يترتّب على الانشغال والاشتغال بالقواعد التّجويديّة وتطبيقاتها سلب روح الخشوع من المصلّي وقارئ القرآن؛ لأنّ مَن ينشغل ويشتغل ذهنه بها يبقى فكره في دائرة الألفاظ فقط من أجل تشخيص موارد المدّ والإدغام والإظهار والإقلاب والإشباع والإمالة ونحو ذلك، بما يصرفه عن معاني الآيات. لكن كيف نوفّق بين هذه الرؤية...

إزاء الإثارات المشنّعة على شيعة أهل البيت (عليهم السّلام)، في عدم إتقانهم لعلم التّجويد أو حتّى اعتنائهم به، من قبل فئة معيّنة من المخالفين في عصرنا هذا، وبإزاء ذلك، يُعبّر السيّد ضياء الخبّاز في كتابه "علم التّجويد والرّؤية المغيّبة"، عن موقف علمائيّ إماميّ من هذا العلم بـ"الرّؤية المغيّبة"(1)، والّتي تتلخّص في أربع زوايا، هي:

1. زاوية المنشأ: إذا رجعنا للرّوايات والأخبار الواردة عن أهل البيت (عليهم السّلام)، لا نجد خبراً أو رواية تتحدّث عن قاعدة تجويديّة واحدة كما يطرحها علماء التّجويد. ولو كان هذا العلم مرضيّاً عندهم لكانوا هم (عليهم السّلام) مَن فصّلوا في فضائله وقواعده وبيّنوا وتحدّثوا. ولأنّ هذا العلم لم ينشأ في أحضانهم (عليهم السّلام)، بل في أحضان العامّة والمخالفين، فهو علم لا قيمة له من حيث منشئه. بل إنّه علم وُضع لصرف النّاس عن علومهم (عليهم السّلام). وفوق هذا، اختلقوا روايات مكذوبة عليهم من أجل ترويج صناعته وترسيخها، فرووا عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) في معنى الترتيل: "أنّه حفظ الوقوف وأداء الحروف"(2)، وهو ما لم يقف عليه أحد في كتب الأخبار عندنا.

2. زاوية القواعد التّجويديّة: فبعض قواعد علم التّجويد تمسخ جمال القرآن، وتُغيّر هيئات الجمل والكلمات القرآنيّة؛ فإنّه لا يمكن القبول بها على إطلاقها، بل هنالك من القواعد ما يحرم تطبيقه شرعاً. ويمكن التّمثيل لهذا بقاعدة (الإدغام الكبير)، وهي: إذا جاء حرف الكاف والكاف، أو القاف والكاف، كـ﴿سَلَكَكُمْ﴾ (المدّثّر: 42) و﴿خَلْقُكُمْ﴾ (لقمان: 28)، فإنّ أحد الحرفين يُدغم في الآخر ويتحوّلان إلى حرف واحد مشدّد. وهذا لا يجوز باتّفاقٍ لا خلاف فيه.

3. زاوية التطبيق: بعض تطبيقات علماء التّجويد جاءت وفق موروثاتهم الفكريّة والمعرفيّة وبنحوٍ مخالف للمعارف الحقّة. ومثال ذلك الوقف اللّازم في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (آل عمران: 7). فاعتبروا أنّ الجملة الثّانية في الآية جملة جديدة والواو للاستئناف، بخلاف معتقد الإماميّة من كون الرّاسخين ـ النبيّ وأهل بيته (صلوات الله عليهم) ـ هم الذين يعلمون تأويل الكتاب. 

إضافة إلى ذلك، فإنّ تطبيقات بعض القواعد تؤدّي إلى الإخلال بكلمات القرآن الكريم وتُشوّه مفرداته، مثل إدغام المتقاربين في المخرج والصّفة، كإدغام الحاء في العين في قوله تعالى: ﴿إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (النساء: 171)، لتكون عند القراءة: (إنّما المسيع).

4. زاوية النّتائج: يترتّب على الانشغال والاشتغال بالقواعد التّجويديّة وتطبيقاتها سلب روح الخشوع من المصلّي وقارئ القرآن؛ لأنّ مَن ينشغل ويشتغل ذهنه بها يبقى فكره في دائرة الألفاظ فقط من أجل تشخيص موارد المدّ والإدغام والإظهار والإقلاب والإشباع والإمالة ونحو ذلك، بما يصرفه عن معاني الآيات.

لكن كيف نوفّق بين هذه الرؤية المغيّبة السّالفة وما يبحثه الفقهاء من أحكام المدّ والإدغام ونحوها في قراءة المصلّي؟ والجواب: يشترط الفقهاء شرطين في القراءة؛ الأوّل: أن تكون القراءة على طبق النّهج العربيّ. والثّاني: أن تكون القراءة على طبق القراءة المتعارفة عند المسلمين(3).

ما سبق هو خلاصة موقفٍ علمائيّ إماميّ من علم التّجويد، قد يُدعّم بأمثلة أخرى في زاوية القواعد التّجويديّة وزاوية التطبيق، لكن حتماً يُؤخذ عليه ما ذُكر في زاوية منشأ علم التّجويد؛ لجهة عدم الدقّة في السّيرورة التّاريخيّة لعلم التّجويد، وزاوية النّتائج؛ لجهة عدم الملازمة بين تطبيق القواعد التّجويديّة وسلب روح الخشوع.

فمن زاوية النّتائج، لا ملازمة بين الانشغال والاشتغال بالقواعد التّجويديّة وسلب روح الخشوع من المصلّي، إذ قد يصدق هذا على المبتدئ، أمّا غيره فلا. ومن زاوية منشأ علم التّجويد، فلقد نجد فيما خلص إليه الباحث حسين بن سعد المطيريّ في بحثه الموسوم: "تجويد اللّفظ في القرآن الكريم في القرون الخمسة الأولى"، ما يسعفنا على تصحيح النّظرة التّاريخيّة لعلم التّجويد من جانب، ومن جانب آخر نجد فيه ما يعضّد الموقف الفقهيّ الّذي انتهى إليه أغلب علماء الإماميّة بشأن الموقف من علم التّجويد(4)، وبما يجعل الرّؤية المغيّبة رؤيةً واضحة لا لبس فيها، كما يبعدها عن نظريّة المؤامرة وملابساتها. حيث خلص إلى الآتي(5):

1. أصل تجويد اللّفظ في القرآن الكريم آيات التّرتيل، وآيات نزوله بلسان العرب، وآيات نزوله بالمنطق الفصيح من لسان العرب.

2. أصل تجويد اللّفظ في السّنّة النّبويّة التزامه (صلّى الله عليه وآله) بالتّلاوة الفصيحة البطيئة الممدودة الألفاظ، وأمره (صلّى الله عليه وآله) بأخذ التّلفّظ بالقرآن من متقني التّلفّظ بالقرآن من الصحابة، وثناؤه على اللّفظ المرتّل وصاحبه.

3. انتشر اللّحن ورداءة القراءة في القرن الثّاني الهجريّ بين المسلمين، وضعفت الفصاحة العربيّة فيهم؛ فجهد أئمّة القراءة، في هذا القرن، للعناية بجودة التّلفّظ في قراءة القرآن الكريم، ومدافعة ما انتشر من اللّحن ورداءة النّطق.

4. شارك علماءُ العربيّة علماءَ القراءة، في القرن الثّاني، في مدافعة اللّحن ورداءة النّطق من خلال كتاباتهم في التّقعيد للتّلفّظ العربيّ الصّحيح.

5. وُجد في القرن الثّاني بين علماء القراءة والعربيّة عدّة مسمّيات وأوصاف لتجويد اللّفظ.

6. قام نَقَلة القراءات أداءً في القرن الثّالث بجهود متعدّدة ومهمّة للعناية بتجويد اللّفظ، منها نقل أداء وتلفّظ أئمّة القرن الثّاني، ومنها بداية الكتابة في تجويد اللّفظ.

7. استخدم إمام وقته في القراءات ابن مجاهد (ت 324هـ) عبارة "تجويد اللّفظ" في آخر القرن الثّالث أو في مطلع القرن الرّابع، ثمّ استخدمها من بعده تلاميذه، ثمّ شاع استخدامها وأطبق عليها علماء القراءات في القرن الخامس.

8. القرن الخامس هو قرن التّأليف في تجويد اللّفظ، حيث انتشر التّأليف في التّجويد وتنوّع بشكل كبير، ونضج علم تجويد اللّفظ على يد علمائه في هذا القرن، فلم نجد في مؤلّفات ما بعد القرن الخامس زيادة تُذكر.

.................................................

الهوامش

1. صدر بتحرير وتوثيق: زينب مهديّ، ط1/1431هـ.

2. جاء في موقع (الإسلام سؤال وجواب): "لم نقف له على إسناد بعد طول بحث، وإنّما أورده بعض أهل العلم هكذا من غير إسناد، ولا عزو إلى من أخرجه. وأقدم من رأيناه ذكره، هو أبو القاسم الهذليّ (ت 465هـ) في كتاب "الوقف والابتداء" (ص377)، فقال: "قال عليّ: الترتيل معرفة الوقوف، وتحقيق الحروف". ولم يذكر له إسناداً".

https://islamqa.info/ar/answers/265364

3. حدّدها جلّ فقهاء الإماميّة في القراءات السّبع دون غيرها.

4. حسين بن سعد المطيريّ: تجويد اللّفظ في القرآن الكريم في القرون الخمسة الأولى، رسالة ماجستير، جامعة الإمام محمّد بن سعود، 1433هـ: 451-452.

5. يلخّص الشّيخ محمّد صنقور البحرانيّ موقف الإماميّة من علم التّجويد بالآتي: "قواعدُ التّجويد لا اعتبار لها شرعاً، بمعنى أنَّه لا يجبُ الالتزام بها إلّا في الموارد الّتي يكونُ عدمُ الالتزام بها منافياً للقراءة العربيَّة الصّحيحة؛ وذلك لأنَّ القرآن نزل عربيّاً، وهذا يستوجبُ أن تكون تلاوتُه وفقاً للضّوابط العربيَّة المُعتمَدة، فكلُّ حكمٍ تجويديٍّ يكون عدمُ الالتزام به موجباً لخروج القراءة عن القراءة العربيَّة الصّحيحة، فهذا الحكم ممَّا يجبُ الالتزامُ به، لا لأنَّه من أحكام التّجويد المقرَّرة في علم التّجويد، بل لأنَّ القراءة العربيَّة الصّحيحة لا تستقيمُ إلا به. وأمَّا الأحكام التّجويديَّة الّتي لا يكون الإخلالُ بها مُوجباً لخروج القراءة عن القراءة العربيَّة الصّحيحة، فهي غيرُ لازمةٍ شرعاً، وإن كان يصحُّ الالتزام بها باعتبارها موجبة لتحسين القراءة. بل يحسنُ الالتزامُ بها في هذا الفرض؛ نظراً لرجحان التّلاوة بأحسن ما تكون عليه القراءة العربيَّة الفصيحة". شؤون قرآنيّة: 2/257.

اضف تعليق