الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، باعث الأنبياء والمرسلين، ثم الصلاة والسلام على سيدنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الأبرار المنتجبين، سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم إلى يوم الدين، ولا حول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم.

قال الله العظيم في كتابه الكريم: (اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ)(1)

الكون في معادلةِ ثنائيّةِ الظاهرِ والباطنِ

هذه الآية القرآنية الكريمة تعدّ من الآيات الظاهرة الدلالة الواضحة المقصود الجلية المعنى إلى أبعد الحدود، لكنّها، وهنا المفارقة الملفتة، تختزن بحراً من الأسرار والغوامض والمعاني والبطون كما تستدعي الكثير الكثير جداً من البحوث الكلامية والفقهية والفلسفية والاجتماعية والنفسية والتاريخية وغيرها.

والغريب في الأمر ان كافة ما خلقه الله تعالى في عالم التكوين، ككافة آياته المفصلة في عالم التشريع والاخبار، تتميّز بهذا الثنائي المزيج المتفرد من وضوح الظاهر وعمق الباطن.. وهكذا نجد مثلاً ان النور هو الظاهر بنفسه المظهر لغيره لكنه وراء ظاهره المشرق الظاهر بنفسه يختزن بحراً من الحقائق والأسرار التي لم يصل البشر إلا إلى بعضها فقط.

وكذلك (الزمن) الذي نعيشه لحظة بلحظة فانه في شدة ظهوره لنا غامضٌ مبهمٌ مجهولٌ حتى اختلفت الأقوال فيه إلى أكثر من عشرة ومع ذلك لم يُعلم ما هو كنهه وجوهره إلا بإشارات هي في واقعها سطحية وإن بدت عميقة علمية.

بل وكذلك كل شيء: الجدران والأرض والمياه والأشجار، والشمس والقمر والسحاب والحجر والمدر، فكلها تختزن في باطنها أسراراً لا تنتهي.. والعلم رغم تطوره المذهل في علم الذرة والأمواج والجينات الوراثية والفيزياء والكيمياء لم يقف حتى الآن إلا على العتبة الأولى من ما لا يتناهى من درجات الوصول إلى القمة الأخيرة.

العلوم الأربع: ظاهر الدنيا والآخرة وباطنهما

والآية الكريمة: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ)(2) تشير إلى ذلك بنحو مذهل إذ يستنبط منها ان للعلم اضلاعاً أربعة، وان البشر لا يعلمون إلا بعض إحدى تلك الأضلاع فقط.. والعلوم هي: أ- علم ظاهر الحياة الدنيا ب- وعلم باطنها ج- وعلم ظاهر الحياة الآخرة د- وعلم باطنها، والبشر يعلمون بعض ظاهر الحياة الدنيا فقط (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) فلا يعلمون من باطنها شيئاً كما لا يعلمون من الآخرة شيئاً لا من ظاهرها ولا من باطنها وقوله (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ...) يقابله ما لو قال: (ظواهر الحياة الدنيا أو كل ظاهر حياة الدنيا).

وعوداً إلى الآية الشريفة (اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) فاننا نجد ان ظاهر الآية واضح جداً وهو الدعاء بان يهدينا الله تعالى إلى الصراط المستقيم، ولكنّ وراء هذا الظاهر تكمن العشرات من الأسئلة والبحوث، وسنشير ههنا إلى احداها فقط:

طلب الحاصل محال فكيف يطلب المؤمن الهداية للصراط المستقيم؟

فقد يثار عند التدبر في الآية الشريفة تساؤل هام وهو ان تحصيل الحاصل محال وطلب الحاصل لغو بل قد يقال باستحالته فانك إذا كنت جاهلاً بالمسألة صح أن نقول للمعلم: علمني المسألة اما إذا كنت عالماً بها فلا يصح حقيقةً أن تقول: علّمنيها، إلا مجازاً أو مجاملةً أو توريةً أو شبه ذلك، وكذلك إذا كنت مريضاً صح ان تقول للطبيب عالجني أو إسعَ لشفائي، أما إذا كنت صحيح الجسم معافى فان من اللغو ان تقول للطبيب: عالجني أو إسعَ لشفائي، وكذلك إذا كنت خارج السيارة أو الطائرة صحّ ان تقول: أركِبني أو أدخِلني، ولا يصح ذلك بالبداهة إذا كنت داخل الطائرة أو السيارة، فطلب الحاصل لغو بل هو محال من الملتفت بمعنى ان الطلب الحقيقي محال ولو صدر فإنما هو صورة طلب وليس بواقع الطلب وحقيقته.

وفي الآية الشريفة التي نقرأها كل يوم على الأقل سبع عشرة مرة في الصلوات، والكثير يقرأها في النوافل وغيرها مراراً كثيرة جداً، فان الذي يدعو بهذا الدعاء (اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) لو كان هو الكافر لصح منه ومن الضال عن الإمامة مثلاً، لكن كيف يقرأها ويتلوها ويدعو بها المهتدي إلى الصراط المستقيم؟ ذلك ان المفروض ان المؤمن بأصول الدين بدءً بالتوحيد ومروراً بالعدل والنبوة والإمامة ووصولاً للمعاد هو مهدي للصراط المستقيم البتة، فكيف يدعو هذا الإنسان ويسأل من الله تعالى بان يهديه الصراط المستقيم؟.

بل ان هذا الدعاء يدعو به وهذا الآية يقرأها حتى الأولياء بل وحتى الأئمة ورسوله الله صلى الله عليه واله وسلم ودعاؤهم حقيقي وليس مجرد لقلقة لسان أو صورة دعاء! فما هو إذاً معنى هذا الطلب الذي يجب علينا (وعلى جميع المسلمين والمؤمنين) ان نكرره كل يوم في الصلوات الخمس؟ وكيف يمكن حل المعضلة؟

هنالك إجابة أولى معروفة عن هذا السؤال وإجابة ثانية ذكرها البعض فقط، وقد خطرت بالبال أجوبة ثلاثة أخرى ثم احتملنا إضافة جوابين آخرين فتبلغ سبعة أجوبة، والأجوبة الأربعة الأولى مفتاحية جوهرية رئيسية ومصيرية أيضاً:

الجواب أولاً: طلب الهداية في مرحلة العِلّة المبقية

الجواب الأول: ان (اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) هو دعاء وطلب للهداية في مرحلة العِلّة المبقية والمراد طلب الديمومة والاستمرارية في البقاء على الصراط المستقيم وليس الكلام عن العِلّة المحدثة فانها الحاصلة اما المبقية فغير حاصلة لذا احتاجت إلى طلب ودعاء وإلحاح وتوضيح ذلك:

ان الهداية كسائر مخلوقات الله تعالى من الرزق والعمر والوجود كله، مما تحتاج إلى الإفاضة آناً فآناً فهي كنهر الماء المتجدِّد الذي ظاهره أمر واحد لكنه في واقعه تمرّ عليك في كل لحظة قطرات جديدة ومياه جديدة يتصورها الساذج هي نفس السابقة الآتية.. فالإنسان المهتدى بالفعل إلى الصراط المستقيم والمؤمن بالفعل بالله ورسوله وأنبيائه وأوصيائه، لا يعلم انه سيبقى على الإيمان بعد شهر أو حتى بعد أسبوع بل حتى بعد يوم بل بعد ساعة بل حتى بعد لحظة..

ويشهد لذلك: اننا كثيراً ما نجد الشخص المؤمن يسقط سقوطاً مدوياً في ثانية واحدة – أعاذنا الله وإياكم – في امتحان مالٍ (ورشوة واختلاس أو ربا أو غير ذلك) أو منصب أو شهرة أو شهوة أو نزوة أو غير ذلك، وما قصة بلعم بن باعورا منكم ببعيدة (وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(3).

وذلك يعني انه لا ضمان أبداً للمؤمن سابقاً وفي الحال الحاضرة، ان يبقى مؤمناً في مستقبل الأيام والأعوام.. لذلك استدعى ذلك ضرورة الدعاء بل والإلحاح بالدعاء بان نقول ونكرر (اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) والتي تعني – حسب الوجه الأول – اهدنا في اللحظات الآتية إلى الصراط المستقيم كما هديتنا إليه في الماضي والحاضر، أي أَدِم لنا هذه النعمة الكبرى.

وذلك هو صريح كلام الإمام العسكري عليه الصلاة والسلام قال: ((فِي قَوْلِهِ (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) قَالَ: يَقُولُ: أَدِمْ لَنَا تَوْفِيقَكَ الَّذِي بِهِ أَطَعْنَاكَ فِي مَاضِي أَيَّامِنَا حَتَّى نُطِيعَكَ كَذَلِكَ فِي مُسْتَقْبَلِ أَعْمَارِنَا...))(4).

وفي القضية التالية أكبر العبرة والدلالة على ذلك:

قصة القاضي الذي مات ضميره بعد الإعدامات!

فقد نقل أحد القضاة انه ذات مرة كان على وشك السفر للحج، وكانت لديه ملفّات عديدة ينبغي ان يبتّ الأمر فيها، وقد حاول أن يكملها قبل السفر، وفي ليلة السفر أكمل على عجل مطالعة إحدى الملفات وتوصل إلى ان ذلك الشخص يستحق الإعدام فوقّع عليه واعطى الملفّ لمساعده ليوصله للجهات المعنية لينفّذ بحق المتهم حكم الإعدام.

بقول القاضي: سافرت غد ذلك اليوم إلى مكة المكرمة وفي الطريق وأنا في الطائرة استرجعت ما قرأته في الملف عن ذلك الشخص فاكتشفت انني تعجلت في اتخاذ القرار وانه كان يجب عليَّ التريث أكثر ودراسة القضية بتأنِ وتروّ إذ بدت لي بعض النقاط غير واضحة الدلالة وبحاجة إلى تحقيق أكثر، فعزمت على أن أبرق فور وصولي إلى مكة بانني أعدت التفكير في الأمر وتوقفت في الحكم، لذلك فانني اسحب حكمي فإما ان تحوّلوا الملف إلى قاضٍ آخر ليعيد النظر فيه واما ان تنتظروني ريثما أرجع لأعيد النظر فيه من جديد، لكنني، والكلام للقاضي، ويا للهول نسيت عندما وصلت وانشغلت بالزيارة ومن ثم أعمال الحج... وعندما رجعت سألت عنه فقالوا انه أعدم!

يقول القاضي: آلمني ذلك بشدة.. وظل وجداني يؤرقني لأشهر طويلة ولم يهنأ لي طعام ولا شراب.. ولكن وبمرور الزمن بدأ صوت الوجدان يخبو ويخفت.. ثم تراكمت عليَّ الملفات في قضايا كثيرة مختلفة.. وفي إحداها ضغط عليَّ المسؤول لأوقّع بالإعدام ولكنني لم أكن مقتنعاً تماماً فازداد الضغط وخفت أن أفقد المنصب فوقعت.. ثم وقعت على حكم إعدام ثانٍ كذلك.. فثالث.. فرابع.. وهكذا استمر الحال وأنا أوقع بضغط شديد من بعض القوى الثورية، ولكن من غير اقتناع تام.

يقول القاضي: والآن وأنا أفكر أجد في ملفاتي حوالي عشرين حكماً بالإعدام لا أعلم انهم كانوا يستحقونه بالفعل أم لا!.. ورغم فداحة الأمر إلا ان وجداني لم يعد يصرخ في وجهي حتى ظننت انه قد مات تماماً بتكرر هذه الجرائم ولم أعد أستشعر وخزات الضمير إلا بشكل عابر لا يصل حتى إلى عُشر معشار تأنيب ضميري في القضية الأولى.

ولعله لذلك وغيره ورد ((القاضي على شفير جهنم))(5) وورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه واله وسلم: ((لِسَانُ الْقَاضِي بَيْنَ جَمْرَتَيْنِ مِنْ نَارٍ حَتَّى يَقْضِيَ بَيْنَ النَّاسِ فَإِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَ إِمَّا إِلَى النَّارِ))(6).

أقول: وكذلك حال المعاصي كافة فان الشخص إذا أغواه إبليس فوقع في جريمة الزنا أو عمل قوم لوط لا سمح الله فان ضميره يؤنبه بشدة.. ثم إذا تكرر منه العمل زال قبحه بالتدريج ثم يزين له الشيطان عمله حتى انه قد يعود ليجترح السيئات وضميره اشبه شيء بالأموات!

وكذلك الرشوة والربا والغيبة والتهمة والنميمة فانه أول الأمر لعله لا يكاد ينام الليل إذا اجترح تلك السيئة لكنه بمرور الزمن يتحول إلى (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)(7) ويكون ممن (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا)(8) وتتغير شاكلته النفسية فيتحول إلى كتلة من الشر المتجسّد فتراه لا يكاد يمكنه ان يعيش إلا في مستنقع السيئات – أجارنا الله وإياكم من ذلك -

لنكن حسّاسين جداً تجاه حُسن أو سوء العاقبة

ومن ذلك نعرف ضرورة ان نكون في غاية الحساسية تجاه حُسن العاقبة وسوءها لا سمح الله وان لا نركن إلى مجرد الاستصحاب أبداً في إيماننا، فإن الاستصحاب نافع في الأصول والفقه، اما في الإيمان وأصول الدين فلا يجدي الاستصحاب أبداً بل لا بد من قيام الدليل والعِلّة التامة للديمومة والتي تتوقف فيما تتوقف على الإلحاح في الدعاء بـ(اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ).

وقد ورد في دعاء يوم عرفة: ((يَا تَوَّابُ تُبْ عَلَيَّ وَاقْبَلْ تَوْبَتِي يَا مَوْلَايَ حَاجَتِيَ الَّتِي إِنْ أَعْطَيْتَنِيهَا لَمْ يَضُرَّنِي مَا مَنَعْتَنِي وَإِنْ مَنَعْتَنِيهَا لَمْ يَنْفَعْنِي مَا أَعْطَيْتَنِي فَكَاكَ رَقَبَتِي مِنَ النَّارِ))(9) ‏وهذا الدعاء عظيم عظيم إلى أبعد الحدود وهو عين الواقع والحقيقة فان الدنيا أيام معدودة والآخرة بلا حدود كماً وكيفاً وجهةً، فلو تمتع الإنسان بكل شيء من: الأموال الطائلة والثروات المتنوعة والبنين والبنات والعلم الوفير والشهرة والرياسة وكرم المحتد والعشيرة القوية وغير ذلك لكنه فقد حُسن العاقبة فانه لا ينفعه ما حصل عليه أبداً إذ الدنيا تنقضي بسرعة (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ)(10) و(وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ)(11).. وبالعكس لو حرم الإنسان كل شيء وابتلي بالأمراض والأعداء والفقر والفاقة ثم رزق بـ(جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ)(12) لما ضرّه ذلك شيئاً مادام مصيره هو (فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ)(13) وحيث (لَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(14).

ثانياً: طلب الهداية إلى الدرجات العليا

الجواب الثاني: ان المراد بـ(اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) الهداية إلى الدرجات العليا من المعرفة والورع والتقوى والطاعة.

وقد ورد في العديد من الروايات تفسير الصراط المستقيم بـ(المعرفة) أو (الطاعة) أو هما معاً ففي تفسير القمي عن الإمام الصادق عليه السلام: ((الطريق ومعرفة الإمام))(15) وفي رواية أخرى ((هُوَ الطَّرِيقُ إِلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهُمَا صِرَاطَانِ صِرَاطٌ فِي الدُّنْيَا وَصِرَاطٌ فِي الْآخِرَةِ فَأَمَّا الصِّرَاطُ الَّذِي فِي الدُّنْيَا فَهُوَ الْإِمَامُ الْمَفْرُوضُ الطَّاعَةِ، مَنْ عَرَفَهُ فِي الدُّنْيَا وَاقْتَدَى بِهُدَاهُ مَرَّ عَلَى الصِّرَاطِ الَّذِي هُوَ جِسْرُ جَهَنَّمَ فِي الْآخِرَةِ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ فِي الدُّنْيَا زَلَّتُ قَدَمُهُ عَنِ الصِّرَاطِ فِي الْآخِرَةِ فَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ))(16)

و(المعرفة) حقيقة تشكيكية ذات مراتب، وكذلك التقوى والورع، والطاعة أيضاً هي الأخرى أنواع ومراتب.. فكل مرتبة عليا فهي صراط مستقيم وقد ورد من وصايا الإمام الباقر عليه السلام: ((وَسُدَّ سَبِيلَ الْعُجْبِ بِمَعْرِفَةِ النَّفْسِ وَتَخَلَّصْ إِلَى رَاحَةِ النَّفْسِ بِصِحَّةِ التَّفْوِيضِ وَاطْلُبْ رَاحَةَ الْبَدَنِ بِإِجْمَامِ الْقَلْبِ وَتَخَلَّصْ إِلَى إِجْمَامِ الْقَلْبِ بِقِلَّةِ الْخَطَأ))(17) كما قيل: (اوَّلُ الْعِلْمِ مَعْرِفَةُ الْجَبَّار وَآخَرُ الْعِلْمِ تَفْويضُ الْأمِرِ إلَيْهِ) والمعرفة تشير إلى العقل النظري والتفويض يرتبط بالعقل العملي، ومن الواضح اختلاف مراتب معرفة الله تعالى كما ان الناس في تفويضهم أمورهم إليه على درجات ومراتب أيضاً.

لنكن في حركة دائمة نحو الكمال

وذلك كله يعني انّ على المؤمن ان يكون في حركة دائمة نحو الكمال وان يصعد ويرتقي من مرتبة من مراتب الصراط المستقيم إلى مرتبة أخرى يوماً بيوم وساعة بساعة.. وذلك يستدعي إلى ان يتحول ذلك إلى هاجس في النفس كما يحتاج إلى رقابة مستمرة لدرجات القرب التي يحظى بها الإنسان ومراتب المعرفة والتقوى وحدود الطاعة التي يتميز بها، وإلا فقد يجد رجل الدين أو الشاب الجامعي أو الطبيب والمهندس نفسه بعد فترة طويلة وهو واقف على نفس المستوى المعرفي الذي كان عليه قبل سنة أو خمس سنوات مثلاً أو بنفس درجة التقوى أو الالتزام الديني والطاعة.. هذا إذا لم يتدهور وضعه بمرور الأيام وبتوالي الامتحانات الإلهية عليه في محطات مختلفة.

خطر التراجع الروحي على طالب العلم

والملفت للنظر ان طالب العلم عندما يأتي إلى الحوزة العلمية يأتي بصفاء لا نظير له وبروح إيمانية ورغبة جارفة في أن يتحول إلى ولي من أولياء الله، ولكنّ بعضهم.. وبمرور الزمن.. وبتراكم انشغالات الحياة.. وبالانشغال ببعض العلوم الهامشية أيضاً، تجده يفقد أَلَقه وصفاءه شيئاً فشيئاً ويعود وهو لا يستشعر كما ينبغي لذة المناجاة عندما يصلي صلاة الليل أو حتى في صلواته اليومية، أو يجد نفسه لا يستشعر عمق الخوف من الله تعالى.. بل قد نجد البعض يتورط شيئاً فشيئاً في غيبة هذا وذاك بعذر أو آخر وإذا به يستمر في مسيرة الغيبة والنميمة وقد لا يخلو يوم من أيامه إلا وهو مجترح لهذه الكبيرة أو تلك، أعاذنا الله من ذلك.

والحاصل: ان على الإنسان ان يكون حساساً جداً ليس فقط تجاه البقاء على نفس المستوى الإيماني السابق بل وحساساً جداً على ان يتجذّر إيمانه ويتعمّق وان تزداد معرفته بالله ورسله وأوصيائهم وتتوسّع.

شواخص التقدم معرفياً ومعنوياً

وكما نجد في الدراسة الحوزوية أو المدرسية ضابطاً تتميز بِهِ وعبرَهُ مراحلُ النمو والتقدم من الصف الأول إلى الثاني إلى العاشر وهكذا، فانه يجب ان يضع المرء لنفسه ضابطاً معرفياً وضابطاً معنوياً أيضاً.

والضابط المعرفي هو: ما يمكن قياس مدخلاته ومخرجاته، فمن شواخصه مثلاً ان يطالع يومياً على الأقل آية ورواية واحدة في أصول الدين بتدبر وإمعان وتفكر واعتبار، ويمكنه اتخاذ (مرآة العقول) مصدراً أساسياً له.

والضابط المعنوي: ان يراقب نفسه كل يوم: فكم مرةً استحضر رقابة الله تعالى عليه في هذا اليوم؟ وهل ازداد من الله تعالى خوفاً؟ وهل ازداد له – من جهة أخرى – حُبّاً؟ والاستمرار على ذلك صعب جداً فان الحالات المعنوية هي كالزئبق سريعة الانفلات فتحتاج إلى رقابة دائمة مستمرة وإلى دعاء مستمر مؤكد بـ(اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) فكما ان أصل الهداية كانت من الله تعالى فكذلك تكون درجاتها ومراتبها بلطف منه وبجوده وكرمه الا ان سعي العبد لذلك ضروري إذ ورد عن أبي عبد الله عليه السلام: ((أَبَى اللَّهُ أَنْ يُجْرِيَ الْأَشْيَاءَ إِلَّا بِأَسْبَابٍ فَجَعَلَ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ سَبَباً وَجَعَلَ لِكُلِّ سَبَبٍ شَرْحاً وَجَعَلَ لِكُلِّ شَرْحٍ عِلْماً وَجَعَلَ لِكُلِّ عِلْمٍ بَاباً نَاطِقاً عَرَفَهُ مَنْ عَرَفَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ ذَاكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه واله وسلم وَنَحْنُ))(18) وقد جرت سنته تعالى على (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى)(19) فكلما اهتديت إلى مرتبةٍ ودرجةٍ ونوعٍ زادك الله تعالى ورفعك إلى نوعٍ ومرتبةٍ ودرجةٍ أخرى، فإذا عرفت قيمة هذه النعمة الجديدة وبذلت جهداً أكبر زادك الله أكثر فأكثر.

اننا عندما نكرر (اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) نطلب إضافة إلى ان يمنّ الله تعالى علينا بديمومة الهداية للصراط المستقيم، إضافة إلى ذلك نطلب الهداية إلى الدرجات العليا من الهداية للصراط المستقيم وإلى ان نرتقي يوماً بيوم في مدارج الكمال الروحي والسمو النفسي والقرب إلى الله تعالى أكثر فأكثر.

ولو اننا عرفنا اللذة الروحية العظمى التي يحظى بها أولياء الله وهم في الدرجات العليا من القرب إلى الله والمعرفة، لاستصغرنا أنفسنا إلى أبعد الحدود.. ويكشف عن ذلك إن الإنسان ليستشعر التضاؤل إذا وقف أمام أحد أولياء الله.. تصوروا انكم لو اكتشفتم فجأة ان جاركم أو زميلكم أو هذا العالم أو ذلك الخطيب أو هذا المزارع أو البقال أو الخادم هو ولي من أولياء الله تجري الكرامات على يديه، وانه ينظر مثلاً بالعين البرزخية وانه يعلم علم المنايا والبلايا، كما كان سلمان المحمدي يعلم، ويقرأ في جبينكم كل مراحل حياتكم ومسيركم ومصيركم.. ألا تحسون حينئذٍ بتضاؤل كبير؟ وألا تشعرون له بإكبار وإعظام منقطع النظير؟

وتصوروا لو انكم لو كشف لكم الغطاء مثلاً فجأة فوجدتم ان أحد من تعرفون في المسجد أو المدرسة أو الحسينية، عندما يسبِّح تُسبِّح معه السماوات والشمس والقمر والأرض والجبال والأشجار والاقمار والاطيار.. فأية هزة روحية عنيفة تعتريكم وأنتم تشاهدون ذلك المنظر؟

ثالثاً: طلب الهداية التكوينية

اننا عندما نكرر (اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) فاننا نطلب بذلك من الله تعالى الهداية التكوينية بعد الهداية التشريعية أي بعد الاهتداء إلى طريق الحق وتمييزه عن الباطل وإلى الواجب والحرام والهدى والضلال، نطلب ان يتفضل الرب علينا بالهداية التكوينية أيضاً.

من تجليات الهداية التكوينية، التوفيق، عكس الخذلان

وللهداية التكوينية معان وتجليات ومنها التوفيق الذي يقابله الخذلان.

وتوضيح ذلك: ان الهداية على قسمين:

الأول: إراءة الطريق.

الثاني: الايصال إلى المقصود.

فقد يسألك أعمى عن الطريق فتقول له أذهب إلى اليمين ثم واصل المسير بمقدار ألف خطوة ثم انحرف يساراً.. وهكذا فهذا هو إراءة للطريق، وقد تمسك بيده حتى توصله إلى المقصود.

والإنسان بحاجة إلى كلا القسمين من الهداية، والقسم الأول قد تحقق بإرسال الرسل وإنزال الكتب وبالقرآن الكريم وكلمات المعصومين عليهم السلام فبمجرد وجود القرآن الكريم ونهج البلاغة والصحيفة السجادية وسائر الأحاديث بيننا فقد تمّت الحجة علينا وجرى الإبلاغ النوعي وإراءة الطريق.. ولكن هل يكفي ذلك لكي نكون من أولياء الله؟ بل هل يكفي لأن يهتدي بذلك أكثر الناس؟ والجواب كلا.. ألا ترون ان أكثرنا لم يقرأ الصحيفة السجادية كلها طوال عمره بتدبر وإمعان؟ وألا ترون أكثرنا لم يقرأ نهج البلاغة بدقة واستيعاب؟ بل ألا ترون أكثرنا لم يقرأ القرآن الكريم بتبصر وتفهم؟ لماذا؟ فمع اننا نذعن بان هذه الكتب هي أعظم الكتب المقدسة على الإطلاق ونؤمن بان فيها مفاتيح النجاح في الدنيا ومفاتيح الفلاح في الآخرة، مع ذلك قد تمضي علينا عشرون سنة أو خمسون أو ستون ونحن لم نقرأها لا لعدم قدرتنا على القراءة مثلاً بل للانشغال بهوامش الحياة الدنيا: من الحضور في مجالس البطالين.. إلى مشاهدة البرامج التلفزيونية.. وإلى الزيارات المطولة غير الضرورية.. إلى التسكع في المحافل أو الشوارع أو الأسواق.. وإلى النوم غير الضروري والسفرات الترفيهية.. إلى غير ذلك!

لماذا ننشغل بالهوامش، ونتناسى أعظم الكتب المقدسة؟

فلماذا إذاً نترك بذل الوقت على أعظم الجواهر الربانية لننشغل بغير المهم بل بالتوافه من الأمور؟ لماذا؟ هل لأننا لا نعلم؟ كلا.. هل لأننا شاكّون؟.. كلا.. هل لأن البدائل التي تفوّت علينا القرآن والنهج والصحيفة هي بدائل اضطرارية لو لم ننشغل بها لهجم العدو علينا مثلاً واحتل بلادنا وسفك دماءنا؟ أو هل لأننا لو انشغلنا بها لأدى ذلك إلى تهشّم عظامنا وقطع أيدينا وفقأ أعيننا؟ كلا، ثم كلا وكما هو واضح، بل القارئ للقرآن والنهج والصحيفة بتدبّر وتبصّر وتفكّر واعتبار يكون الأفضل والأقوى والأكمل.. ويكون هو الحائز على المكرمات من أطرافها.. ويكون هو الأقرب لأن يحظى بالأمن والحفظ والتقدم والازدهار؟

فلماذا، إذاً، نجد أكثرنا معرضاً عن الانكباب، ولو ساعتين يومياً، على القرآن والنهج والصحيفة وتحف العقول وأصول الكافي والاحتجاج وشبهها؟ الجواب ما ذلك – في معظمنا – إلا للخذلان وسلب التوفيق، والتوفيق هو الهداية التكوينية التي نتحدث عنها الآن ونطلب من الله تعالى بإلحاح ان يمنحناه في دعائنا بإصرار إذ نكرر ثمّ نكرر الدعاء (اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) أي هدايةً تكوينية بالتوفيق لما تحب وترضى إضافة للهداية بمجرد إراءة الطريق.

إشارة لفقه رواية الإمام الصادق عليه السلام

وفي رواية الإمام الصادق عليه السلام الآتية إشارات عديدة للمعاني السابقة:

قال: ((قَالَ يَقُولُ أَرْشِدْنَا إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، أَرْشِدْنَا لِلُزُومِ الطَّرِيقِ الْمُؤَدِّي إِلَى مَحَبَّتِكَ وَالْمُبَلِّغِ إِلَى دِينِكَ وَالْمَانِعِ مِنْ أَنْ نَتَّبِعَ أَهْوَاءَنَا فَنَعْطَبَ أَوْ نَأْخُذَ بِآرَائِنَا فَنَهْلِكَ))(20).

فقوله عليه السلام: ((أَرْشِدْنَا إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ)) إشارة للهداية بمعنى إراءة الطريق.

وقوله عليه السلام: ((أَرْشِدْنَا لِلُزُومِ الطَّرِيقِ)) إشارة للعلّة المبقية والديمومة على الهداية، وقد يكون إشارة للمراتب التشكيكية للعليا والإرشاد لها مرة بعد أخرى في قوله عليه السلام: ((الطَّرِيقِ الْمُؤَدِّي إِلَى مَحَبَّتِكَ وَالْمُبَلِّغِ إِلَى دِينِكَ)) نظراً إلى ان محبة الله تعالى ذات مراتب لا متناهية وان البلوغ إلى دينه درجات وأنواع، فلزومه مساوق للتكامل والصعود والترقي دائماً وأبداً. فتأمل

وقوله عليه السلام: ((وَالْمَانِعِ مِنْ أَنْ نَتَّبِعَ أَهْوَاءَنَا فَنَعْطَبَ أَوْ نَأْخُذَ بِآرَائِنَا فَنَهْلِكَ)) إشارة للهداية التكوينية لظهور قوله عليه السلام: ((المَانِعِ)) فيها لكن لا عن جبر بل مع حفظ الاختيار وهو المسمى بالتوفيق فانه مانع اقتضائي وليس علّياً.

ولعلنا نفصّل الكلام عن هذه الرواية ونظائرها لاحقاً بإذن الله تعالى.

الشيخ المفيد والرؤيا المذهلة

ولنختم بقصة شهيرة تكشف جانباً من الهداية التكوينية الإلهية والتوفيق الرباني:

فلقد كان الشيخ المفيد قدس سره من أعظم علماء الإسلام بل كان في زمانه الأفقه الأعلم وكان زعيم الشيعة في وقته، وذات ليلة شاهد في المنام السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) تدخل عليه وهي آخذة بيديها الكريمتين الحسن والحسين (صلوات الله عليهما أجمعين) ثم قالت له: يا شيخ علّمهما الفقه!

استيقظ الشيخ المفيد وهو منذهل لهذه الرؤيا ومتحير في تأويلها إذ ما معنى ان تطلب منه بضعة الرسول ان يعلّم الحسن والحسين الفقه؟ وظلّ الشيخ المفيد حائراً متفكراً.. ثم ذهب صباحاً إلى المسجد الذي كان يدرّس فيه العلماء في منطقة الكرخ ببغداد.. وبينما هو منشغل مع الطلاب والناس.. وإذا بإحدى العلويات المعروفات من أهم الأسر الفاطمية وهي فاطمة بنت الناصر تدخل عليه وبيدها ولداها الصغيران محمد وعلي (الشريف الرضي والسيد المرتضى) فقام واستقبلها بحفاوة، كونها امرأة فاضلة من أسرة فاضلة شريفة ومن أحفاد علي والزهراء عليهما السلام، فقالت له: يا شيخ علمهما الفقه! وهنا انفجر الشيخ المفيد بالبكاء إذ عرف التأويل الواضح لرؤياه.. وكان ذلك هو السبب في ان يتقبلهما الشيخ المفيد بقبول حسن وان يتعهد تربيتهما على أفضل وجه ان يبذل قصارى جهده ليبزغا في سماء العلم والأدب والمعرفة.. وهكذا كان..

والشاهد هو في الهداية التكوينية الإلهية التي دفعت الشيخ المفيد، وهو المرجع والأستاذ الكبير والذي لا يعقل عادة ان يتقبل تربية طفلين صغيرين بل كان مقتضى القاعدة ان يُرجع الأمر إلى أحد تلاميذه بل كان يكفي الإرجاع إلى أحد تلامذة أحد تلامذته.. ولكن الله هداه بالرؤيا الصادقة، هداية تكوينية ليعرف الأصوب والأفضل له وللولدين وللشيعة على مر التاريخ.

ومن الواضح ان الرؤيا في حد ذاتها ليست حجة.. ولكنها إذا طابقت القواعد العامة الصحيحة كانت من المبشِّرات، وإذا كان تعبيرها جلياً واضحاً كانت من المؤيدات.

من مصاديق الهداية التكوينية لطلاب الحوزة

ونحن بأحوج ما نكون إلى الهداية التكوينية بمختلف مراحلها وأنواعها.. تصوروا لو ان أحدكم جاء إلى الحوزة العلمية فاحتفى به أحد العلماء الأبرار واحتضنه وأهتمّ به وبرمج له دروسه وهَنْدَس له كتب المطالعة والمذاكرة والمباحثة وعرّفه على ثلة من الأصدقاء الصالحين، فانه يكون حينئذٍ ممن حظي بهذا الحظ والنصيب من الهداية التكوينية.. لكنه لو دخل الحوزة فلم يهتم به أحد ثم بدأ رحلة التجربة والخطأ في الدراسة عند هذا أو ذاك والصداقة مع هذا أو ذاك وغير ذلك.. فقد يكتشف بعد زمن انه اخطأ كثيراً وأضاع كثيراً من حظوظه بالدرس عند هذا لسنين دون ذلك الآخر الأعلم الأتقى الأفضل أو بالصداقة مع ثلة كانت تجره بعيداً عن الجادة بدل ان تعينه على نفسه.

وللكسبة والتجّار

وكذلك التاجر أو الكاسب فانه تارة يبذل قصارى جهده في التجارة أو الاستثمار لكنه لا يوفق في مسيرته التجارية أبداً.. أو ينجح حيناً دون آخر.. وتارة أخرى تكون تجارته مباركة وتفتح له أبواب الرزق من حيث يحتسب ومن حيث لا يحتسب وإذا به يحصل على (لقطات) تجارية لم تكن تخطر على باله، أو يقيّض الله له مدير أعمال ذكي وشهم ومدبر أو يضع أمامه بتسبيب إلهي شريكاً ناجحاً أو يمهد له للتعرف على أنماط جديدة من التجارة أو على أطراف أخرى تدير العمليات التجارية بكل حرفية ودقة وإبداع ومهارة.

وهكذا الأمر في كافة مجالات الحياة.

ولذلك كله ولغيره أيضاً مما سيأتي كان علينا ان نبتهل إلى الله تعالى دائماً قائلين (اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) فإذا دعونا الله تعالى حقاً وبصدق وانقطاع وبإلحاح وإصرار ووسّطنا سادات الكون وأئمة الورى فان الله بلطفه وكرمه سيغير سوء حالنا بحسن حاله، أو ينقلنا من نجاح إلى نجاح أعظم ومن خير إلى خير أكبر ومن مرحلة من مراحل الهداية إلى مرحلة أسمى وأعلى، وما ذلك على الله بعزيز.

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين

* سلسلة محاضرات في تفسير القرآن الكريم
http://m-alshirazi.com

.................................
(1) سورة الفاتحة: آية 6.
(2) سورة الروم: آية 7.
(3) سورة الأعراف: آية 176.
(4) الإمام الحسن العسكري عليه السلام، تفسير الإمام العسكري عليه السلام، مدرسة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف - قم، ص44.
(5) مذكور في بعض الكتب انه من وسائل الشيعة ولكن بحثنا في وسائل الشيعة في نفس الباب ولم نعثر عليه.
(6) الشيخ الطوسي، التهذيب، دار الكتب الإسلامية – طهران، ج6 ص292.
(7) سورة الروم: آية 59.
(8) سورة فاطر: آية 8.
(9) الشيخ المفيد، كتاب المزار، المؤتمر للشيخ المفيد – قم، ص159. الشيخ الطوسي، مصباح المتهجد، مؤسسة فقه الشيعة – بيروت، ص194.
(10) سورة النحل: آية 77.
(11) سورة إبراهيم: آية 17.
(12) سور آل عمران: آية 133.
(13) سورة الواقعة: آية 89.
(14) سورة السجدة: آية 17.
(15) علي بن إبراهيم بن هاشم القمي، تفسير القمي، مؤسسة دار الكتاب – قم، ج1 ص28.
(16) الشيخ الصدوق، معاني الأخبار، مؤسسة النشر الإسلامي – قم، ص32.
(17) الحسن بن شعبة الحراني، تحف العقول، مؤسسة النشر الإسلامي – قم، ص284.
(18) ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية – طهران، ج1 ص183.
(19) سورة مريم: آية 76.
(20) لشيخ الصدوق، معاني الأخبار، مؤسسة النشر الإسلامي – قم، ص33.

اضف تعليق