هوراسيو فالكاو/إيلينا كومارومي

 

عدم إعطاء إجابات محددة، يزيد من الشعور بالثقة

يوجد اعتقاد شائع يفيد بأنه يتوجب على الاستشاريين التصرف بكل ثقة، وتقديم إجابات واضحة ومختصرة، كي يظهروا كمصدر موثوق وللحفاظ على استمراريتهم بالعمل. في كتابه "التفكير، السريع والبطيء" لعالم النفس الشهير دانيال كانيمان، يرى الكاتب أن الخبراء الذين يعترفون بجهلهم من المتوقع استبدالهم، كون الاستشاريين ممن يتمتعون بالثقة أكثر قدرة على اكتساب ثقة عملائهم.

يضيف كانيمان "بالرغم من أن التقدير غير المتحيز لحالة عدم اليقين يعد حجر الزاوية للعقلانية.. لكنه غير مرغوب فيه بالنسبة للمؤسسات أو الأفراد. تظهر أبحاث التصوير العصبي أن الشك يحد من قدرتنا على الاستعداد بكل جهوزية للمستقبل، مما يؤدي بدوره إلى الشعور بالخوف.

تترك مثل تلك النتائج صداها على الخبرات اليومية للعديد من الاستشاريين حول العالم. تم الطلب من أحد كتاب هذه المقالة تقديم مشورة مالية أكثر دقة ووضوحاً من أجل الظهور بمظهر الواثق، فذلك ما يبحث عنه العملاء. بالمثل، عادة ما يطلب طلاب ماجستير إدارة الأعمال من أساتذتهم عدم بناء احتمالات، واستخدام كلمات مثل "يعتمد على" أو " في حال". فهم يفضلون سماع إجابة واحدة على مشكلة معينة، أو نهج من ثلاث خطوات لاتباعه في كل مرة. مع ذلك، تتعامل هذه الأمثلة مع متغيرات معقدة لعملية صنع القرار، بحيث يكون من السيئ إعطاء مشورة مؤكدة.

الرسالة في مقابل المرسل

يواجه الاستشاريين سؤالين وثيقي الصلة: "ما هو نوع المشورة التي يجب أن أقدمها" و"كيف ينبغي علي طرحها بطريقة أتفوق فيها على المنافسين؟" لحسن الحظ، أعطت ورقة أبحاث نشرت مؤخراً لـ سي جيرتغ و جي بي سيمونز من كلية وارتون بعض الإجابات. بحثت ورقة العمل التي حملت عنوان: هل يكره الأشخاص بطبيعتهم المشورة غير المؤكدة؟ إذا كان الأشخاص يفضلون التعامل مع الاستشاريين الذين يتمتعون بالثقة، على المترددين، وإذا ما كان ذلك ينطبق على المشورة نفسها.

تضمنت الورقة 11 دراسة، كانت نتائجها متسقة على نحو كبير. لم يكن مفاجئاً تفضيل الأفراد للاستشاريين الذين يظهرون ثقة بالنفس على المترددين. لكن عند مواجهة خيار صريح، فضل المشاركون في الدراسة المشورة غير المؤكدة..

دحضت الدراسات فكرة أنه يتوجب على الاستشاريين تقديم مشورة مؤكدة لا تنطوي على احتمالات كي تنال الاهتمام أو لينظر إلى صاحبها على أنه واثق بنفسه. في الحقيقة، من الممكن فصل الثقة عن اليقين عند تقديم المشورة. فالاستشاري الذي يقدم مشورة مؤكدة بكل ثقة سيتم تقبلها وسينال ثقة العميل.

عند تلقي مشورة غير مؤكدة (تنطوي على احتمالات) نظر المشاركون في الاحتمالات الأعلى (مثل 73% أو 85%) بشكل أكثر إيجابية من الأرقام التي تقارب 50%. بحسب جيرتغ وسيمونز ينظر إلى الاحتمالات الأعلى على أنها غنية بالمعلومات، وبالتالي تساعد على التكهن بشكل أكبر.

حذر الباحثان من تعميم النتائج التي توصلوا إليها على جميع الحالات. فعلى سبيل المثال يجب أن يكون المسؤولين عن التوظيف أو خبراء الموارد البشرية على دراية بأن المدراء الذين يوافقون على مرشحين معينين، يرغبون بسماع تأكيد على أنهم الأفضل للقيام بهذه المهمة وليس "من المحتمل أن يكونوا مناسبين". ما هي نصيحتهم الأخيرة؟ تواصل بكل ثقة، لكن لا تقدم معلومات خاطئة بثقة.

الآثار المترتبة عن ارتكاب خطأ

وصف كل من آرنسون، وويليرمان، وفلويد عام 1966 كيفية تقبل الأشخاص للأخطاء المحرجة. تبين أن ذلك يعتمد على مستوى كفاءة الشخص. ففي حين يلاقي الاستشاري صاحب الخبرة الطويلة والتقدير استحسانا عند ارتكابه لخطأ، فإن العكس هو المرجح إذا ما كان مستواه عادياً.

في حال كان الاستشاري شخصاً محط ثقة وتقدير، فإن أي خطأ يرتكبه خارج نطاق خبرته سيلاقي قبولاً. ولكن إذا كان الخطأ ضمن مجال خبرته فسيؤثر ذلك على مصداقيته. لذا عند إعطاء نصيحة غير مؤكدة، من الضروري أن تجعل عميلك يدرك مدى تعقيد المسألة وأن توظف خبرتك بشكل مناسب للخروج بنصيحة ملائمة. فإظهار ضعف في مجالات بعيدة عن اختصاصك قد يزيد من شعبيتك.

تخفيف حدة المقاومة للنصيحة المقدمة

من جهة أخرى، وجد كل من لوشلدر وفرايس وشيرير وغالينسكي، أن إعطاء سعر محدد خلال المفاوضات يلاقي استحسان كل من المختصين وغير المختصين، لكن لدرجة معينة. عندما كان العرض الافتتاحي بعيداً كلياً عن المستوى المتوقع، استنتج المختصون -ممن يفهمون مدى تعقيد الواقع ويتعاملون مع قرارات ذات احتمالات عدة- أن الطرف الآخر غير كفؤ. بالمثل، الاستشاريين الذين يحاولون تقديم مشورات دقيقة للمختصين، غالباً ما تعتبر مشورتهم تحدياً وتلاقي الرفض. لكن عند تقديم مشورة ذات شرعية، تلاقي التقدير الذي تستحقه.

يناقش البروفيسور آدم جرانت من كلية وارتون فكرة أن المفاوض يبدو خلال المفاوضات أكثر مصداقية وإقناعاً في حال عدم طرحه لوجهة نظره بصورة مؤكدة، وهو مفهوم نطلق عليه "التواصل الضعيف". أما في حال حاول الطرف المقابل فرض وجهة نظره، يخلق ذلك مقاومة أكبر. وعلى العكس، عندما يستخدم المفاوضون حججاً غير مؤكدة، يظهرون انفتاحهم على وجهات نظر مختلفة، مما يخلق مقاومة أقل ويزيد من فرص الإقناع.

بالمقارنة مع العمل الاستشاري، تحمل المفاوضات توتر ملحوظ بسبب المنافسة، والتي قد تقلص بدورها من قدرة الطرف الآخر على تحمل الزيادة دقة الأسعار، والوصاية العلنية وبالتالي المشورة المحددة.

تذكر فقط أن إعطاء مشورة غير مؤكدة ليس بالأمر السيء، فقط تأكد من تقديمها بكل ثقة.

* هوراسيو فالكاو، أستاذ منتسب في علوم القرار بكلية إنسياد ومؤلف قيمة التفاوض: كيف تستطيع تحقيق الفوز لجميع الأطراف/إيلينا كومارومي، خبيرة خدمات مصرفية حاصلة على الماجستير من كلية إنسياد
https://knowledge-arabia.insead.edu

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
1