلين، لكن على الولايات المتحدة الأمريكية أن تتعلم تقاسم القوة عندما تتقوى الصين وغيرها من الدول. وإذا حافظت الولايات المتحدة الأمريكية على حلفائها الدوليين ومؤسساتها المحلية، فستكون لديها ميزة نسبية.

* جوزيف ناي، سكرتير مساعد وزير الدفاع السابق، وأستاذ في جامعة هارفارد، مؤلف كتاب القوة الناعمة وكتاب مستقبل القوة وكتاب هل انتهى القرن الأميركي؟ و"هل الأخلاق مهمة القادمة"؟ الرؤساء والسياسة الخارجية من روزفلت إلى ترامب.
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0