هيثم قطب

 

قبل أن تسأل نفسك (كيف أصبحت اليابان يابانًا؟) هناك سؤال تمهيدي مهم هو (كيف تولد الكهرباء من ربطات العنق؟!)، حسنًا، هناك دولة واحدة فقط في العالم يمكنها الجواب على هذا السؤال!.

في صيف العام 2005 وجدت وزارة البيئة اليابانية أن معدل استهلاك الكهرباء في ارتفاع مستمر، وأن موارد الطاقة اليابانية تحتاج إلى ترشيد عاجل (على الرغم من أن معظمها – في ذلك الحين – كان نوويًا)، ولأن الجهاز الحكومي للدولة هو أحد أفضل الأجهزة الحكومية التكافلية – تعاون وزاراته بعضها البعض في ظل نظام دقيق – في العالم، قامت وزارة البيئة بتحمل المهمة والاضطلاع بها، وبدأت حملة تحت قيادة وزيرة البيئة حينها (يوريكو كويكي) والتي بالمناسبة أصبحت بعدها بعامين وزيرة للدفاع، حملة تدعى (Cool Biz).

تم وضع زمن محدد من يونيو إلى الثلاثين من سبتمبر كفترة تجربة يتم على أساسها اتخاذ قرار التكملة أو إلغاؤها، اعتمدت الحملة في فترة تجربتها على شقين، الأول مطالبة الموظفين اليابانيين الحكوميين ثم موظفي القطاع الخاص ثم عموم المواطنين بتثبيت درجة حرارة أي جهاز تكييف في اليابان على 28 وعدم خفضه درجة واحدة عن ذلك، أما الشق الثاني فتعلق بإجابة سؤال (كيف نمارس وظائفنا في درجة حرارة مرتفعة بتكييف مثبت على 28؟)، وأجابت الحكومة حينها أن الحل في عدم حضور أي موظف ياباني مرتديًا ملابسه الرسمية الكاملة (بذلة/ رابطة عنق) واستبدال ذلك بملابس قطنية خفيفة تساعد على تنفس مسام الجسم وتكون ماصة للرطوبة!

كان الطلب الأول (درجة برودة التكييف) بشعًا بما يكفي، لكن الثاني كان معاناة حقيقية بالنسبة لليابانيين واعتبروه علامة ضخمة على عدم التهذيب، وبعض أعضاء وزارة الخارجية اليابانية وبعض موظفي الشركات الخاصة اشتكوا من شعورهم بالدونية والإساءة لمن أمامهم من وفود أجنبية رسمية أو خاصة وهم يرتدون ملابسَ خفيفة صيفية بينما نظراؤهم يرتدون ملابسَ رسمية كاملة، وجزء مهم من حل المشكلة كان التزام أهم مسئولي الحكومة اليابانية بالحملة وشروطها وعلى رأسهم (جونيتشيرو كوريزومي) رئيس الوزراء وقتها.

في الثلاثين من سبتمبر خرجت النتائج للشعب الياباني، التزام عدد كبير من الشعب بالملابس الخفيفة أدى إلى التزامهم بدرجة حرارة 28 واحتمالهم لها، وجود ملايين المكيفات على هذه الدرجة أدى إلى تخفيض 460 ألف طن من إجمالي انبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكربون بما يعادل حجم ثاني أوكسيد الكربون المنبعث من مليون أسرة يابانية، أما الكهرباء فقد تم توفير 210 مليون كيلو وات/ ساعة في الفترة من يونيو لآخر سبتمبر، وبالنسبة لتأثير الحملة الاقتصادي فقد أثـّرت بالسلب على قطاع صناعة رابطات العنق وتسببت في انخفاض مبيعات بنسبة 36% مما دعا بالقطاع إلى المطالبة بإنهاء الحملة وسط تجاهل تام له، وفي نفس الوقت أثـْرَت قطاع الملابس بـ18 مليار ين والاقتصاد الياباني كله بمائة مليار ين!.

الحملة مستمرة بنجاح تام حتى الآن، وتعتبر إحدى أهم وأذكى حملات البيئة وأكثرها ابتكارية في العقود الأخيرة.

(1) كيف أنهى الميجي حكم الساموراي العسكري؟!

المتداول والمعروف بشكل واسع النطاق أن اليابان نهضت بمعجزة تنموية حقيقية بعد الحرب العالمية الثانية عندما ضربتها الولايات المتحدة بقنبلتين ذريتين فأنهت الاقتصاد الياباني إكلينيكيًا، حسنًا، ما حدث هو تعافي الاقتصاد وليس النهوض، فالنهوض الحقيقي بدأ من قبل الحرب بمائة عام تقريبًا.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1