كمال درويش/كارولين كونروي

واشنطن، العاصمة ــ تهدد الانتفاضات الشعبية في مختلف أنحاء فرنسا بتحطيم الآمال التي علقها كثيرون على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بعد انتخابه في مايو/أيار 2017. فبعد نجاح حزبه "الجمهورية إلى الأمام!" في الحصول على أغلبية برلمانية مطلقة، وَعَد ماكرون بملاحقة إصلاحات صعبة ليس في فرنسا فحسب بل وأيضا داخل الاتحاد الأوروبي. لكنه الآن يواجه أعظم أزمة خلال فترة رئاسته.

كانت إعادة تجديد نشاط الاتحاد الأوروبي تعتمد لفترة طويلة على قائد فرنسي قادر على إصلاح الاقتصاد بالكامل. وقبل ضريبة الوقود المقترحة التي دفعت بحركة السترات الصفراء إلى الشوارع في الشهر الفائت، تمكن ماكرون من التغلب على المعارضة لسلسلة من إصلاحات سوق العمل. على الرغم من الصعوبات السياسية، كانت الإصلاحات ضرورية لخفض عجز الموازنة إلى ما دون 3% من الناتج المحلي الإجمالي بما يتفق مع قواعد الاتحاد الأوروبي، وتحديث نظام الضمان الاجتماعي الفرنسي السخي في مواجهة تكنولوجيات جديدة معطلة للنظم القائمة.

كما زعمت (أنا كمال درويش) في مايو/أيار، فإن جذور يمين الوسط ويسار الوسط التقليدين تمتد عميقا في الحياة السياسية الأوروبية إلى الحد الذي يجعل من المستحيل أن تتمكن حركة سياسية صاعدة مثل حزب ماكرون من محوهما. وعلى هذا، لكي يتمكن ماكرون من الاحتفاظ بشعبيته، فيتعين عليه أن يتعاون مع، أو يضم على نحو أو آخر، إما يمين الوسط أو يسار الوسط.

في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية في عام 2017، صوت ثلثا الناخبين المنتمين إلى يسار الوسط في فرنسا لصالح ماكرون. ومع ذلك، وجد ماكرون طريقين مفتوحين أمامه عندما تولى منصبه. كان الأول يتلخص في تبني أجندة يمين الوسط وملاحقة سياسات سوق العمل، والضرائب، والاستثمار التي من شأنها أن تعمل على "تكييف" فرنسا مع العولمة "الرأسمالية". ومن المدهش بعض الشيء أن هذا كان الطريق الذي اختاره في مستهل الأمر، وسرعان ما حظي بحب الصحافة الدولية الموالية للمال والأعمال.

كان الطريق الثاني ليتطلب أن يعمل ماكرون على البناء على مفهوم قائم بالفعل ولكنه غامض حول أممية اليسار. وفي الممارسة العملية، كان هذا ليعني ملاحقة سياسات ترمي إلى مساعدة أبناء الطبقة المتوسطة، مع العمل في الوقت ذاته على تحديث برنامج يسار الوسط المتقادم بحيث يعبر عن التأثيرات التي تخلفها التكنولوجيات ونماذج العمل المعطلة للنظم القائمة. وكما زعم رجل الاقتصاد داني رودريك لفترة طويلة، فإن المزيد من العولمة يتطلب دولة أكبر حجما، حتى يتسنى لها تعويض المزاحين بفِعل التجارة الحرة، وتحرير حسابات رأس المال، وما إلى ذلك. وفي غياب التعويض، لا أحد يستطيع أن يضمن احتفاظ العولمة بقبول شعبي عريض.

هذا لا يعني أن فرنسا تستطيع أن تستغني عن إصلاحات يسار الوسط. فالميزانية تشكل أهمية كبيرة بكل تأكيد، وسوف يتطلب الحد من التأثيرات دائما اتخاذ قرارات تفتقر إلى الشعبية بخفض الإنفاق وزيادة الضرائب. على نحو مماثل، تميل سوق العمل الفرنسية إلى توجيه الفائدة إلى المطلعين من الداخل، وبالتالي زيادة الصعوبة التي يواجهها الجميع غيرهم في محاولة البحث عن وظيفة. وكانت شبكة السكك الحديدية المملوكة للدولة في حاجة ماسة إلى الإصلاح. وفي أول عام ونصف العام له في المنصب، بدأ ماكرون يعالج هذه المشكلات، وتمكن من تقديم ميزانية تتماشى مع قواعد العجز في الاتحاد الأوروبي.

المشكلة هي أن ماكرون تخلى عن جمهوره الانتخابي الأساسي من يسار الوسط في ملاحقته لهذه الإصلاحات. وخطوة تلو الأخرى، بدا الأمر وكأن إصلاحاته تعود بالفائدة بشكل ثابت على الأغنياء. وعلى هذا فعندما أُعلِن أن حكومته تعتزم زيادة الضريبة على وقود الديزل، نزل مستخدمو وسائل النقل العام من الطبقتين المتوسطة والعاملة إلى الشوارع. ومع استطلاعات الرأي التي أظهرت أن نحو 70% من الفرنسيين يؤيدون المحتجين المنتمين إلى حركة السترات الصفراء، اضطر ماكرون إلى التراجع.

تُرى هل كان هناك بديل ناضج أقرب إلى يسار الوسط ربما يتبناه ماكرون بدلا من ذلك؟ الإجابة القصيرة هي كلا. الواقع أن الإصلاحيين المعنيين في المقام الأول بالتفاوت في الدخل والثروة، والاستدامة البيئية، والديمقراطية ما انفكوا يحاولون التعرف على الهيئة التي ينبغي أن يكون عليها نهج يسار الوسط في التعامل مع العولمة. وعلى النقيض من النيوليبرالية، التي تتسم بوضوح وصفاتها السياسية، لابد ن يقدم نهج يسار الوسط عقدا اجتماعيا جديدا بالكامل لمعالجة آثار الارتباك الناجم عن التكنولوجيات الجديدة، وتعمق العولمة، وتغير المناخ.

الأمر الأكثر أهمية أن اليسار لابد أن يفهم أنه لن يتمكن من كسب هذه المعركة بالتركيز على صنع السياسات المحلية وحدها. فالإبداعات التكنولوجية والشبكات العالمية التي تسهل انتشارها من غير الممكن عكس اتجاهها أو تفكيكها؛ في أفضل الأحوال ربما يمكن العمل على إبطائها. لكن أولئك الذين يقاومون التغيير سوف تنتهي بهم الحال إلى خسارة القدرة التنافسية في اقتصاد المستقبل. وعلى هذا فإن الاختيار الحقيقي الوحيد هو المضي قدما إلى الأمام، ولكن أيضا في ظل إصلاحات الرعاية الاجتماعية اللازمة لحماية كل مواطن وتعويض الخاسرين. لابد أيضا من إتاحة الموارد الكافية لتسهيل التعلم واتخاذ مهن جديدة.

غني عن القول، إن عقدا اجتماعيا جديدا ينتمي إلى يسار الوسط سوف يتطلب موارد عامة كبيرة، فضلا عن ضرورة نشره بحكمة، من قِبَل حكومات محلية غالبا. من ناحية أخرى، سوف تضطر الحكومات إلى التعاون من أجل منع الابتزاز الدولي في هيئة تحكيم ضريبي وتنظيمي. الحق أن العولمة غير المنظمة تشجع رأس المال وأصحاب الدخول المرتفعة على التدفق إلى المناطق حيث الضرائب منخفضة، مما يحرم الحكومات من الإيرادات اللازمة للحفاظ على أنظمة الضمان الاجتماعي. وما يدعو إلى التفاؤل أن مجموعة العشرين بدأت تدرك هذه الحقيقة بوصفها مشكلة. لكن الطريق لا يزال طويلا للتوصل إلى تكييف الأنظمة الضريبية، والرعاية الصحية، والتعليم مع اقتصاد عالمي حيث تعمل شركات التكنولوجيا العملاقة على تطوير أشكال جديدة للسلطة الاحتكارية.

وتتطلب هذه الجهود قدرا كبيرا من الفِكر الجديد. فمن جانبهم، يتعين على قادة يسار الوسط أن يشرعوا في استكشاف أفكار جديدة لبرامج حكم جذرية جديدة ومبدعة على المستويين الوطني والدولي. ويجدر بهم أن يطلعوا على كتاب المؤرخ يوفال نوح الجديد بعنوان "21 درسا للقرن الحادي والعشرين" والذي يقدم خطة للتصدي للتحديات الجمعية مثل تغير المناخ والانتشار النووي.

إن العالم يمر بثورة تكنولوجية يمكنها أن تفيد الناس جميعا. لكن قسما كبيرا من الأمر يتوقف على توفر الزعامة اللازمة لإدارة الارتباكات والانقطاعات المقبلة. والبديل هو المجازفة بالانزلاق إلى نسخ مستحدثة من الكوارث السياسية والحروب العالمية من زمن القرن العشرين. وفي كلتا الحالتين، يُعَد ماكرون هو الرائد، لأن ما يحدث في فرنسا لن يبقى في فرنسا.

* كمال درويش، وزير سابق للشؤون الاقتصادية في تركيا والمدير السابق لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، هو نائب رئيس مؤسسة بروكينغز/كارولين كونروي، محللة أبحاث أقدم في معهد بروكينغز
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1