تحرير: حسين علي حسين

عقدت مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام جلستها الحوارية في ملتقى النبأ الأسبوعي، حيث تمت مناقشة الورقة الثقافية التي كتبها الأديب علي حسين عبيد، الكاتب في شبكة النبأ المعلوماتية، وجاءت الورقة تحت عنوان (الثقافة العراقية، حضور الماضي وغياب الحاضر)، وقد حضر هذه الجلسة نخبة من الكتاب والأكاديميين الذين أكدوا على الدور المحوري للثقافة في استقرار وتطور المجتمع وارتقاء المجالات الأخرى كالسياسة والاقتصاد وغيرهما.

بدأ مقدِّم الورقة بالقول: إن الثقافة هي سلوك اجتماعي، هذا ما يتضح لنا عبر التجارب الواقعية التي كنّا ولازلنا على مساس بها، لكن هناك من يحصر الثقافة بالأدب أو القدرة على كتابة قصيدة، أو قصة، أو رواية، أو مقال نقدي، أو عمل مسرحي، وبهذا هناك من يحصر الثقافة بالكاتب أو الأديب أو الرسام أو الفنان، وهذا تصوّر مبالَغ به، بل هو خاطئ، فالثقافة سلوك نافع، وإذا افتقد الشخص القادر على الكتابة أو الرسم للسلوك النافع أو المقبول اجتماعيا وأخلاقيا وعرفيا فإنه لن يكون عارفا بالثقافة ولا منتميا لها.

وأشار الكاتب علي حسين عبيد إلى أن (الثقافة باختصار هي مجموعة وسائل ارتقاء المجتمع). واضاف:

يُنظر أحيانًا إلى مستوى التطور الثقافي على أنه يميز الحضارات عن المجتمعات الأقل تعقيدًا. وتوجد أيضا وجهات نظر هرمية حول الثقافة في التمييز الطبقي بين الثقافة الرفيعة للنخبة الاجتماعية، وبين الثقافة المتدنية أو الثقافة الشعبية، أو الثقافة الفلكلورية للطبقات الدنيا، من المشاكل التي يعاني منها المجتمع هذه الطبقية الثقافية التي تضعفه وتزيد من هشاشته، وفي نفس الوقت من الصعب أن ننفي هذه الفوارق الثقافية، فهناك طبقات تصنعها طبيعة الثقافة ومصادرها، لذا توجد ثقافة نخبوية وأخرى شعبية وثالثة تتوسط الاثنتين، ومن مشاكل ضعف الثقافة ضياع الحدود الحافظة للعلاقات وحماية الحقوق.

ثم تساءل مقدِّم الورقة قائلا: ما الذي يدفع مجتمع ما نحو استحضار الماضي وتغييب الحاضر؟، هذا السؤال يدخل ضمن المشكلات التي يتسبب بها حدوث الفراغ الثقافي، أي أن الثقافة إذا غابت أو انحسرت، وقلّ تأثيرها، فإن المجتمع سوف يلجأ إلى التغنّي بماضيه التليد، ولهذا نلاحظ في العراق أن أبسط الناس ثقافة وتفكيرا، وأغناهم فكرا وثقافة يتغنون بماضيهم في مناسبة أو من دونها.

هكذا يطيب لكل عراقي (حتى البسطاء منهم) أن يذكروا دائما بأنهم أبناء حضارة الرافدين التي تمتد إلى سبعة آلاف سنة في عمق التاريخ، وأنهم بلد الكتابة الأول، وأنهم علموا البشرية ما لم يعلموا، هكذا يتبجح الجميع بمثل هذه الأقوال، فالبسيط فكرا وثقافة والغني فكرا وثقافة، يستعيد ويستحضر الماضي الثقافي، مهمِلا للحاضر الذي ينوء تحت أطنان من التخلف والفوضى والضياع.

من المشكلات الأخرى للفراغ الثقافي، موت رأس المال الثقافي، وانتشار قيم التخلف بين الناس بشكل مريع، وسرعان ما تقفز القيم الساقطة لتحتل أمكنة القيم الأصيلة الصالحة، فيحتل الكذب مكان الصدق، والخيانة مكان الأمانة، والرشوة مكان الضمير والاستقامة، والبناء بالغش مكان البناء القويم، فتحدث الخلخلة الخطيرة في البناء الاجتماعي، وتتعرض القيم لزلزال الإزاحة من التعاملات بكل مجالاتها ومسمياتها، سواء في العلاقات الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية وغيرها.

إذا هزَلت الثقافة هزلَت الأمة

وقال مقدِّم هذه الورقة: هنالك قول معروف مستخلَص من تجارب الأمم يؤكد على أن (الثقافة إذا هَزَلتْ، هَزَلتْ الأمة)، وأية أهداف او مدخلات لا تضع هذه المعادلة في الحسبان فإنها لن تكون مؤثرة في التقدم والنهضة والاصلاح.

فلا يمكن بناء مجتمع ما بصورة سليمة من دون وجود ثقافة سليمة تنطلق من الماضي الرصين والحاضر المؤمَّن إلى بناء المستقبل الزاهر، عبر منتج ثقافي عميق قادر على تحسين التفكير وإنتاج الإبداع وابتكار الأفكار، وتحسين جودة الحياة والارتقاء بأنماط السلوك الفردي والاجتماعي.

لذا من الأهمية بمكان رصد النواقص الثقافية، من قبل جميع المعنيين بها، وعلينا الشروع بوضع الحلول اللازمة والصحيحة، في مبادرات متواصلة وتوصيات ومقترحات، تضع أمام صانع القرار خطوات فعالة وسهلة التنفيذ لصنع الآفاق الثقافية القادرة على ملء الفراغ الثقافي في المجتمع، من المقترحات المهمة والقابلة للتطبيق ما يلي:

- يجب التركيز على فهم الناس جميعا بأن الثقافة ليست (كتابة جميلة) وإنما هي سلوك جميل، والثقافة ليست شهادة علمية مرموقة وإنما سلوك إنساني مرموق.

- كثير من المثقفين والدارسين من الذين يعلنون انتماءهم إلى هذه الطبقة لا زالوا لا يؤمنون بأن الثقافة عبارة عن سلوك جيد وأمين وحافظ لحقوق الآخرين والذات. لذا يتوجب التركيز على هذه النقطة وتوضيحها بشكل دائم.

- يجب التنبّه إلى أن استعادة الماضي يجب أن تدعم الحاضر ولا تكون بديلا له، وهذا يكون ممكنا عندما نأخذ من الماضي أفضله وأرقاه، لندفع به الحاضر إلى أمام.

- يجب أن نعلن بوضوح عن موت القيم الصالحة، أو على الأقل ضعفها، في مقابل نهوض قيم التخلف والاستحواذ والتسلط وانتهاك الحدود المحرّمة للإنسان.

- وهذا يقودنا إلى مرحلة ما بعد الاعتراف، وهي مرحلة التصحيح، وهي تتطلب الدفع بالقيم الصالحة بقوة لكي تزيح القيم المسيئة التي هشّمت البنى الأخلاقية والاجتماعية.

- تحتاج عملية إزاحة القيم المسيئة إلى عمل كبير وجاد ومنظَّم ومدروس، وهو عمل تشاركي يقوم به الجميع، يبدأ من الأسرة (الحاضنة الاجتماعية الأصغر) ليضم أعلى وأضخم الجهود الرسمية والمدنية، في خطط مرسومة بدقة من حيث المحتوى والتنفيذ.

هذه رؤى مختصرة عن الفراغ الثقافي، أسبابه ومشكلاته، وكيف نتصدى له، والموضوع بحاجة إلى آراء كثيرة لإغنائه، ومن المهم أن يؤمن الجميع، لاسيما أولئك القادرون على تحويل المقترحات إلى منجزات، بدور الثقافة وأهمية رأس المال الثقافي التي تفوق جميع رؤوس الأموال حضورا وقوة في المجتمعات المتقدمة.

المداخلات

ثم طرح مقدِّم الورقة سؤالين للنقاش لغرض التفاعل المتبادَل، وإغناء هذا الموضوع الحيوي:

فكان السؤال الأول: ما هي أسباب غياب الإنتاج الثقافي؟

أما السؤال الثاني: كيف يمكن إعادة بناء الإنتاج الثقافي؟

أسباب غياب الإنتاج الثقافي

الدكتور اسعد كاظم شبيب:

يعود السبب الرئيسي إلى غياب الإنتاج الثقافي إلى جدلية العلاقة أولا بين المثقف والسلطة وثانيا إلى انصهار الجانب الثقافي في عدة مشاكل منها ظاهرة عدم الاستقرار السياسي وسيطرة سلطة القمع على المثقفين والجانب الثقافي، وعلينا أن نعلم أن الجانب الثقافي لا ينمو بصورة سليمة في المجتمعات المشوهة والتي تعاني من التغولات السياسية والقبلية والمجتمعية وما الى ذلك.

لذا فالسبب الرئيسي يمكن في ضياع المثقفين في الفوضى وسيطرة المدخلات الاجتماعية والسياسية على الأصعدة والمجالات التي تخص الجانب الثقافي.

في حين تمثل غياب القضية الوطنية لدى النخب الثقافية مصدر آخر لغياب انتاجات ثقافية واكيد هناك أسباب أخرى لا يتسع المجال لذكرها.

أما عن عوامل إعادة الإنتاج الثقافي فيمكن في إزاحة التدخلات السياسية والعشائرية وبلغة الأيديولوجيا عنه. من جانب ثاني يمثل نمط الانفتاح والبيئة الثقافية الآمنة عوامل أخرى داعمة لنمو انتاجات الثقافية.

للثقافة قصد

الدكتور محمد مسلم الحسيني:

قد لا تتفق الآراء على طرح تعريف ثابت للثقافة بين المنظرين لما لهذه المفردة العامة من شمولية واسعة في المعنى والمقصود. فلابد للثقافة أن تجعل المرء مثقفا واعني بذلك أنه يجب أن يصبح سويا استنادا إلى المعنى اللغوي لهذه الكلمة، حيث نقول "ثقف الرمح المعوج" أي عدله وسواه. هذا يعني أن للثقافة قصد وهي أن تجعل الناس اسوياء في مفاهيمهم وفي تصرفاتهم، اي أن المعرفة الثقافية يجب أن تكون معرفة مؤثرة في وجدان المرء كي تتفاعل مع إدراكه وأحاسيسه من أجل خلق التصرف المطلوب. ليس كل المعارف المكتسبة لدى الإنسان تكون فعالة ومؤثرة على مناطق صنع القرار في نفسه.

المرء حر في إطلاعاته الثقافية في مجتمعه أو في مجتمعات اخرى، لكنه في النهاية قد يتثقف بهذه المعارف ويتبناها نهجاً له أو قد تبقى حبرا على ورق لا تظهر على سلوكياته وتصرفاته. إذن من لوازم الثقافة الفعالة هو الاطلاع والمعرفة التي يجب أن تكون مؤثرة في أعماق المرء كي تترجم إلى سلوك وتصرف. قد تتباين الثقافات بين مجتمع وآخر في جوهرها بل وقد تتباين في المجتمع الواحد نفسه، هذا التباين في الجوهر الثقافي يصاحبه تباين في التلقي بين استحسان ورفض. من هذا المنطلق نستطيع أن نسمي بعض الثقافات إيجابية وأخرى سلبية. قد تتفق المجتمعات بشكل عام مع الثقافات الإيجابية المتمثلة بالواجهات الإنسانية والأخلاقية والإصلاحية والتقنية والفنية والأدبية والعلمية، لكنها قد تتباين في الثقافات المتعلقة بالحريات الشخصية أو بالتوجه الاقتصادي أو السياسي والاجتماعي وهذا ما يخلق جدلا واختلافا بوجهات النظر والقبول والرفض.

تباين الثقافات تتجلى "على سبيل المثال وليس الحصر" بما يتعلق في سياسة تثقيف الشعوب في الغرب بتحفيز المجتمع على الصرف وشراء البضائع والسلع من الأسواق من أجل تحفيز الاقتصاد وتجنب الكساد. هذه الثقافة الاقتصادية قد يعتبرها البعض وخصوصاً في المجتمعات "غير الغنية" سياسة تثقيف سلبي لأنها تهدر المال العام والخاص وتستنفذ الموارد وتشجع على الاسراف والتبذير. والأمر ينطبق تماماً على بعض الثقافات الاجتماعية المتبعة في الغرب والتي لا تماهيها ثقافاتنا، خصوصا تلك المتعلقة بالحريات الشخصية التي يعتبرها الغربيون انفتاحا اجتماعيا وتطورا وحضارة، بينما تراها مجتمعاتنا خدشا في القيم والأعراف والعزة الإنسانية.

مما تقدم نستطيع الإيجاز بالقول: بأن الثقافة الإيجابية الحية بكل وجوهها المادية والفكرية والاجتماعية وغيرها التي تؤثر على إدراك المرء ومشاعره من أجل خلق تصرف سليم وناجع، يحب أن تكون مبنية على معرفة تراكمية مكتسبة وذاتية فعالة ومؤثرة ومستندة على القيم والمبادئ والعقيدة والأخلاق والتراث والإنسانية ورافضة للثقافات الهجينة غير المنسجمة مع طبيعة المجتمع وحيثياته.

القضاء على الثالوث المخيف

الباحث جواد العطار:

قبل التفكير بالإنتاج الثقافي يجب التفكير بجدية بالوعي الذي تفتقده اغلب فئات المجتمع نتيجة انتشار الجهل والفقر والمرض... القضاء على هذا الثالوث المخيف هو الأساس الذي يجب ان تبنى عليه أية ستراتيجية لبناء المستقبل.

في مجتمع عانى من الحروب الخارجية وديكتاتورية بغيضة جثمت على راس السلطة لعدة عقود واعتى حصار اقتصادي بالتاريخ واحتلال غاشم واحتراب داخلي وارهاب أعمى وفساد اكل الاخضر واليابس، لا بد ان يغيب الانتاج الثقافي الجاد إلا ان الواقع العراقي رغم المعاناة ما زال يقدم تجارب علمية وثقافية وكفاءات تبهر العالم لكنها ومع الاسف محاولات فردية لا تجد من يحتضنها وينميها بدلا من ان تهرب الى الخارج.

إن بناء الانتاج الثقافي لا بد ان يقترن ببناء الانسان وتنمية الوعي الفردي والجماعي بكافة المجالات والنهوض بالتعليم وترسيخ الثوابت القيمية والدينية والأخلاقية لدى الناشئة والشباب لانهم عماد المستقبل والقوة القادرة على الانتاج والتغيير.

هيمنة الثقافة الشعبية

الكاتب ضاري غضبان، من محافظة ميسان والفائز بجائزة الطيب صالح العالمية:

في موضوعة الثقافة الشعبية وطغيانها في العقود الأخيرة، هي جاءت كمحصلة للظروف التي مرّ بها البلد، والحروب التي كان وقودها الثقافة والعلوم، ولا أريد أن أدخل في التفصيلات التعبوية ولكن حصل تراجع حقيقي في الدراسة بكل مراحلها الابتدائية والجامعية، فصعد جيل أمي كان في فترة الحصار يبحث عن لقمة العيش فتراجعت الثقافة، بعض هؤلاء الأميين وصل بعد 2003 إلى مناصب، وهذا يجعلنا نتساءل (فاقد الشيء كيف يعطيه؟).

وتأثرت بالشيء نفسه أو الأسباب نفسها موضوعة اللغة التي سادت الثقافة، مع طغيان اللغة الشعبية مع احترامنا لكل اللهجات الدارجة، لكن أصبح الشعر الشعبي طاغيا الآن على حساب الفصيح بشكل كبير، أما فيما يخص غياب الانتاج الثقافي فالثقافة تحصيل حاصل، فمع الهرم الثقافي المتداعي، لا يمكن أن نجد انتاجا ثقافيا رصينا، لأن كل إنتاج جيد يحتاج إلى خطة عمل طويلة تبدأ من رياض الأطفال، ومن ثم في مختلف المستويات، لكي نصل إلى واقع ثقافي منتج ومختلف.

السلوكيات تمثل ثقافة المجتمع

الكاتب الأستاذ تحسين علي كريدي، وهو من أدباء محافظة العمارة:

أرغب هنا أن أنوّه عن الفرق بين الثقافة والأدب، فالثقافة شيء والأدب شيء آخر، ولو أن الأدب يندمج ضمن مسمى عام وأكبر هو الثقافة التي تشمل سلوك الفرد المقبول في المجتمع، وفي مجتمعات ما تقتضي سلوكا قد يعتبر في مجتمعات أخرى سلوكا منحرفا.

مجموعة السلوكيات هذه تمثل ثقافة بلد ما، وربما في بلد واحد تكون هنالك عدة ثقافات، مثلا في جنوب العراق الثقافة مختلفة عن وسط أو شمال العراق، فالمغزى هنا هل هو انحسار الثقافة أم الأدب، فالثقافة دائما في تطور، لأن ثقافة آباءنا وأجدادنا تختلف عن ثقافتنا، وكذلك ثقافة أحفادنا، لكن هنالك معايير محددة لكل مجتمع.

فمثلا الثقافة الإسلامية هي الركيزة الأولى والدعامة الأولى للثقافة المجتمعية في العراق، فالانحراف عن هذه الثقافة الإسلامية هو بمثابة انحراف عن ثقافة المجتمع، وقد لاحظنا مؤخرا السلوكيات التي أتتنا من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، وقد نراها نحن مستهجنة لكن الجيل الجديد قد يراها بمنظار آخر، لكننا من خلال توعية الشباب نستطيع أن نغيّر رؤيتهم، وحين يكون الشاب بلا عمل فقد يرتكب سلوكا مسيئا لذا من المهم توفير فرص عمل لائقة لشبابنا دونما تسويف أو إهمال أو تأخير.

إنتاج ثقافي إيجابي وسلبي

الكاتب والباحث باسم حسين الزيدي:

الثقافة كما أفهمها هي سلوك اجتماعي جمعي، أتصور إن الثقافة منتجة بطبيعة الحال ولكن الفرق، أن هناك ثقافة صالحة وأخرى سيئة، بحسب المعطيات والمؤشرات، المجتمع العراقي ينتج ثقافته الآن، ولكن ما هي طبيعة هذه الثقافة؟

الثقافة هي سلوك اجتماعي جمعي، فإن السلوك الجماعي داخل الدولة يحدد هويتها، لذلك عندما نطلع على ثقافات الدول الأخرى مثلا الثقافة اليابانية والغربية الاجتماعية توجد فيها معايير وثوابت لا يمكن تجاوزها، وهي التي تصنع هوية المجتمع، ويمكن أن تبنى عليها ثقافة المجتمع وحضارته مستقبلا، وبناءها على أسس ثقافية صالحة ومنتجة للإنتاج الإيجابي وليس السلبي.

إذا من حيث المبدأ هناك إنتاج ثقافي، ولكن طبيعته غير جيدة، وهذه الورقة قسمت الثقافات إلى أقسام من ضمنها النخب، لكن هناك كوارث داخل النخب وهم أنفسهم يشكون من تشوّه ثقافي كبير، بسبب الطارئين على هذا الإنتاج، لذلك أصبحت النخب تتبع ردة الفعل، فالنخب هي التي تصنع الأفكار وهي التي تحرك المجتمع، لكن في مجتمعاتنا نجد أن النخب غير منتجة بسبب وجود خلل في بنيتها يمكن أن تحديد ذلك من قبل النخب نفسها.

لو أننا رجعنا إلى الماضي العراقي، فهل هو يشكل ثقافة يمكن أن نعيدها، فحتى الماضي فيه الكثير من الإشكاليات، وواحدة من هذه الإشكاليات التداخل بين الحضر والبادية الذي صنع لنا الكوارث، ولا زلنا نعاني من سلبياته حتى الآن، الخلل الحقيقي سواء كانت الثقافة نخبوية أو شعبية، هو كيف يمكن أن نصنع هوية عراقية خالصة، هذا هو السؤال الذي يؤرّق المثقفين والنخب، ومن هو القادر على صناعتها؟

بين سيادة الأفكار والأشياء

الباحث حامد عبد الحسين الجبوري:

من أسباب غياب الإنتاج الثقافي، أولا: سيادة الأشياء والأفراد وليس الأفكار، كما تعلمون هناك ثلاثة عوامل، عالم الأشياء الذي ينطلق من الإبرة إلى الطائرة، وعالم الأشخاص ولا نقصد هنا (س، ص) وإنما تبجيل الأشخاص سواء كانوا متدينين أو زعماء سياسيين، أو غيرهم، فالعلاقة بين الثقافة وازدياد عالم الأشياء والأشخاص، علاقة عكسية، بمعنى كلما يزداد عالم الأشياء والأشخاص يضمحل عالم الثقافة، بينما إذا تراجع عالم الأشياء فسوف ينتعش عالم الأفكار حتما.

النقطة الأخرى تتعلق بالسياسة والثقافة، ومن المتعارف دائما حينما يكون النظام السياسي مستبدا، وقاهرا للجميع، فسوف تضمحل الثقافة، والعكس صحيح، فكلما تسود الديمقراطية سوف تنتعش الثقافة، كذلك مسألة الاقتصاد والثقافة، هنالك أيضا علاقة عكسية بين اقتصاد السوق والثقافة، كلما ينتعش اقتصاد السوق تنتعش الثقافة، بينما اذا انتعش اقتصاد التخطيط القائم على كل شيء من انتاج واستهلاك، وصادرات، واستيراد، فهذا سوف يدفع بالناس إلى البحث عن فرصة العمل بعيدا عن عالم الثقافة والأدب، فالعلاقة عكسية بين اقتصاد السوق والثقافة.

مسألة التعليم، فكلما كان المجتمع متعلما بمستوى عال، فسوف يكون بلا أمية، ويتجه نحو القراءة والكتابة وهذا يدفع نحو الجانب الثقافي أكثر، أما فيما يتعلق بمسألة الدين والثقافة، فدائما ما نشعر أو نسمع بأن هناك انتقاد من قبل الدين للفن والثقافة والأدب، فهناك علاقة عكسية بينهما، هذه هي خلاصة الأسباب أما كيفية إنتاج الثقافة فهي تكمن في إيجاد الحلول للمشاكل، ولابد أن تكون هناك زيادة في الأفكار والديمقراطية واقتصاد السوق، وارتفاع في مستوى التعليم، وزيادة في مستوى الدين الذي يوظَّف باتجاه الإنسانية.

الدور التثقيفي للأسرة والمدرسة

الباحث عدنان الصالحي، مدير مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية:

موضوع الثقافة أصبح موضوعا متعدد المشاكل، لكن في الأساس يمكن أن نتناول في هذا الجانب نقطتين أساسيتين وهما، الأسرة والمدرسة، فعلى أقل تقدير إن الجيل السابق أو الأجيال التي سبقتنا ولا ندّعي ذلك لأنفسنا، كانت تهتم بالثقافة والمعرفة في مجالس البيوت، وفي المدرسة، ثم تتكون وتبقى رمزية عالية للأستاذ لتصل بهم إلى الجامعة، فيعيش الأطفال سلسلة من الثقافة منذ الصغر إلى حين التخرج، وبذلك يكون قد شبّ منذ نعومة أظفاره على ثقافة احترام الآخرين، وزيادة المعرفة، وبيان إن قلة المعرفة هي نقص في الشخصية.

إن هذه الرمزيات انتهت في الوقت الحاضر، والآن لا تعي الأسرة الثقافة بمقدار ما تعلم الطفل، فتريد له علوما وليس ثقافة، فإذا أصبح طالبا متميزا في درجاته، هل هذا يعني إنه أصبح إنسانا ناجحا؟، هنالك فرق بين أن يكون طالبا ناجحا، أو إنسانا ناجحا.

إن الأسباب تعود إلى الأسرة والمدرسة، فالمدرسة التي كانت لنا رمزا ولم تعد كذلك فقد انتهت واضمحلت اليوم، وهذا سبب كبير في ضياع الثقافة، سابقا كان الأستاذ يؤكد على قراءة القصص والروايات خارج الكتب والمناهج المدرسية، أما اليوم لا اعتقد أن هنالك وجود لهذا الشيء إلا ما ندر من بعض الأساتذة. والأسباب متعدّدة، قد تكون لها جوانب اقتصادية، وربما عوامل نفسية أيضا.

التمييز بين الثقافة والحضارة

الدكتور خالد العرداوي، مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية:

الثقافة هي المنتَج المعنوي للشعوب، والحضارة هي المنتَج المادي، وبالنتيجة فإن الثقافة ليست سلوكا فقط، وإنما حسبما يقول دايل كارنيجي (أنت لست من تفكر، بل أنت ما تفكر)، لذلك فإن حصيلة القيم والأفكار، والأحكام التي يحملها الإنسان، سواء كان أخلاقية أو أحكاما أخرى، فكلها سواء كانت إيجابية أو سلبية سوف تنعكس على سلوك الإنسان، فأما يظهر هذا السلوك رفيعا وراقيا أو متدنّيا.

ونتيجة هذا السلوك، هو المنتَج المادي، فهل هذا الإنسان قادر على بناء حضارة أم لا، لذلك أعتقد أن الثقافة هي حصيلة أفكارنا، وما نفكر فيه وفي الآخر، وفي الكون والدين والحياة، كذلك كيف نحمي الحقوق والحريات على سبيل المثال، هل أننا نحترم الحقوق والحريات أم لا؟، القانون كذلك، هنالك اليوم بعض المثقفين ورجال القانون والساسة لا يحترمون القانون، مثل هذا الإنسان عنده مشكلة، ولا يمكن أن يكون بانيا للحضارة والثقافة.

وهذا سوف يقودنا إلى قضية الثقافة الرفيعة والثقافة المتدنية، أو الثقافة الشعبية التي قد تكون فيها معايير جيدة، مثلا يوجد لدينا (المهوال)، على الرغم من أنه بسيط في مفرداته لكنه أحيانا عميق في تعابيره، ويؤشر الواقع المريض بشكل دقيق، أكثر من الأكاديمي الذي يبحث عن منصب، وحتى البحث الذي يكتبه هو من أجل الترقية وليس ليكون هناك ارتقاء علمي أو معرفي، أو هناك سياسي أقل ثقافة مثال ذلك الوزير الذي أطلقت أفراد أسرته (طلقات) بمناسبة توزيره، هل هذا يعدّ من النخبة التي تنتج ثقافة رفيعة؟ كلا إطلاقا، فهو لم يستطع أن ينتج ثقافة رفيعة في داخل أسرته، فكيف يمكن أن يكون منتجا للأدب الرفيع في مجتمعه؟، لذلك أمتعض دائما من فكرة أن الأدب الرفيع مرتبط بالطبقات العليا من المجتمع.

نلاحظ أن بعض الأدباء طوّروا أنفسهم بأنفسهم، ولم يدخلوا الجامعات، لكنهم تعلموا كيف يثقون بأنفسهم ويطوّرونها بحيث أنتجوا لنا روايات رائعة، وأدبا رائعا للغاية، فقضية الثقافة الرفيعة حكرا على الطبقات الرفيعة هذا غير صحيح، لأن الطبقات العليا لم تستطع أن تكون قدوة للمجتمع، كما نلاحظ القول البليغ في القرآن الكريم: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) الأحزاب، الآية 21. لابد أن تكون هنالك قيادة (قدوة حسنة).

لكن نلاحظ اليوم أن قيادة النخب منحرفة، وأخطأت بشكل كبير، لذلك إن خطأها الكبير يترتب عليه منتَج ثقافي سيّئ، وقيم سيئة، وعادات سيئة، ومعارف سيئة، وقد بدأت تؤثر على الجميع، لذلك نقول إن خزان تراث الأمم هو الطبقات العامة وليس طبقة النخبة، فالطبقات العليا قد أثرّت على هذا الخزان، وباتت تضرب هذا الخزان وتحاول أن تشوّه معالمه، لذلك وردت جملة إن الثقافة سلوك جيد، لكن يمكن أن تكون الثقافة سلوكا غير جيد. وأحيانا تكون جيدة، فإذا كانت الثقافة جيدة بكل محتواها قطعا سوف يكون السلوك الناتج عنها جيدا، لكن ماذا لو كانت ثقافة سيئة كما يؤمن بعضهم بالرشوة والفساد؟ فهذا لديه ثقافة أيضا وهنالك معايير معينة جعلت منه يقوم بهذا السلوك.

لذلك لا يمكن إعادة الإنتاج الثقافي ما لم يكن لدينا إنتاج جيد بالمعنى العام، ولا يمكن بناء ثقافة وحضارة جيدة دون بناء الإنسان، ولا يمكن بناء الإنسان بطريقة جيدة، طالما إن الإنسان خاضع للمطامع، يقول الإمام علي (عليه السلام): (أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع)، فنحن اليوم كبشر، أكاديمي وتاجر، ومهندس وغير ذلك، اصبحنا نلهث وراء الأطماع، وضحينا بالعقل، والعقل هو أهم أداة للإنتاج الثقافي الرفيع.

الثقافة تحل المشكلات وغيابها يصنع الأزمات

الشيخ مرتضى معاش:

الثقافة هي الأساس لحل المشكلات وغيابها أساس لكل الأزمات، والثقافة الإيجابية تحقق التقدم في الأمم، ويلاحظ ذلك التقدم من ناحية الإنتاج الثقافي كما ونوعا، البعض يقول إن الثقافة هي سلعة كمالية، ليس لها قيمة أولية في بناء المجتمع، لكن الثقافة هي الأساس وهي عمق المجتمع، والعقل الأساسي الذي يحرك المجتمع، ولكنه مخفي غير واضح وغير مرئي بشكل مباشر.

وإذا لاحظتم ذلك من خلال قراءة التاريخ المعاصر حيث يؤكد أن بعض الكتاب والأدباء والمفكرين أثرّوا في مسيرة أمة كاملة، من خلال كتاباتهم، كما نلاحظ ذلك على سبيل المثال في كتابات شكسبير في المسرح البريطاني وكيف أثر على نهضة بريطانيا الثقافية التي لا تزال آثارها موجودة حتى الآن، وكذلك نلاحظ تأثير رواية البؤساء لفيكتور هيجو ومدى تأثيرها في الثورة الفرنسية وكذلك بالنسبة لجان جاك روسو، وكذلك تشارلز ديكنز في روايته أوليفر تويست أو قصة مدينتين، وكيف أثر ذلك على التفاوت الطبقي في بريطانيا.

في الجانب المقابل حول التأثير السلبي نلاحظ ذلك في كيفية تأثير كتابات فريدرك نيتشة باندلاع الحربين العالميتين الأولى والثانية، كأساس أيديولوجي وفلسفي لثقافة أمة أخذت تحارب تحت سطوة الدكتاتور، لذلك فإن الكاتب والكتابة مؤثران على بناء الأمة.

أما غياب المنتوج الثقافي في العراق فيعود إلى ثلاثة أسباب:

أولا: النظام الاستبدادي الشمولي.

ثانيا: الحروب، وقد أدت إلى تآكل المؤسسات والبنى التحتية التي تحرك وتبني الثقافة، مثل المدارس، والجامعات، وأنا أتذكر جيدا كيف تعلّمنا أساليب الكتابة في المدرسة من خلال كتابة الإنشاء، وكذلك النحو وقواعد اللغة العربية، وكيف كانت المدرسة كحاضنة ثقافية أساسية، لكن لو سألنا هل المدارس اليوم تمتلك القدرة على البناء الثقافي أو على بناء أناس منتجين ثقافيا؟، كلا بالطبع لأن أبسط القضايا كالنحو والاملاء والكتابة غير موجودة. لذلك كما أتصور فإن المنتوج الثقافي هو الأساس في تقدم الأمة أو تخلّفها.

ثالثا: طغيان العامل الاستهلاكي والمادي

فكلما ازداد الطغيان المادي الاستهلاكي تتسطّح الثقافة إلى حد بعيد، وتصبح شكلية لاسيما مع سيطرة شبكات التواصل الاجتماعي في عالم اليوم.

فإذا أردنا أن نتحرك على تعزيز الانتاج الثقافي، فهذا هو الذي سيؤدي إلى عملية التغيير والإصلاح في المجتمع، فأي تغيير سياسي وحتى التغيير الاقتصادي لا يمكن إذا لم يكن هناك تغيير ثقافي، فحين يظهر لدينا مجموعة من الكتاب وعلى مستوى راقٍ ويقدمون إنتاجا ثقافيا للمجتمع فإننا سنذهب نحو التغيير الجيد، لأن المجتمع قائم على إنتاج الأفكار وليس الانتاج الرومانسي أو الجمالي، أو الإنتاج الممتع والمرفِّه.

في بعض الأحيان يكون الأدب مرفِّها للإنسان، لكن الأدب في نفس الوقت مؤثر في بناء سلوك الإنسان وفي بناء جودة الحياة، وتحسين مستوى الحياة للفرد والمجتمع، فيحتاج الأمر إلى مجموعة من الكتاب يقدمون كتابات جيدة وراقية، لكنني أتصوّر أن هذا الهدف الآن صعب جدا، ولكن مع وجود المؤسسات الجيدة التي تستطيع أن تقدم أدباء وكتّابا جيدين سوف تتكون لدينا بعض الحركات الإصلاحية التي تؤدي إلى التغيير الاقتصادي والسياسي أيضا.

فطالما لا تتغير العقلية الموجودة عند الإنسان ولا يقرأ، فلن يحدث التغيير، والإعلام الموجود اليوم، سواء كان إعلاما صحفيا أو الإعلام الموجود في شبكات التواصل الاجتماعي هو تسطيحي مضلِّل يؤدي إلى تهشيم وتحطيم الثقافة وكل أنواع السلوك الجيد في المجتمع، لذلك من الضروري أن تكون لدينا دورات ثقافية في بناء وتربية الكتّاب والمؤلفين والادباء والمثقفين على الابتكار والابداع في الإنتاج الثقافي الجيد حتى نستطيع أن نحقق نهضة تغييرية في المجتمع.

الثقافة مجموع الاعتقادات والخبرات

المحامي صلاح الجشعمي:

الثقافة هي مجموع الاعتقادات والخبرات التي يكتسبها الأفراد والتي تطغى على سلوكهم في علاقاتهم الاجتماعية، فإذا أردنا أن نطبق هذا التعريف على المجتمع العراقي، سواء كانت ثقافة سلبية أو إيجابية، نرى أنه منذ تأسيس الدولة العراقية، كان هنا قوتان أو مصدران للثقافة هما: الحكومة والدولة العراقية، المرجعية.

إذًا أصبح لدينا مصدران اثنان لتشكيل الثقافة العراقية، الحضارة التي قدمتها الدولة من خلال الحكومات التي تعاقبت على مشروع الدولة العراقية، لكن نتيجة الاضطرابات السياسية منذ 1920 وحتى الآن، لم تقم الدولة بوضع خطة ثقافية، لكن المرجعيات جعلت المصدر الأساسي للثقافة هو الدين، وانتج قامات ثقافية في مختلف الميادين، وأصبح ذا تأثير على المجتمع العراقي.

بعد الإطاحة بالنظام السابق، انحسر هذان المصدران بمن يمثلهما، أي بالمرجعيات، وبالدولة بمفهومها الحضاري، وهذا انعكس على المجتمع، فبعد 2003 نحن نعاني من مشكلة الثقافة، حيث ولد الانفتاح مصادر جديدة للثقافة، وولد حامين للثقافة الجديدة، لذا نجد الشباب في حالة اضطراب ثقافي.

ولا نعني هنا أننا نخرج من الثقافة نوعا من الأكل والملابس، ولا نقصد المعني الأدبي والفني لها، كلا بل طغيان السلوك على أفراد المجتمع، فشاعت الآن مثلا ثقافة عدم الثقة وعدم حسن الظن واصبحت هي الثقافية الطاغية في العلاقات الاجتماعية، وهذا يشكل خطرا على المجتمع.

أما ثقافة اليوم فهي ثقافة تؤدي إلى تقسيم المجتمع، وإرباك المجتمع، وإلى كثرة المشاكل، وبالنتيجة يترتب على ذلك انحرافات سلوكية عند الأفراد وعند المجتمع.

من هو الذي يتحمل مسؤولية إشاعة الثقافة الجيدة أو الرديئة؟، طبعا المسؤول هو الدولة، التي يجب أن تضع خطة لثقافة معينة يستند إليها الشعب وما هي مصادر هذه الثقافة، كذلك المرجعيات أيضا.

نحتاج إلى تثقيف النواة الأساسية للمجتمع، ونعني بالأساس والأصل الأسرة، وبالتالي سوف يولد الإنسان في مناخ ثقافي سليم لتهيئة أجواء ثقافة سليمة.

التغيير هو الثابت الوحيد

الكاتب كمال عبيد، مدير تحرير شبكة النبأ المعلوماتية:

لماذا كانت الثقافة حاضرة في الماضي، يتعلق هذا بطبيعة المجتمع المليء بثقافات متعددة كثقافة الحوار، وثقافة النظافة، وثقافة الاحترام وغيرها، وأتفق مع رأي الأديب ضاري الغضبان حول زوال هذه الثقافة بسبب تردي المستوى الأخلاقي، والوعي بالسلوكيات المسؤولة في المجتمع.

المجتمع العراقي ما قبل الحروب الطائشة يختلف عن مجتمع ما بعد هذه الحروب، وسوف أركّز على نقطتين مهمتين هما:

النقطة الأولى: ما هي الثقافة المنتِجة التي نحتاجها، ومن هو المثقف المنتِج؟

الثقافة المنتجة هي القدرة على التكيف والتطور في مواجهة التحولات التي يشهدها المجتمع من أجل بناء أفضل يحقق فيه الإنسان إنسانيته، ويحفظ كرامته.

النقطة الثانية: المنتِج الثقافي، أو منتِج الثقافة، فهو أيضا عامل رئيس في حضور الثقافة والعوامل المؤثرة على إنتاجها، فعلى مر الأزمنة التي عاشتها الثقافة العراقية، أما أن يكون فيها المثقف نخبوي أنوي، إذ لم يكن هناك مثقفا حقيقيا، وأقصد بذلك المثقف الحقيقي الذي يواجه أخطر ما يحدث وهو موت التغيير، لأن الثابت الوحيد في العالم هو التغيير.

المثقف الذي نحتاجه في رأيي هو المثقف المتحرر الميداني الحاضر من خلال إنتاجه، وحسب مستوى التأثير الذي يحدثه هذا المثقف من خلال إنتاجه في السلوك المجتمعي.

هناك سؤال مركزي ونحن نعيش في خضم ما طرحته الورقة، السؤال هو كيف يمكن أن نصنع مثقفا منتجا وسط مجتمع غير منتِج ثقافيا، وأرغب أن ألخص نقطة مهمة ذكرها سماحة الشيخ مرتضى معاش وبعض الأخوة الآخرين حول دور الإعلام في قضية إيصال الإنتاج الثقافي للمجتمع، وأمامنا أمثلة وهما الأديبان اللذان يحضران معنا في هذا الجلسة وقد فاز كلاهما بجائزة مرموقة هي جائزة الطيب صالح العالمية (فاز بها الأديب علي حسين عبيد والأديب ضاري عادل غضبان)، فما هو دور الإعلام في توصيل هذا المنتج الثقافي؟

هناك مصطلح إعلامي معروف ومؤثر، وهو الغزو الثقافي الذي كان أحد العوامل المؤثرة في السلوكيات التي شاعت في المجتمع من خلال القيم الدخيلة التي تسللت إلى هذا المجتمع.

الأم مدرسة إذا أعددتها

الدكتور علاء الحسيني، باحث في مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات:

إن أسباب تردّي الثقافة العراقية كثيرة، واحدة ترجع إلى الدولة من خلال إهمالها للثقافة لاسيما في السنوات الأخيرة، وواحدة أخرى تعود إلى المجتمع نفسه، إن الإنتاج الثقافي هو كأي إنتاج آخر يحتاج إلى المنتج ثم المسوِّق ثم يذهب إلى المستهلك وهو المتلقي الذي ينتفع بهذا المنتَج، وقد غابت حلقة الترويج أو تصدير الإنتاج الثقافي إلى المجتمع، لكي ينتفع من هذا المنتَج الثقافي.

فأصبحت هناك قطيعة بين المثقف المنتِج وبين المجتمع المستهلِك الذي يمكن أن ينتفع من هذه الثقافة والسلوكيات، وهذه الأفكار، لأنها أفكار بشكل عام، فهذه الحلقة حين غابت، فإن أحد أسباب غيابها هو الإعلام تحديدا، والآن حين ننتقل من قناة فضائية إلى أخرى فلا نشاهد إلا البرامج السياسية واللقاءات بالوزير أو النائب الفلاني أو المحلل السياسي، فأصبحت ثقافة المجتمع العراقي محصورة كلها بالسياسة، لكن ليس هناك من يتكلم حول الفن أو الإنتاج الثقافة المجتمعية الفلكلورية الشعبية التي تنطوي على جوانب حضارية وثقافية كثيرة وفيها دلالات إنسانية راقية تحتاج إلى أن نركز عليها لكنها أصبحت غائبة.

دائرة السينما والمسرح مغيّبة الآن، وليس لها أي دور مؤثر، ولم يتم إنتاج أي فيلم أو مسلسل أو عمل فني مؤثر في المجتمع خلال هذه الفترة الطويلة، ويركز على الأشياء التسويقية التي يتلقفها الإنسان البسيط، كالدعابة وروح الفكاهة، لكن ليست هناك معالجة لمشكلة ثقافية أو اجتماعية يعاني منها المجتمع، وقد لاحظنا عدم وجود منتجين ومخرجين وكتاب قصة يعالجون مشكلة اجتماعية أو ثقافية، إنهم في الحقيقة موجودون، لكن المشكلة تكمن في التسويق الذي لم يقم بدور التوصيل الصحيح، لذلك أصبح لدينا غياب في الإنتاج، أو بدء مرحلة الاضمحلال في الإنتاج، فأصبح المثقف يعاني من كون إنتاجه حبيس مكتبه وحبيس الكتب، لذلك لا يكون منتجا بقوة.

هناك أمر آخر، فإننا نلاحظ اليوم الدولة العراقية أو الحكومة العراقية، واحدة من أهم مراحل صنع الثقافة عند الجيل هو المعلم، لكننا لاحظنا أن كلية التربية يُنظَر إليها بشيء من الاستخفاف، فالذي يذهب إلى هذه الكليات يكون من الطلاب ذوي المعدّلات المتدنّية من حيث مجموع درجات الدروس، فيُنظَر إلى هذا النوع من الكليات بنوع من الدونيّة، في حين المعلم والمدرس هو صانع أجيال، وهو الذي سوف يصنع الطبيب والمهندس والضابط والسياسي، وهو الذي يصنع المدرسة.

فإذا لم نعتنِ بهذه الفئة من المعلمين المثقفين سوف تفشل الثقافة، فالمعلم والمدرس هو الذي من الممكن أن يكون هو منتجا للثقافة، وهو ناقل جيد للثقافة والسلوكيات الجيدة للطلبة، لكن حينما يكون المعلم سيّئ فإنه يحمل ثقافة سلبية وينقلها إلى طلاب بمراحل عمرية متفاوتة، فيحدث لدينا تخلف في الإنتاج الثقافي.

الحل يكون بإعادة النظر بمنظومة الأفكار في المجتمع العراقي عموما، والمنظومة التراتبية التي نعيشها، فالأسرة تركز على أن ينال أبناؤها أعلى الدرجات العلمية وليس الثقافية، فالأسرة تركز على صناعة طبيب وشهادة عليا، لكن لا يتم التركيز على صناعة إنسان مثقف ناجح في حياته أو بنت مثقفة ناجحة وقادرة على مواجهة مصاعب الحياة.

وقد سمعنا سابقا كما قال الشاعر (الأم مدرسة إذا أعددتها.... أعددت شعبا طيب الأعراق)، لكن بناتنا وأولادنا وأطفالنا يتلقون اليوم ثقافات ما أنزل الله بها من سلطان، لذلك قد ينهار البناء الثقافي أكثر وأكثر، لأن الأم غير قادرة على أن تنقل إلى ابنها أو ابنتها ثقافة حقيقية (علما إننا لا نريدها ثقافة إسلامية ولا دينية، بل نريدها ثقافة قيمية) أي تنقل الأم لأبنائها وبناتها القيم الإنسانية والأخلاقية التي تربيْنا عليها.

* مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام/ 1993-2023 Ⓒ
https://annabaa.org/

اضف تعليق