هانز فيرنر سن

 

ميونيخ ــ لقد تسبب اليورو في جلب أزمة ميزان المدفوعات إلى أوروبا، تماماً كما فعل معيار الذهب في عشرينيات القرن الماضي. في الواقع، هناك فارق واحد بين الحالتين: ففي أزمة اليوم كانت حِزَم الإنقاذ الدولية الضخمة متاحة.

وقد ساعدت حزم الإنقاذ في تخفيف الضائقة المالية في منطقة اليورو، ولكن بتكلفة باهظة. فهي لم تمكن المستثمرين من التملص من تحمل تكاليف قراراتها السيئة فحسب؛ بل إنها أيضاً أعطت الفرصة لبلدان جنوب أوروبا المبالَغ في تسعيرها لتأجيل الخفض الحقيقي في هيئة خفض الأسعار النسبية للسلع. وهو أمر ضروري لاستعادة القدرة التنافسية التي دُمِّرَت في سنوات اليورو الأولى، عندما تسبب في التضخم المفرط.

وبالنسبة لبلدان مثل اليونان والبرتغال وأسبانيا، سوف تتطلب استعادة القدرة التنافسية خفض أسعار منتجاتها نسبة إلى بقية منطقة اليورو بنحو 30%، مقارنة ببداية الأزمة. وربما تحتاج إيطاليا إلى خفض أسعارها النسبية بنحو 10% إلى 15%. ولكن البرتغال وإيطاليا فشلتا حتى الآن في تحقيق أي "خفض حقيقي للقيمة" من هذا النوع، في حين انخفضت الأسعار النسبية في اليونان وأسبانيا بنسبة 8% و6% فقط على التوالي.

وما ينم عن كثير أن أيرلندا وحدها من بين كل البلدان التي ضربتها الأزمة تمكنت من تخطي الأزمة. والسبب واضح: فقد انفجرت فقاعتها بالفعل في نهاية عام 2006، قبل أن تصبح أي أموال إنقاذ متاحة. وكانت أيرلندا تتدبر أمورها وحدها، لذا فهي لم تجد أي خيار غير تنفيذ تدابير التقشف على نطاق واسع، فخفضت أسعار منتجاتها نسبة إلى بلدان منطقة اليورو الأخرى بنحو 13% من الذروة إلى القاع. واليوم ينخفض معدل البطالة في أيرلندا بشكل كبير، ويشهد قطاع التصنيع لديها ازدهاراً واضحا.

بالأرقام النسبية، تلقت اليونان أغلب أموال الإنقاذ الأوروبية وأظهرت أكبر زيادة في البطالة. كما زادت القروض الرسمية الممنوحة لها من قِبَل البنك المركزي الأوروبي والمجتمع الدولي بما يتجاوز ستة أضعاف خلال السنوات الخمس الأخيرة، من 35 مليار يورو (58 مليار دولار أميركي) في فبراير/شباط 2010 إلى 324 مليار يورو، أو نحو 181% من الناتج المحلي الإجمالي الآن. ورغم هذا فإن معدل البطالة ارتفع بما يزيد على الضعف من 11% إلى 26%.

هناك أربع استجابات اقتصادية وسياسية محتملة لهذا الوضع. أولا، من الممكن أن تتحول أوروبا إلى اتحاد تحويل، حيث يعطي الشمال المزيد والمزيد من الائتمان للجنوب ثم يتنازل عنه لاحقا. وثانيا، من الممكن أن ينكمش الجنوب. وثالثا، من الممكن أن يتضخم الشمال. ورابعا، من الممكن أن تخرج البلدان التي لم تعد قادرة على المنافسة من الاتحاد النقدي الأوروبي ثم تخفض قيمة عملاتها الخاصة.

ويرتبط كل من هذه المسارات بعواقب خطيرة. فالأول يخلق الاعتماد الدائم على التحويلات، والتي من خلال دعم الأسعار النسبية تمنع الاقتصاد من استعادة القدرة التنافسية. والمسار الثاني يدفع العديد من المدينين في البلدان التي ضربتها الأزمة إلى الإفلاس. والثالث يستبيح أموال البلدان الدائنة في الشمال. والرابع ربما يؤدي إلى إحداث تأثيرات العدوى عن طريق أسواق رأس المال، ومن المحتمل أن يرغم صناع السياسات على فرض ضوابط رأس المال، كما حدث في قبرص عام 2013.

كانت السياسة الأوروبية تركز حتى الآن على توفير الائتمان العام للبلدان المتضررة بالأزمة بأسعار فائدة أقرب إلى الصِفر، وهو ما قد يتحور في نهاية المطاف إلى تحويلات. ولكن الآن يحاول البنك المركزي الأوروبي الخروج من المأزق عن طريق التيسير الكمي. ويتلخص هدف البنك المركزي الأوروبي المعلن في زيادة المعروض من المال في منطقة اليورو، وبالتالي خفض القيمة الخارجية لليورو من خلال شراء أكثر من 1.1 تريليون يورو من الأصول. ووفقاً لرئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراجي فإن معدل التضخم، الذي يبلغ حالياً أقل من صفر بالمائة قليلا، من المقرر أن يُرفَع إلى متوسط أقل من 2% قليلا.

وهذا من شأنه أن يقدم لبلدان جنوب أوروبا الوسيلة للخروج من فخ القدرة التنافسية، لأن بقاء الأسعار بلا تغيير في الجنوب، مع تضخم الأسعار في بلدان الشمال، يعني أن بلدان الجنوب من الممكن أن تقلل تدريجياً الأسعار النسبية لسلعها من دون تكبد قدر كبير من الألم. وبالطبع، في هذه الحالة يحتاج الشمال إلى التضخم بمعدل أسرع من 2% فقط.

وإذا حدث على سبيل المثال أن أوروبا أبقت معدل التضخم لديها عند مستوى صفر في المائة، وبلغ معدل التضخم في فرنسا 1%، فإن التضخم في ألمانيا لابد أن يرتفع إلى 4%، وأن يكون في بقية منطقة اليورو عند مستوى 2% سنويا، لكي يصل إلى متوسط منطقة اليورو عند مستوى أقل قليلاً من 2%. ولابد أن يستمر هذا النمط لنحو عشر سنوات لإعادة منطقة اليورو إلى التوازن. وعند هذه النقطة سوف يكون مستوى الأسعار في ألمانيا أعلى بنحو 50% مما هو عليه اليوم.

وأتوقع أن يجلب التيسير الكمي بعض التضخم. ولأن سعر الصرف هو السعر النسبي للعملة، فإن قيمة اليورو لابد أن تنخفض بشكل كبير مع نزول المزيد منه إلى التداول لإيجاد توازن جديد في سوق العملة. وقد أظهرت التجارب مع برامج مماثلة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة واليابان أن التيسير الكمي يطلق العنان لقوى خفض القيمة العاتية. وبالتالي فإن التيسير الكمي في منطقة اليورو سوف يجلب التضخم الذي يريده دراجي عبر ارتفاع أسعار الاستيراد والتصدير. ويتبقى لنا أن نرى ما إذا كان هذا التأثير كافياً لإنعاش جنوب أوروبا.

ومكمن الخطر هنا هو أن اليابان والصين والولايات المتحدة لن تقف مكتوفة الأيدي في حين يخسر اليورو قيمته، بل وربما ينزلق العالم حتى إلى حرب العُملة. وعلاوة على ذلك، تستطيع دول جنوب الاتحاد الأوروبي، بدلاً من ترك الأسعار دون تغيير، أن تتخلى عن التقشف وتصدر كميات متزايدة من السندات الجديدة لتحفيز الاقتصاد. ولن تتحقق القدرة التنافسية وإعادة التوازن، وبعد تحسن سريع في مستهل الأمر تعود منطقة اليورو إلى الأزمة الدائمة. أما اليورو، الذي يفقد مصداقيته أخيراً وبشكل كامل، فسوف يلقى مصيراً بائساً للغاية.

لا يملك المرء إلا أن يأمل عدم تحقق هذا السيناريو، واستمرار بلدان الجنوب على مسار التقشف. فهذه هي فرصتها الأخيرة.

* أستاذ الاقتصاد والمالية العامة في جامعة ميونيخ ورئيس معهد ايفو للبحوث الاقتصادية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0