"إن السيادة تُسْتمدّ من الشعب (..) بيد أنه كثيرا ما يُساء استخدام هذا المبدأ. ففي بعض الحالات تَسْتخدم البلدان القويّة حقّها المزعوم في السيادة مصلّت على رقاب البلدان الضعيفة"
ـ لجنة "إدارة شؤون المجتمع العالمي" ـ

1 ـ السيادة كمفهوم سيادي:

إنّ الحديث عن السيادة، حديث عن أحد المفاهيم الكبرى/الجوهريّة في القوانين الدوليّة، وفي السياسة العالميّة.

غيْر أنّ الحديث عن "السيادة"، ووضْع هذا المفهوم على طاولة التشْريح، يتطلّب سحب مفاهيم أخرى إلى المخبر النظري للاستعانة بها على مقاربة معاني "السيادة" وشروطها.

ولعلّنا لا نُجانب الصواب حين نسْتدعي مفهوم "الحريّة" كأحد المفاهيم الجوهريّة الحاضرة بكثافة ـ الآن ـ في ظلّ ما يشوب السياسة الدوليّة من فوضى وارْتباك، جعل مفهوم "الحريّة" محلّ شكّ وإعادة مراجعة.. مراجعته كمفهوم، أو كتطبيق.

وهذا الشكّ دعّم شكوكا أخرى في مصداقيّة المبادئ الإنسانية التي تنادي بها المنظمات الدوليّة التي لم تعدْ قادرة على حمايتها. وهو ما مهّد الطريق لانتهاك سيادة الدول، من قبل دول أخرى ذات سيادة بحثا عن مصالح اقتصاديّة وسياسيّة.

من منطلقنا هذا سنتعرّض للحريّة لدى الفرد، وعلاقة هذا الأخير بالدولة والقانون. ثمّ نتطرّق لمفهوم "السيادة" من حيث شروطها، ومطابقة هذا المفهوم مع الواقع الدولي الراهن. دون أنْ نتغافل عن الدواعي التي تجعل من الدفاع عن الوطن أمرا واجبا وحتميا.. إنها "ثقافة المقاومة"، كفكر يقوم على الاستعداد للتضحية من أجل سيادة الوطن، بعد أنْ كنا أعددنا المواطن وسلّحناه بمفاهيم "الوطنيّة" و "التسامح" و "الاعتراف بالآخر".

كل ذلك في سياق الانتباه للخطر الذي يترصد بالعالم العربي الإسلامي منذ بداية الاستعمار الكولنيالي، وتواصل إلى الآن متخذا أشكالا أخرى، وميكانيزمات مختلفة ومتغيرة.

وقد استطاع العالم الغربي مدعوما بنظرياته الرأسمالية و الإمبريالية العالمية والصهيونية أيضا.. استطاع أن ينتج فكرا يوظفه للسيطرة على الآخر وعلى ثرواته ومدخراته. لذلك سعت تلك القوى إلى ضرب هوية تلك الشعوب ومساعدة تيارات وأحزاب وميليشيات وحتى أنظمة للتشكيك في تلك الهويات وتشويهها وضربها. حتى يمهد الطريق لانتشار الفكر الرأسمالي الذي قوامه السيطرة والنهب. لذلك جاءت العولمة كإيديولوجيا ساعدت وتساعد على تحقيق تلك الأهداف.

2 ـ الحريّة أولا:

في البدء كانت الكلمة.. كان الكلام.. وكان اللسان..

و اللسان ليس كما شاع تعريفه بيننا على أنه تلك القطعة من اللحم الزائدة التي تلغّ في الأفواه.

فاللسان هو مجموع العلامات والروابط المكوّنة للكلام. فهو متعال عن الأفراد لأنه من إنتاج المجتمع. في حين أنّ الكلام هوّ الاستعمال الفردي للسان والمتمثّل في اختيار الفرد لمجموعة من العناصر، وربطها وفق علامات فكريّة واجتماعيّة ونفسيّة.

فإذا سلّمنا بالأهميّة الكبرى التي للدراسات اللسانيّة المعاصرة في الكشف عن طبيعة اللغة واللسان، وتعيين وظائفهما بما جعل هذا التوجّه الجديد مؤشرا على حدوث ثورة كوبارنيكيّة في معالجة مسألة اللغة.. فإنه لا يترتّب عن هذا التسليم الإقرار بأنّ اللسانيات (علم اللغة) قد تمكّنت فعلا من اسْتنفاذ ما يجب أنْ يقال عن هذا الذي أعتبر به الإنسان إنسانا، منذ أنْ أعلن فلاسفة الإغريق عن حقيقة الإنسان باعتباره كائن اللوغوس (كائن عاقل).

بمعنى أنّ الإنسان هوّ الكائن الوحيد المتمتّع بصفته تلك. حتّى وإنْ أثبتت اللسانيات أنّ بعض الحيوانات التي تعيش في مجموعات لها لغتها الخاصة (النمل.. النحل..).

ولعلّ المنعطف الذي شكّلته البحوث اللسانيّة السوساريّة وما بعد السوساريّة، والذي سمح لها بإنتاج قول مخصّص على الألسن البشريّة، قد كان في نفس الوقت منطلقا لمحاولة البلوغ بهذا القول إلى مستوى الحقيقة العلميّة.

وباتّخاذ موقف نقديّ إزاء بعض مبادئه النظريّة، وصياغته الإبستمولوجيّة إلى ما صاحبه من صمت وما لازمه من آليات إقصاء واسْتبعاد وتهميش.

وإذا مثّلت اللسانيات دعامة من دعائم الأنثروبولوجيا الجديدة، فإنّ المشروع الأنثروبولوجي بما هوّ اسْتنطاق للواقع الإنساني واسْتشراف لمعالم رؤية جديدة للإنسان، فإنه مرتبط بالمساءلة الفلسفيّة التي انطلقتْ مع اللحظة الأفلاطونيّة في محاورة "كراثيل".

وتواصلتْ حاضرة حضورا ملحّا فــي كتابات هيدغيــر الفلسفيّة وبحوث فتجنشتاين، وتحاليل فلاسفة اللغة. وقد تسلّحوا بعلم المنطق المعاصر في محاولة اقتحام حصون اللغة الحصينة.

كما تَبيّن أنّ موضوع اللغة لا يختصّ به اللسانيّ ولا المنطقيّ ولا الفيلسوف.. بل تزايد الوعي بأهمّية هذا الموضوع وبضرورة معرفته معرفة دقيقة، والتي تعمّق الإحساس بأنّ الفلسفة كرؤية متجدّدة للعالم لها شرعيّتها في الكشف عن مفاجأة اللغة، وفي إقامة ضرب مـن ضروب الجدليّة بين ما تُقيمه الدراسات الموضوعيّة (الألسنيّة) وما بإمكان الفلاسفة الاهتداء إليه، بالبحث في الكلمات وبالكلمات.

...هذا بغرض الكشف عن علاقة اللغة بالذات وعلاقة الذات بالآخر وبالعالم.

ولاحظوا كيف أنّ اللسانيات والفلاسفة وحتّى الكتاب والشعراء، ركّزوا على اللغة أكثر من "اللسان"، باعتبار أنّ اللسان هوّ صناعة منظومة اجتماعية شاسعة وممتدّة في المكان والزمان.

أمّا الكلام فهو الاستعمال الفردي للسان.. استعمال تحضر فيه الذات المتكلّمة وذات/ذوات المخاطب والعالم المادي والرمزي.

فالحديث عن اللسان هنا، حديث عن العلاقات المنطقيّة والاعتباطية التي تربط الدوال بالمدلولات. كما يتعلّق الأمر بالعمر الكرونولوجي للسان والظواهر الاجتماعية والسياسيّة المؤثّرة في اللغة واللسان.

ومن ضمن هذه الظواهر الاجتماعية والسياسيّة، مفهوم "الحريّــة".

فالكلام باعتباره الاستعمال الفرديّ للسان، يحتاج إلى هامش من الاستقلالية والحريّة، والتي تسْمح له بالتعبير عن ذاته المتكلّمة كما تريد وكيفما تريد وأينما تريد. فلا يمكن ـ حتما ـ الحديث عن تعبير حقيقي عن الذات المتكلّمة، إلا إذا تحقّقت لها تلك الحريّة المطلقة لتقول ما تشاء.

لكنّ مفهوم الحريّة مفهوم من الصعب تحديده، وإنْ توفّرت النوايا الحسنة، باعتباره مــن المفاهيم "القيميّة" التي تتوفّر على كمّ هائل مــن الزئبقيّة والمراوغة.

لهذا نسْأل، هل من الضروري أنْ نضع تعريفا للمفاهيم وللقيم مرّة واحدة وإلى الأبد؟

ومن له كامل الأحقّيّة والمشروعيّة ليضع هذا التعريف؟

ثمّ ما هيّ الشروط الواجب توفّرها في الشخص أو الهيئة أو اللجنة التي تقوم بهذا العمل؟

و إنْ تمّ الاتفاق على تعريف موحّد، هل سيكون حائزا على أغلبيّة الأصوات؟ وهذه الأصوات التي تبنّتْ هذا التعريف، هل ستبْقى محافظة على نفس موقفها؟

إذن، في تناولنا لهذه الإشكاليات، من الضروريّ وضع مقولة توماس هوبز على طاولة التشريح:

"صحيح أنّ كلّ فرد يتمتّع خارج المجتمع المدني بحريّة تامة غيْر منقوصة، ولكنّها حريّة غير مثمرة"(1)

بمعنـــى؟

بمعنى لا بدّ أنْ تتنزّل الحريّة الحقّة ضمن المجتمع المدني، وإلا كانت هذه الحريّة هيّ الشرّ المتأصّل في الإنسان والرغبة في الهيمنة على الآخر.

إذن تمّ الاتفاق في أدبيات هوبز على أنّ الحريّة يجب أنْ تُقنّن وتوضع لها الشروط المثلى لننعم بحكمتها. هذه الشروط هيّ التي يفرضها ما يسمّى المجتمع المدني.

اتضح إذنْ في ملامسة أولى لخيوط الأفكار أنّ المجتمع المدني هوّ الذي يتمتّع بكامل الحريّة ليضع تعريفا "للحريّــة".

فما المجتمع المدني؟

من/ما هي الأطراف الفاعلة فيه، والتي لها كامل القدرة على التعامل مع مفهوم الحريّة؟

وهنا نلتقي مع الإشكال الذي طرحناه سابقا:

من له كامل الأحقيّة ليضع تعريفا للحريّة؟

إنّ المجتمع المدني مفهوم اتّضحتْ معالمه وخطوطه الكبرى والدقيقة مع الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي. بعد أنْ تعرّض له بالطرح كلّ من الفيزيوقراطيين خلال القرن 18 بفرنسا، وعالجه هيجل وماركس. كما واصل الحديث عن هذا المفهوم العديد من المفكّرين والفلاسفة، لعلّ أهمّهم المفكّر الاجتماعي السياسي الألماني ماكس ويبرو. والفيلسوف الأمريكي "جون روس".

فغرامشي، هوّ الذي بيّن معالم المجتمع المدني باعتباره المضمون الأخلاقي والأدبي والفكري للدولة.

وأوضح غرامشي أنّ الدولة تُقْدم عل تأسيس هياكل ومؤسسات متخصّصة، خاصة في مجاليْ المؤسسات التعليميّة والدينيّة بغرض دعم سلطتها ونفوذها وبسط هيمنتها التي هيّ بالضرورة هيمنة الطبقة الحاكمة أو المسيطرة على مدّخرات البلاد وشؤونها، وتسيير دواليبها. هذا بغرض التأسيس لثقافة وطنيّة، هدفها الدفاع عن سيادة الدولة.

"لقد أصبح المجتمع المدنـــي عنده يعني قبل كلّ شيء ما فــــي البنية الفوقيّة مـــــن مؤسسات فكريّة إيديولوجية يتمّ إنشاؤهــا واسْتعمالها لنشر الهيمنة الإيديولوجيّة"(2)

يُضاف إلى ذلك أنّ الدولة تسْتعين "بميكانيزمات" أخرى لتُثبّت تلك الهيمنة، كمؤسسة الشرطة والجيش والمخابرات وحتّى الهياكل الحزبيّة التي تتبنّى دور أجهزة الشرطة. هذا في الحالة التي يختلط في نفس الدولة المدني بالسياسي. بمعنى "المطابقة بين الحزب والدولة"(3).

هذه المطابقة تحصل دائما في الدول الأكثر تخلّفا والأقلّ ديمقراطيّة. والتي عادة ما يسيطر فيـها حزب واحـد على كلّ شؤون الحياة السياسيّة. ومـا عداه مـن أحزاب " معارضة" أو هكذا تسمّى، ليست إلا ديكورا لتجميل المشهد السياسي.. أيْ للاستهلاك الداخلي وتلميع صورة الدولة خارجيا.

"وفي هذه الحالة يتكلّم الحزب كما يتكلّم الأب المتسلّط باسم أبنائه، مع افتراض أنهم يفكّرون كما يفكّر، وبافتراض أنّ رأيهم المخالف هوّ بالضرورة مَسّ بشرعيّة سلطته" (4)

إنّ ما يحكم المجتمع المدني، هي المفاهيم التالية:

القانون + دولة + السيادة

"فدولة القانون" تتشكّل عندما يكون القانون هوّ سيّد الأشياء. وأنْ لا شيء يمكن أنْ يعلو عليه.

وإنْ كنا نلاحظ الكثير من الخروقات في الدول المتخلّفة، خاصة من قبل أصحاب العائلات المالكة والحاكمة وأصحاب النفوذ المالي والسياسي.. وهم الذين يضغطون بطرق مختلفة لتغيير القانون أو تحويره أو تعديله أو حتّى إلغائه خدمة لمصالحهم.

وهذا يعني أنّ هذه المجتمعات مقنّنة (يحكمها القانون)، ولكن هذا القانون يعدّ امْتدادا للصراع السياسي بين الطبقات أو بين الأحزاب.

عكس المجتمع المدني الذي يكون فيه القانون خاضعا لوفاق جماعيّ.

"فهذه المجتمعات المدنيّة تتميّز بأنّ لها أسسا ثقافيّة وحضاريّة واجتماعيّة وسياسيّة متّفق عليها ومقنّنة، ويعمل كلّ من الأطراف المعنيّة على احترامها (...) في حين أنّ في المجتمعات السياسيّة، القانون وراءه رجل الشرطة. وهذا ما يسمّيه بعض المفكّرين القانونيين"(5).

هنا تحديدا يجب الحديث عن مفهوم "الاستقلالية"، باعتباره المفهوم الأهمّ/الأولي نحو الحديث عن مجتمع مدني. إننا لا يمكننا الحديث عن مجتمع مدني دون الإشارة إلى ضرورة اسْتقلال الفرد عن المجتمع، واسْتقلاله أيضا عن الدولة.

فالفرد هوّ الركن الأول لتأسيس دولة ما. وهو كذلك الكائن الموجود السابق على القوانين والتشريعات.

لذلك وحتما، يجب أنْ تُسنّ القوانين لخدمته. ثمّ أنّ هذا الفرد لا بدّ أنْ يتّصف بالإرادة والحريّة، ويدافع عن قانون يوفّر له حريّة التفكير والاجتماع والتحزّب، ويحمي حرمته الجسديّة ومسكنه وأسرته ومراسلاته و...

هذا دون أنْ ينصهر الفرد انصهارا كليّا في الدولة، فيفقد خصوصياته وهويّته وشخصيّته. وإنما ينخرط في المجتمع كجزء من آلة. يلتزم وفق عقد أخلاقيّ أنْ يساهم في " تأسيس الجماعة المدنيّة وتأمينها "(6).

بالمثل يجب أنْ يحافظ الفرد على مسافة ما/اسْتقلاليّة عن الدولة باعتبارها مجموعة من المؤسسات التي تدعم سلطتها ونفوذها.

فالدولة إذا عمدتْ إلى سحق الفرد ـ وبالتالي المجتمع ـ تحت أجهزتها القمعيّة، فإنها ساهمت من حيْث لا تدري في الإخلال باسْتقلاليتها. وبالتالي عدم ضمان أنْ يكون الفرد له القدرة والاستعداد تحت سقف "الواجب الوطني" للدفاع عن سيادة دولته كلما كانت تلك السيادة مهدّدة أو وقع انتهاكها.

كيف؟

من الطبيعي أنْ يقبل الأفراد هذا الوضع اللاديمقراطي لمدّة ما قدْ تطيلها قوّة أجهزة الأمن والرقابة. ولكن المدّة قد تنتهي وينتهي معها صبر المواطن على الدولة.

فيتظلّم ويشتكي للمنظّمات الدوليّة والحقوقيّة منها. وقد تتضاعف بالموازاة ولادة خلايا وتنظيمات إرهابيّة ذات بعد دينيّ أو طائفيّ. هذا طالما أنّ الحركات النقابيّة والحقوقيّة والتقدّميّة، في الداخل لا تجد متنفّسا للعمل والاحتجاج بفعل القمع الداخلي والحصار والتصفية.

فالفرد الذي تصبح حقوقه مهمّشة وغيْر مضمونة وملغاة، في ظلّ جهاز قانونيّ متَلاعَب بشرْعيّته.. هذا الفرد يعقد علاقات "تضامن" غيْر مقنّنة مسْبقا (اعتباطيّة) مع أفراد آخرين، بغرض التصدّي لهذا الوضع عبْر العصيان ومن ثمّ "الثورة" التي تولد كحالة "تضامن" مقنّنة وغيْر اعتباطيّة. فثورة ما ممكنة، عندما يُصاب الوضع القانوني بأزمة تسْمح للوضع اللاقانوني بالظهور والاشتغال كما يبيّن ذلك فتحي المسكيني.

هذا دون أنْ ننسى أنّ هذا الوضع من شأنه أنْ يخلق فئات وأحزاب وتيارات وشخصيات سياسيّة من شأنها أنْ تسْتنجد بالآخر الغربي للتدخّل ضدّ دولها.

وهذه التجربة ماثلة أمامنا بوضوح في الحالة العراقيّة واللبنانيّة، وربما في حالات دول عربيّة أخرى.

وإنّ كنا لا نتّفق مع توجّهات هذه الفئات، إلا أنّ الوضع السياسي في الوطن العربي ساعد على تفريخ مثل هذه الأحزاب التي لم تجدْ متّسعا من الحريّة في أوطانها كي تقول وتعبّر وتنقد وتقدّم البديل السياسي والاقتصادي والثقافي...

إذن، نؤكد ثانية أنّ "الاستقلالية" يجب أنْ تتوفّر في علاقة الفرد بالمجتمع وبالدولة.

لأنّ هذا الهامش من الاستقلالية قد يسمح لكلّ طرف من الأطراف الثلاثة أنْ تؤدّي واجبها وفق القانون.وتقوم بواجباتها ـ بالمثل ـ وفق القانون.

هذا الوفاق الجماعي داخل دولة ما، هوّ الذي يصنع مفهوم "السيادة" أو يقوّي حضورها.

فالسيادة تُسْتمدّ من الشعب.. سيادة هيّ عبارة عن سلطة تُمارَس باسمه (الشعب) ونيابة عنه ومن أجله.

فما هي السيادة؟

3 ـ السيــادة: تعريفها وتجلياتها

السيادة، كما عرّفها نصّ تقرير لجنة "إدارة شؤون المجتمع العالمي" في نوفمبر 1994، هيّ "المبدأ القائل بأنّ الدولة لها السلطة العليا على جميع الشؤون الواقعة في نطاق الأراضي الخاضعة لسلطانها الإقليمي ـ هي حجر الزاوية في النظام الحديث القائم بين الدول" (7)

بما يعني أنّ السيادة تفترض وجود دولة حرّة مسْتقلّة لها حكومة منتخبة تمثّل شعبها الذي اختارها، ليمارس السلطة نيابة عنه ولأجله. وبالتالي فهذه الحكومة مسؤولة عن هذا الشعب الموجود في أرضه الإقليميّة.

ورغم هذا التعريف الأممي المتأنّق، من حقّنا أن نسأل التالي:

هل أنّ جميع الـدول ذات السيادة متساوية فـي الحقوق مـع الدول الأخرى الكبرى؟

وكيف يجوز انتهاك حرمة دول ذات سيادة ووفْق أي القوانين؟

صحيح أنّ "الوفـاق الجماعــي" داخل دولة ما، يعدّ العمود الفقري لاسْتقرارها وشرعيّتها.. غيْر أنّ هذا الوفاق ليس دائما هوّ الأهمّ. فكثيرة هيّ الحكومات التي تتوفّر على الوفاق الجماعيّ الداخليّ ووفق شرعيتها الداخليّة الدستوريّة، ومع ذلك تُنتهك سيادتها وفق منطق "القوّة".

هذا المنطق الذي له القدرة الخارقة على توليد الحجج المختلفة لانتهاك سيادة الدول.. حجـج شبيهة بتهديـد السلم العالمي ومكافحة الإرهاب ونشـر الديمقراطيات (خطة الشرق الأوسط الجديد..) مثلما يحصل الآن مع العراق الذي انتهكتْ سيادته. وحصل مع دول أخرى كالصومال وأفغانستان، وحتى دول لا تمثل تهديدا. وحتى هذا " التهديد" هو من زاوية أحادية ومصلحية تضع في الاعتبار المصالح السياسية والاقتصادية والحضارية للدول الكبرى واللوبيات النافذة في أروقة القرار الأمريكي أو الدولي.

بالمثل يمكن ملاحظة الحالة نفسها مع لبنان، هذه الدولة التي أمكن لها أنْ تخلق حالة فريدة من ممارسة السلطة في المنطقة العربيّة، بوجود كمّ هائل من الأقليات والطوائف وبثقل متقارب.. هذه التجربة لا يمكن أنْ تنجح داخل حيّز إقليمي يُراد منه أنْ يبقى على فوضاه، لتبقى المصالح الأمريكيّة ـ الإسرائيليّة قائمة. وذلك للحفاظ على فكرة عدم قدرة الأقطار العربيّة على بناء تجارب ديمقراطيّة ناجحة وليس هذا فقط، بل ناجحة على الطريقة الغربية.

إنّ حالة لبنان هذه، تجعله أنموذجا فريدا للديمقراطيّة، وأنموذجا مماثلا (وفي نفس الوقت) لانتهاك السيادة وفقدان تقرير المصير.

انتهاك سيادته من قبل إسرائيل المدعومة بالفيتو الأمريكي..

وفقدان تقرير المصير بسبب تدخّل دول الجوار وتحريك خيوط اللعبة وفق مصالحها السياسيّة والدينيّة، على غرار وجود عديد الأطراف الإقليمية ممثلة في أحزاب أو مؤسسات أو أقليات أو مال. دون أنْ ننسى الأطراف المحسوبة على الأمريكيين والإسرائيليين.

ندرك جيّدا أنه من العبث تفسير الأحداث الحاصلة في منطقة الخليج على أنها دواعي دينيّة (وإنْ كان صحيحا) وإنما هي دواعي اقتصاديّة لاقْتسام الثروة النفطيّة والاستئثار بها.

وندرك جيّدا ـ أيضا ـ أنّ ما يحرّك المارد الأمريكي نحو منطقة الخليج، هوّ مصلحته الجيوسياسيّة... مع ذلك لا بدّ لهذه الدول الأقلّ قدرة على المواجهة من حيْث مواردها وقدراتها، أنْ ترسّخ مفهوم الديمقراطيّة "لأنّ الديمقراطيّة ضروريّة جدّا إذا كنا نريد اسْتدامة التنمية على مرّ الزمن، كذلك لا يمكن دون التنمية أنْ توجد ديمقراطيّة" (8)

ليست الصدفة وحدها هيّ التي وضعتْ لبنان في هذا الموضع، ولكنها المصالح المتضاربة. بالرغم من أنّ لبنان أسس ما يمكن أنْ نسمّيه "بالمجتمع المدني" الذي يفترض بهذا المجتمع أن يقي ذلك النظام من خطر فقدان سيادته وانتهاك حرمته.

فالمجتمع المدني إذن، وحسب الأستاذ الصادق بالعيد "هوّ مجتمع يعيش فيه أعضاء في مسالمة في ما بينهم، والمبدأ الثاني هوّ أنّ المجتمع المدني يرتكز على الوفاق الاجتماعي وفي آن واحد على مبدأ الاتزان و (مع) هذا المجتمع..."(9) هذا المجتمع السياسي يجب أنْ يكون في خدمة المجتمع المدني، فيساعد على فصل السلطات الثلاث (التشريعيّة ـ التنفيذيّة ـ القضائيّة) وفصل الدولة عن الحزب الحاكم.

ويسْهل بالمثل تطبيق القانون الذي هوّ قانون مرسوم حسب "وفاق جماعيّ".

بتفكيكنا لمفهوم المجتمع المدني، نعود لنسأل:

من/ما هيّ الأطراف الفاعلة في المجتمع المدني، والتي لها كامل القدرة والمشروعيّة لتضع مفهوما للحريّة يساعد على بناء وطن له سيادة؟

هذا بافتراض أن لا سيادة للأوطان دون حريّة يتمتّع بها الأفراد داخلها.

إنّ طرحنا لهذا الإشكال، يحيل إلى مزالق خطيرة أخرى، لعلّ أهمّها إقرارنا أنّ مفهوم الحريّة مفهوم لم يتحدّد بعد أو هو مفهوم متعدّد التعريفات أو هوّ مفهوم نحتاج إلى تعديله كلّ مرّة.

فهل هذه الفرضيات صحيحة بحيث تقف ضدّ ثبوتيّة ما اعتنقْناها، مقرّينا بأنّ مفهوم الحريّة وقع تحديده، وأنّه ثابت لا يتغيّر.

إنّ الأطراف الفاعلة في المجتمع المدني، والتي لها كامل الأحقيّة في تحديد مفهوم الحريّة، هوّ الفرد نفسه.

وبالعودة إلى مقولة هوبز مرّة أخرى: "صحيح أنّ كلّ فرد يتمتّع خارج المجتمع المدني بحريّة تامة غيْر منقوصة، ولكنها حريّة غيْر مثمرة"(10)... بالعودة إلى هذه المقولة، يتأكّد مما لا يدع مجالا للشكّ أنّ" الحريّة التامة (و) غيْر المنقوصة "يتمتّع بها الفرد خارج أطر وقوانين المجتمع المدني. بمعنى أنّ الحريّة داخل منظومة المجتمع المدني، هيّ حريّة غيْر تامة ومنقوصة.

فما الذي يجعل هذه الحريّة كذلك؟

رغم أنّ العاميّ يعتقد أنّ الحريّة ستزداد اكتمالا بوجودها ضمن المجتمع المدني.

إنّ المجتمع المدني، يفترض وجود ما أسْميْناه "بالاستقلالية". هذه الاستقلالية تفرض مسافة ما بين المواطن والمجتمع والدولة. وهذه المسافة ما يجعل منها كذلك ويُبْقيها عل حالتها الطبيعيّة تلك، هو القانون.

القانون المكتوب (الوضعي أو الإلهي) والقانون الأخلاقي (يعني وقع الاتفاق عليه اجتماعيا، دون أنْ يُدوّن).

فالقانون المكتوب أو الأخلاقي، هو الذي يحدد تلك المسافة وشروطها ودوامها. وهي مسافة تختلف من مجتمع إلى آخر ومن طبيعة إلى أخرى ومن زمن إلى زمن آخر.. وهو قانون تمّ وضعه وفق الشرط التاريخي والحضاري والثقافي لتلك الدولة وذلك الشعب، وهو قانون من الضروريّ أنْ يُغاير أو يُخالف ـ وربّما يناقض ـ غيره من القوانين الوضعيّة الأخرى. وربّما هذا الذي يجعل هوبز يعتقد أنّ الحريّة داخل منظومة المجتمع المدني منقوصة.

فالمسافة التي تفصل تعامل المرأة مــع الرجل فـــي المجتمع الإسلامي

(الافتراضي أو الذي اُصطلح عليه كذلك) مغايرة تماما للمسافة التي تفصل بينهما في مجتمع أوروبي.

أما طبقيّا، فنفس العلاقة مختلفة بينهما عند الفلاحين في الجنوب الزراعي أو الصحراوي، كما تختلف بين المواطن من طبقة دنيا (الفلاح والعامل) ونظيره الرأسمالي.

بالمثل تختلف هذه المسافة وتتغيّر بعبورنا في الزمن (القرن الأول مثلا، والقرن 18، والقرن الحالي، و...) فالعلاقة داخل روسيا القيْصريّة ـ مثلا ـ ليْست هيّ نفسها داخل الإتحاد السوفياتي، ولا هي نفسها الآن.

والمثال ينطبق على كلّ الدول تقريبا.

إذن، داخل كلّ شكل من أشكال النظم السياسيّة، تقع صياغة قوانين وتعديل أخرى وحذف بعضها لتتلاءم مع الوضع الراهن، أو بالأحرى لتخدم مصلحة الطبقة المسيْطِرة. مثلما يحصل الآن مع القوانين الخادمة لمصلحة الرأسماليّة. وهو ما يدْعم فكرة السيادة التي تحتّم أنْ تسْتقلّ دواة ما باتّخاذ قراراتها التي تهمّ شعبها وتهمّ الحراك السياسي والثقافي والاجتماعي داخله. وربّما تُصاغ أغلب القوانين وفق مفهوم الهويّة، هذا المفهوم الذي لا زال يثير الكثير من الجدل حول ماهيّته. وهل هوّ مفهوم ثابت التعريف، أم متغيّر يخضع للراهن السياسي والثقافي.

وقدْ ازدادت حدّة هذا الطرح مع بداية ظهور مفهوم "العولمة". وهي حدّة مردّها الخوف من نشر الثقافة الكونيّة بالقوّة، وهي في الحقيقة " ثقافة " الآخر المنتصر. وهذا ما يطرح الحديث بعنف عن مفهوم "الهوية". هذا المفهوم الذي لم تثر حوله تلك الضجة من النقاش والجدل والتخوين، منذ بدايات القرن الفارط، حيث الحديث عن الهوية في مواجهة الاستعمار الكولنيالي. وهذا يتطلب انتباها واستعدادا، كلما تحدثنا اليوم عن الهوية في مواجهة العولمة.

لذلك أنا ضدّ مـا ذهب إليه الدكتـور الحبيب الجنحاني فــي كتابه الحداثة والحريّة من أنّ "طرح إشكالية الخصوصيّة الحضاريّة طرحا زائفا يهدف منه المتمسّكون به إلى التنكّر للجوانب الإيجابيّة للثقافة الكونيّة"(11)

وطالما أنّ حتْميّة الصراع، تفرض وجود طبقات أخرى خارج النسق السياسي الحاكم مهمّشة أو مبعدة، فإنّ هذه الأخيرة يفترض بها أنِ تسْتجمع قواها لتدخل في صراع مع الطبقة المهيْمنة. بل هكذا تتوقّع الطبقة المسيْطرة على الدولة والمجتمع.

إنّ هذا الافتراض أو التوقّع، يجعل من الطبقة الحاكمة تسنّ قوانين تخدم مصلحتها وتقف ضدّ مصلحة الطبقات والفئات الأخرى. ولو أدّى بها الأمر إلى الانقلاب على المبادئ والقيم التي قامت عليها، وقامت عليها المنظمات الإنسانيّة الأمميّة. من ذلك قامت عديد الحكومات العربيّة، بإصدار قوانين بالقوّة أو بالتحايل على القوانين، ضدّ الحركات الإسلاميّة السياسيّة. حتّى التي وصلتْ إلى السلطة بالطرق الديمقراطيّة المتعارف عليها.

بالمثل سعتْ بعض الأنظمة ذات التوجّه الإسلامي باستصدار القوانين التي تحول دون ظهور أحزاب علمانيّة أو لائكيّة. وهذا مسّ من قريب أو من بعيد مفهوم الهوية والخصوصية.

وفي كلّ الحالات فإنّ الدولة ذات السيادة لها كامل الحقّ في اسْتخدام القوّة داخل أراضيها و"قمع" حركات التمرّد التي تهدّد المجموعة الوطنيّة. بشرط أنْ لا يخلّ ذلك بالقوانين الإنسانيّة، كحريّة الإنسان والمعتقد والحفاظ على أرواح الناس.

هذا الحقّ الذي اكتسبتْه الدول ذات السيادة، يقف حائلا دون تدخّل الدول الأخرى في شؤونها وتقرير مصيرها عوضا عنها. مثلما حصل مع التدخّل العراقي في الكويت والتدخّل الأمريكي في العراق وأفغانستان، دون أيّ شرعيّة دوليّة.

"على الرغم من أنّ الدول ذات سيادة، فإنها ليستْ حرّة في أنْ تفعل فرادى ما تشاء ومثلما أنّ القواعد والأعراف المحليّة (وعادة ما تكون في أعماق الدساتير الوطنيّة) تعني أنّ الدولة لا تسْتطيع أنْ تفعل ما تشاء داخل حدودها الخاصة، كذلك فإنّ قواعد العرف العالميّة تحدّ من حريّات الدول ذات السيادة"(12)

لكنّ هذه الضوابط لا تمنح الحقّ للدول الأخرى في التدخّل لانتهاك سيادة الدول لتطبيق القانون الدولي، فهي (الدول المعتدية) عادة لا تلتزم بتطبيق هذا القانون الذي ساهمت في وضعه. فالولايات المتحدة ـ مثلا ـ يعدّ قانونها الانتخابي من أقلّ القوانين مصداقيّة، وهي كذلك أكثر الدول انتهاكا للمواثيق الدوليّة في مجال حماية البيئة (اتفاقيّة كيوتو) والحدّ من انتشار الأسلحة (رغبتها في نشر منظومة صواريخ مضادة للصواريخ في أوربا).. إضافة لملفّ حقوق الإنسان الحافل بالانتهاكات في "غوانتانامو" والسجون العراقيّة وملفّ السجون السريّة.

لذلك وغيْره، لا يمكن أنْ تتباهى بعض الدول الكبرى بيافطات حقوق الإنسان والديمقراطيّة والحريات المزعومة.طالما أنّ هذه المفاهيم لا زالتْ ضبابيّة باختلاف زاوية النظر للدولة أو الطبقة الحاكمة أو الدين السائد..

فهامش الحريّة يزداد أو يتقلّص حسب الطبقة الماسكة بدواليب الدولة.

وإذا ثبت أنّ هذه الطبقة تمثّل الأغلبيّة، فإنّ القوانين التي سنّتْها تحافظ على نسبة من الشرعيّة، وأنّ الحريّة المتوفّرة وفْق هذا النظام وهذه القوانين، حريّة يمكن أنْ نقول عنها حسب هوبز، "حريّة مثمرة".

أمّا إذا ثبتَ العكس، أيْ أنّ الطبقة الحاكمة لا تمثّل الأغلبيّة أو فقدتْ مناصريها، فإنّ القوانين الجاري بها العمل، ليستْ شيئا آخر غيْر المحافظة على السّائد. هذا السائد ليبْقى، لا بدّ من تقليص هامش الحريّة لدى المثقف والفنان وحتّى المواطن العادي. وهذا ضدّ القول السائد، أنّ للحريّة مفهومها الخالد والأزلي والممتدّ في الزمان والجغرافيا. وهذا التقنين والتكميم للأفواه والحريات من شأنه أن تجعل المثقف والفنان والمواطن العادي يعبر عن هويته الحقيقية كما هي، إلا وفق ما تسطره الجهات النافذة، التي قد تحرف الواقع "لتصنع" هويات بديلة، الغرض منها الحفاظ على السائد.

فكيف نعرف هامش الحريّة مثلا ـ وفق هذه الثبوتيّة ـ عند مواطن لا يُسْمَح له بتمْجيد الشيوعيّة، وهو في مجتمع إسلامي؟ في حين لا يُسْمَح للآخر بتمجيد الفكر الديني والدعوة لولاية الفقيه، وهو في مجتمع علماني.

بالمثل لا يُسْمح للمواطن في المجتمع الاشتراكي (السوفياتي مثلا والكوبي..) بالتباهي بالرأسماليّة، في حين يُقمَع غيره عندما يمدح حزبا قوميا أو مسيحيا مثلا.

فأيهم الحرّ من وجهة نظر القيم الإنسانيّة المطبّقة حاليا؟

وهل هذه الدول "المارقة" ـ وفق التعبير الأمريكي ـ ذات سيادة؟ أم هي دول تمثّل خطرا على سيادة الدول الأخرى؟ مثلما يتعلّق الأمر بإيران وكوبا وكوريا الشماليّة وسوريا والعراق سابقا... وخرجتْ دول أخرى من هذه البوتقة وصارت دولا ذات سيادة (دائما وفق الرؤية الأمريكيّة) لا تمثل خطرا على سيادة الدول الأخرى، طالما أنها امتثلت لقانون "لا أحد يمكنه أنْ يقول: لا".

و"لا" هذه، ليستْ إلا أداة من أدوات التعبير عن سيادة دولة ما، لما ترفض مقترحا أو منظومة أو اتفاقيّة أو بروتوكولا أو.. لا يتماشى مع مصالحها العليا أو ثقافتها أو مجتمعها، ولها كامل الحريّة في أن تطلب تعديله أو تغييره.

بهذا وغيْره أعتبر أنّ كلّ فرد في أيّ دولة ما يعتبر حرّا وفق منظومة اجتماعيّة ودينيّة وسياسيّة محدّدة، خلقت نسقها الخاص وسنّتْ قوانينها.

فإذا كانت الديمقراطيّة تعني في شكل من أشكالها، وصول حزب أو طبقة إلى السلطة بالانتخاب الحرّ، فإنّ هذا الشكل من الديمقراطيّة أوصل الأحزاب ذات التوجّه الرأسمالي إلى سدّة الحكم في أغلب أنحاء العالم.

وهذا الامتياز مكّن هذه الطبقات من سنّ القوانين وتأسيس المؤسسات التي تجعل الفرد داخل دولة ما يُمارس ما يسمّى "بالحريّة" داخل ذلك النسق السياسي.

نفس الشكل الديمقراطي الذي تتباهى به الأنظمة الرأسماليّة أرسته أنظمة أخرى. على غرار إيران وفلسطين والجزائر (رغم الاحتراز من شكل هذا النظام) فأوصل الحركات السلفيّة إلى الحكم بنفس الشكل الانتخابي المعترف به دوليا.

إذن، لماذا نصبغ صفة "الديمقراطيّ" على الحزب العلماني أو اللائكي أو المسيحي. في حين نسحب تلك الصفة من الأحزاب ذات التوجه السلفي التي وصلتْ إلى السلطة (حماس ـ حزب العدالة والتنمية...)؟

وإنْ كان الاحتجاج الدولي على وصول حماس إلى السلطة لم يحصل مثيلا له لما تعلق الأمر بوصول "حزب العدالة والتنمية" في تركيا.

سؤال لا أعتقد أنّ الإجابة عنه من السهولة بحيث يمكن تفكيكه لشفاء غليلنا.

مع ذلك يمكن أنْ نفهم هذا التحامل الدولي على تلك الحركات الإسلاميّة في الوطن العربي وعلى تلك الدول العربيّة.

نحن هنا لا ندافع عنها أو نشرّع لها، إلا أننا وفق السياق الديمقراطي المتعارف عليه لدى الأنظمة الليبراليّة، أمكن لتلك الحركات أنْ تفتكّ شرعيّة ما، بالاعتماد على القاعدة الجماهيريّة... العنصر الأهمّ لتوجيه مؤشرات صندوق الاقتراع.

فهل "الحريّة" داخل النسق السياسي "الإسلامي" ليست هيّ نفسها خارجه؟

وهل "الحريّة" داخل النسق السياسي الشيوعي سابقا، ليست هي نفسها خارجه؟

بالطبع ليست هي نفسها، لكن أيّ هذه الأشكال من الحريّة هي الأفضل؟ وأيها الأقدر على ضمان سيادة دولة أمكن لتيار سلفيّ أن يصل إلى مقاعد السلطة؟

من السهل أنْ أجزم أنّ الحريّة داخل الشكل الليبرالي/البرجوازي هي الأفضل.

في الوقت الذي يقرّ آخر أنّ الحريّة داخل الشكل الإسلامي للحكم هي الأفضل. وثالث يدافع عن حريّة داخل الشكل "الشيوعي" للسلطة.

مع العلم أنّ الفرد داخل تلك الدول هو الذي أوصل تلك الأحزاب إلى السلطة. البعض سيتحدّث عن مؤامرة أو اسْتبداد أو اسْتغفال للشعب. وأنا أتحدّث عن مؤامرات أخطر واسْتغفال أشدّ تقع داخل الأنظمة التي تدعي أنها من يطبّق المفهوم الحقيقي للديمقراطيّة.

لا بدّ إذن من إخضاع الأشكال المختلفة للحريّة إلى مبدأ "الاستقلالية". بمعنى هل يتمتّع الفرد داخل تلك الأنظمة (الليبرالية ـ الشيوعيّة ـ السلفيّة) باسْتقلاليّة ما تجعله يترك مسافة بينه وبين المجتمع من جهة، وبين الدولة من جهة أخرى؟ وهل أمكن للسلفيّة (في الجزائر و فلسطين وأفغانستان...) والشيوعيّة في دول الإتحاد السوفياتي سابقا وحتى الليبراليّة في سوريا (قبل الحرب) وصربيا... هل أمكن لكل هذه الدول رغم اختلاف أنظمة الحكم من ضمان سيادتها؟

بالطبع لا.

إذن لا بدّ من الإقرار بوجود عديد الأسباب الأخرى التي لا علاقة لها بشكل نظام الحكم.

إنّ هذه الأنماط الثلاثة من الحكم ظلّت في صراع منذ 1917 بانتصار الثورة البلشفية التي تزامنت مع وجود شبه رسمي للنظام السياسي الليبرالي، وهو صراع قوامه "الطبقيّة".

في حين كانت التنظيمات السياسيّة الدينيّة لا تزال غيْر معلنة أو ليس لها ذات الوجود المؤثّر، رغم وجود الخلافة العثمانيّة ذات المعالم الدينيّة. مع ذلك ليست دولة دينيّة.

وكانت كلّ هذه التجارب المختلفة في الحكم، تسْعى إلى بناء هرميّة اجتماعيّة قوامها الدفاع عن الهويّة وسيادة الوطن. في حين أُقصيتْ الحريّة من الفضاء الاجتماعي، وإنْ كانت كلّ الأنظمة تتبجّح بها وتدّعي منحها للمواطن. يعني شملت اصطلاحات الأنظمة، (ومنها ما بعد الاحتلال الكولنيالي) المجالات الاقتصادية والثقافيّة.. وتغافلت عن الإصلاحات السياسيّة.

لذلك فالحركات اليساريّة حين تمارس عنفا ما ضدّ الدولة، إنما تسعى لافتكاك شرعيّة ما أو حقّ ما تعتبره هوّ الحقيقة. وأنّ ما تمارسه الدولة تلك، ليس شيئا آخر غيْر الاستبداد والقمع ضدّ رعاياها.

بالمثل ما تفعله حركة دينيّة داخل دولة ما وضدّها، إنما هو "حرب مقدّسة" و"جهاد" يراد به ومن خلاله امتلاك حقيقة ما.

ونفس الشيء لمّا تعمد دولة ما إلى تصفية معارضيها من الإسلاميين أو من الشيوعيين أو من العلمانيين بتعلّة الإرهاب أو المسّ من وحدة الوطن أو التمرّد أو...

ولن أذهب مع فتحي المسكيني بالقول أنّ خطر الأصوليّة هو في أنها تُنازع الدولة القانونيّة من خارج أرضيّتها الخاصة. بمعنى أنها تنتهك سيادة الدول طالما أنها تمارس عنفا منظما ومن خارج الدولة المراد استهدافها. وهو عنف شبيه باعتداء دولة ما على أخرى.

صحيح أنّ الخطاب الديني مستمَدّ من مرجعيّة غيْبيّة لاهوتيّة، وأنّ الخطاب العلماني يسْتمدّ أصوله من العقل "العلمي" الواقعيّ إلاّ أنه لا يمكن أن نشبه "إرهابا" تمارسه جماعة دينيّة على دولة ما، بــ"إرهاب" تمارسه دولة ما على دولة أخرى.

فهل يمكن تشبيه اعتداء تنظيم القاعدة على الولايات المتحدة في 11 سبتمبر، بالاعتداء التي تمارسه إسرائيل على فلسطين ولبنان؟ أو ما تمارسه الولايات المتحدة على العراق وأفغانستان؟

طبعا لا... فالإرهاب الأول لا يفقد سيادة الدولة، لأنها أمام جماعة تعدّ خارجة عن القانون وتمارس عنفا لا محدودا وخفيّا. وأنّ هذه الجماعات تمّ الاتفاق الدوليّ على أنها تنظيمات لا شرعيّة، وأنّ عنفها ليس شيئا آخر غير "الإرهاب" الذي هو مرحلة متقدّمة عن العنف.

أما الإرهاب الثاني (اعتداء دولة على دولة أخرى) فإنه يُفْقِد سيادة الدولة لأمد طويل قد يمتدّ إلى قرون، مثلما يحصل الآن مع انتهاك سيادة فلسطين (عبر الاستيطان) وانتهاك العراق عبر الاحتلال ولبنان عبر التدخّل الخارجي... المفارقة أنّ التدخّل الثاني هوّ تدخّل دولة "ذات سيادة" بالقوّة العسكريّة أو المخابراتيّة في شؤون دولة أخرى أو ضدّها مؤدّية إلى انتهاك سيادة تلك الدولة التي هيّ دولة حرّة ذات سيادة.

لمّا يتعلّق الأمر بالإرهاب الأول فإنّ المؤاخذة تعود على "دولة القانون"، تلك التي لم تستطع إلى الآن فتح أفق الحوار مع التيارات الدينيّة، باعتبار أنّ هذه الدولة لم تعد "دولة الحقّ" التي تمنح للمواطن كلّ أشكال الحقّ الطبيعي، وتحدّد بدقّة حكم الدولة.

فالحقّ الطبيعي المؤسس لدولة الحقّ، هوّ الذي يمنح إمكانيّة ما لفتح حوار مع كلّ فرد داخل الدولة، مهما كانت إيديولوجيته وقناعاته.

وهذا تحديدا ما سبق وأنْ أشرنا إليه تحت مفهوم "الاستقلالية". هنا استقلاليّة الفرد عن الدولة.

هذه الاستقلاليّة ـ التي لم تتوفّر عليها عديد الأنظمة الآن ـ هي التي ساهمت وستساهم في خلط الأدوار وضياع الحقّ، وارتباك مفهوم الدولة. وبالتالي هشاشة القانون وتضاعف الاجتهاد (وفق المعجم القانوني وليس وفق المعجم الديني) لتعريف مفهوم الحريّة ومفهوم السيادة. اجتهاد لا تساهم فيه الدولة باعتبارها الساهرة على إنتاج المفاهيم، بل هيّ المنتج الوحيد للمفهوم السياسي.

هذه الهشاشة تجعل من الممكن تدخّل أطراف أخرى من الداخل أو الخارج لإنتاج المفاهيم. مفاهيم من شأنها أنْ تخلق ارتباكا وفوضى اجتماعيّة.

مثل الارتباك الحاصل في لبنان الآن حول: هل أنّ "حزب الله" تنظيم وطنيّ يدافع عن سيادة لبنان، أم هو تنظيم إرهابيّ يساهم في الفوضى السياسيّة الحاصلة؟ هذا الارتباك سمح لأطراف عديد بالتدخّل وتقديم التفاسير والحلول.

هذه الاجتهادات المختلفة التي تكون قانونيّة حينا وأخلاقيّة أخرى وثقافيّة ثالثة ودينيّة أحيانا كثيرة... تجعل من الممكن ظهور نواة للعنف الفكري، ومن ثمّ العنف المادي.

ثم أن الجماهير التي تبنّت فكر "الدولة الإسلامية" (داعش) في العراق وليبيا وسوريا.. ألا تعتبر أن الذين يحاربونهم هم الإرهاب عينه، وأنهم "الحق"، تماما نفس التفكير الذي يتبناه الآخر، الذي يعتبر أن داعش هي الإرهاب... هذا الفكر الذي بدأ عنفا ماديا مباشرة دون أن يتطور من إرهاب فكري إلى إرهاب ماديّ.

فالعنف الذي يراد به افتكاك مكاسب معيّنة، قد يتطوّر نحو إرهاب، يراد به تدمير الدولة... أي تغيير طبيعة الحقّ الذي يحدّد وجود الأفراد داخل الدولة، وبالتالي تغيير مفهوم القانون أو ضربه.

فالتدخّل الأمريكي في العراق إنما يراد به افتكاك موارد الطاقة والسيطرة عليها، مثلما يحصل مع السودان من خلال التدخّل المتكرر والمتواصل في قضيّة دارفور للسيطرة على تلك المنطقة الغنيّة بالطاقة، ووضع موطئ قدم في إفريقيا يجعلها تمسك بالبوابة الشرقيّة للقارة نحو آسيا ومنطقة الخليج.

صار التدخل الآن عسكريا بالوكالة.. دول تحارب نيابة عن دول أخرى، بل الجديد في المسألة أن العصابات والجماعات، صارت تحارب بالوكالة من أجل اقتسام الغنائم.

إنّ القول أنّ السيادة مفهوم تمّ تحديده نهائيا، إنما هي محاولة سافرة ومشبوهة، يراد بها ترسيخ قيم ومفاهيم رأسماليّة ذات أهداف يراد بها السيطرة والهيمنة على العالم. وهذا ما تمّ الترويج له عبر الكتابات الأخيرة لفوكياما وهمنغتون وتمّ تدعيمه عبر الأدبيات التي تمرّر مفهوم "العولمة" باعتبارهــــا إقصاء للخصوصيّ (13)

إنّ الشكل التوحيدي للمفاهيم (الإرهاب ـ العولمة ـ الحريّة ـ الديمقراطيّةـ الهوية ـ الخصوصية..) ضيّق على المثقف إمكانيات المناورة والصراع. خاصة أنّ هذه المفاهيم جاءت مسْقطة، ولم نساهم في تقديم الأفكار والمقترحات التي من شأنها أنْ تقرّب هذه المفاهيم أكثر إلى واقعنا.

فهل يمكن للمثقف الآن أنْ يطرح بديلا لمفهوم الحريّة الذي حافظ على مفهومه منذ عصر التنوير؟ أم أنّ محاولاته قد تصطدم بمفاهيم أخرى تحدد مجالات القول ودواعيه؟ وهل أنّ اللسان العربيّ قادر الآن على صياغة تلك المفاهيم؟

أسئلة لا أعتقد أنّ الإجابة عنها من السهولة بحيث يمكن إضافتها لهذا المقال، غير أنه من الضروريّ الإشارة إلى أنّنا حرّكنا المياه الراكدة لمفهوم الحريّة باعتباره ـ حسبما يشاع ـ ذلك المفهوم الذي لا يتغيّر. وذلك الشرط الأساسي والمحوري لتناول مفهوم السيادة.

4 ـ شروط السيادة و ثقافة المقاومة:

السيادة، كما سبق أنْ عرّفناها على لسان لجنة "إدارة شـؤون المجتمـع العالمي" هي:

"المبدأ القائل بأنّ الدولة لها السلطة العليا على جميع الشؤون الواقعة في نطاق الأراضي الخاضعة لسلطانها الإقليمي ـ هيّ حجر الزاوية في النظام الحديث القائم بين الدول" (14).

والسيادة كما تداولتها المواثيق والمنظمات الدوليّة، تتجلّى وفق الشروط التالية:

1 ـ السيادة شرط لا بدّ منه لاكتمال مفهوم الدولة. فالدولة نظام سياسي وشعب وحدود جغرافيّة وهوية وسيادة تجعل منها نظاما مستقلا وقادرا على تقرير مصيره، واختياراته داخل حدوده، دون أيّ تدخّل من أطراف ودول أخرى.

"فلا يجوز لأيّ دولة أنْ تتدخّل بالقوّة في نظام دولة أخرى أو في طريقة الحكم فيها" (15).

ففلسطين الآن دولة دون سيادة، لأن دولة أخرى ذات سيادة تدخّلتْ بالقوّة لتغيير نظام الحكم والسيطرة على الشعب وأجهزة الدولة وسلب مدّخراتها.

2 ـ السيادة، هوّ مفهوم نقيض الاحتلال أو الوصاية أو الانتداب. وهي مفاهيم تتزيّا دائما بالوجود العسكري لتلغي مفهوم السيادة عن دولة ما. فالضغوطات الماليّة والاقتصادية والسياسات المخابراتيّة والديون.. كلها أدوات يمكن أنْ تكون أسلحة لتشْذيب شجرة السيادة أو اقتلاعها.

والفرق بين السيادة والمفاهيم المناقضة عديدة، لعلّ أهمّها أنّ الشعوب في دول ذات سيادة بإمكانها أنْ تختار حكامها وتقصيهم، وفْق الشرط الديمقراطي المعمول به. في حين يصعب القيام بهذه العمليّة في دول تخضع للاحتلال أو الوصاية أو الانتداب، باعتبار خضوع الشأن السياسي للدولة المعتدية.

مثلما يحصل الآن في الشأن العراقي، حيث لا يشارك الشعب العراقي في اختيار حكومته وممثّليه إلا بنسبة قليلة جدا. وإذا حصل ذلك، فإنه لا يمكنه إقصاء ممثّليه حتّى وإنْ توفّرت شروط الرفض و"الانقلاب"، طالما أنّ الحكومة الموجودة وُجدتْ بأمر الاحتلال الأمريكي.

والمسألة ثابتة في كلّ الدول التي خضعتْ للاحتلال أو الوصاية، منذ نشأة مفهوم "الاستعمار" و"التدخّل الأجنبي".

3 ـ إنّ السيادة إطار ضروريّ وحتْميّ لتقرير مصير شعب، بإمكانه أنْ يُمارس الديمقراطيّة ويختار ممثّليه وينخرط في منظومة المجتمع المدني.

فانعدام السيادة، معناه تدخّل دول أخرى فـــي تقرير مصير تلك الدولة ومصير شعبها. وتصبح الدولة المعتدية هــيّ التي تنوب شعب الـدولة الضعيفة (الفاقدة لسيادتها) وتقرر باسمه ونيابة عنه.

وهذا ما يُفقد حضور الديمقراطيّة بين أفراد ذلك الشعب الذي يفقد القدرة على الانتظام في الأحزاب وممارسة حقّه فـــي التعبير والتحزّب والانتخاب. فالشعب الفلسطينيّ، شعب دون سيادة، حتّى بعد إعلان قيام دولة فلسطين. ذلك أنّ هــــذه الحكومة التي أعلن عنها عرفات وقادها، لم تستطع إلى الآن فرض سلطتها العليا على أراضيها. ذلك أنّ الكيان الإسرائيلي يتدخّل كلّ مرّة لفرض "الحقــــائق" (حقائقه هوّ) على الميدان ضاربا كلّ المواثيق والمعاهدات الدوليّة عرض الحائط.

4 ـ إذا صادف وجود دولة ذات سيادة، فلا يعني ذلك أنه الوضع الطبيعي والتاريخي.

فالحالة الفلسطينيّة اليوم، تجعل منها حالة طبيعيّة وتاريخيّة غير قابلة للتغيّر. بمعنى لا يمكن أنْ نتحدّث اليوم وغدا عنْ دولة فلسطينيّة ذات سيادة من وجهة نظر القاموس السياسي الإسرائيلي والأمريكي وحتّى الغربي. إلا وفق التصوّر الجغراسياسي لهذه الدول. غيْر أنّ هذا الوضع المحكوم بالثبات، يجب أن تتدخّل الإرادة وربّما إرادات عديدة لتغييره. لعل أهمها إرادة الشعب الفلسطيني نفسه.

"فانطلاقا من أنّ جميع الناس أحرار ومتساوون ومسْتقلّون بعضهم عم بعض، لا يجوز أنْ يخضع أحدهم لآخر دون رضاه. وإذا ما انتُزع هذا الحقّ من الشعوب والأفراد، وأصبحتْ تحكمهم سلطة غيْر شرعيّة، فبإمكانهم أنْ يثوروا عليها"(16).

وهو ما يحصل الآن في الشارع الفلسطيني والعراقي. وإنْ كان البعض ينتقي مصطلحاته جيّدا لإلصاق صفة ما على من يدافع عـن أرضه، وفق مرجعيّته (مناضل.. جهـادي.. استشهادي.. ثوري.. إرهابي..) فـإنّ الواقع هـــوّ وجود ثقافة مقاومة، داخل كلّ الدول التي فقدتْ سيادتها.

وإذا صادف أنْ ساندتْ بعض الدول ذات السيادة اعتداء دول على دول أخرى تحت تسميات مختلفة، كنشر الديمقراطيّة أو مقاومة الإرهاب أو "الحرب الإستباقيّة "... إذا ساندتْ ذلك فمعناه أنها تشرّع للاستبْداد. وليس علينا أنْ نعتقد أنّ المبادئ الإنسانية ذات تناقض جوهريّ أو نسبيّ. بل علينا التأكّد من أنّ الديمقراطيّة تشْهد تراجعا في العالم اليوم، بسبب تفاوت موازين القوى واختلال التوازنات الدوليّة لصالح قطب واحد، بعـد سقوط الكتلة الشرقيّة (الاتحاد السوفياتي سابقا).

5 ـ السيادة تفترض التقليل المستمرّ والمتواصل للقيود التي تفرضها السياسة والاقتصاد والثقافة على الفرد داخل المجتمعات.

فالفرد الآن من سنة إلى أخرى يزداد شعوره بالقمع والتقييد والإحباط.. ليس في المجتمعات العالمثالثيّة فقط، بل وحتّى في مجتمعات العالم الأول.

نشهد اليوم ـ وكلّ يوم ـ إضافات هائلة للتقنية الداعمة للسيطرة على الفرد ومحاصرته وكبت صوته، مما يولّد شعورا بالإحباط وتنامي الكراهيّة وعدم الإيمان بمفهوم "الوطن" والسيادة.

فالإطار الأخلاقي للمجتمع، يجب أنْ نعتبره الأهمّ كيْ نخلق جيلا من المواطنين القادرين على الدفاع عن أوطانهم. وهذا يفترض مزيد إعطاء الحريات للمواطن في الدول العالمثالثيّة والعالم العربي بالخصوص. ومنحه الثقة والحريّة في التحزّب والانتماء والتجمهر والتعبير والاختيار. وهذا يعطيه ثقة أكبر في وطنه ومستقبله.

فنحن "نؤمن بأنّ الناس جميعا خُلقوا سواسية، وأنّ خالقهم قدْ وهبهم حقوقا لا تقبل المساومة، ومنها حقّ الحياة وحقّ الحريّة والسعي لتحقيق السعادة " (17).

هذه الحقوق هيّ التي تجعل المواطن يُدافع بشراسة عنْ سيادة وطنه، إذا تعرّض للانتهاك أو التدخّل أو الاعتداء... بكلّ الوسائل المشروعة.

".. فكلّ وسائل الدفاع مباحة للدولة التي فُرضتْ عليها الحرب"(18)

فليس ثمّة أخطر من تحطيم وهدم الوعْي الفردي لدى المواطن وإيهامه بأنه قاصر وغيْر قادر على الممارسة السياسيّة أو القول أو التفكير.

إنّ هذا الهدم من شأنه أنْ يؤدّي إلى العدميّة والكلبيّة، وبالتالي عدم قدرة الفرد وحتى المجتمع على المقاومة، إذا تعرّض وطنه للانتهاك والاعتداء.

إنّ هذه المبادئ الخمسة حول مفهوم السيادة، لم تمنع ـ وما منعتْ ـ من انتهاك دول ذات سيادة، لدول أخرى ذات سيادة أيضا. يعني ما زال الحديث ممكنا عن "افتكاك السيادة" وانتهاك سيادة دول أخرى.

ولعلّ المفارقة أنّ "صاحب السيادة، إنما ينْزع دوما إلى ابتزاز السيادة"(19).

والمفارقة الأخرى، أنّ الدولة التي فقدتْ سيادتها لا يمكنها التحالف مع دولة مماثلة (فقدتْ سيادتها) طالما أنّ الأجهزة الشرعيّة السياسيّة المديرة لدواليب الدولة، معطّبة أو ملغاة أو وقع تعويضها بأجهزة أخرى "غيْر وطنيّة".

فلا يمكن مثلا، أنْ تتحالف الحكومة الفلسطينيّة مع الحكومة العراقيّة للدفاع عن سيادة العراق وفلسطين.

وإنْ كان ثمّة تعاون بين التنظيمات والفصائل والأحزاب في الحالة التي ذكرنا. وأنه لا يمكن في حالات أخرى حصول هذا التعاون إلا بشرط وجود الوازع الديني أو القومي... مبدأ "الأمة" كما ورد في إعلان الثورة الفرنسيّة:

"إنّ مبدأ كلّ سيادة يكمن في الأمّة أساسا" (20)

لذلك لا يمكن أنْ نتصوّر مشاركة فلسطينيين في الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على سيادة دولة فيتنام.

من هنا يمكننا الحديث عن المقاومة باعتبارها ثقافة تدافع على مبدأ السيادة.

فطالما أنّ البقاء للأقوى، ثقافة وسياسة وعسكرة وحتّى طبيعة... فإنه لا مكان للضعيف في عالم تحكمه القوة والمصلحة التي تُبنى على القوّة.

وحتّى التحالفات الاقتصاديّة والعسكريّة ليستْ شيئا آخر غير كسب أجهزة مناعة ضدّ الضعف، وكسب أدوات "تفعيل" للقوّة وبالتالي للسيطرة.

وما السيطرة إلا انتهاك سيادة الدول.

المفارقة أنّ الدول الضعيفة أو المتخلّفة أو العالمثالثيّة.. مهما كانت التسمية، لا تنخرط في تحالفات هيّ في حاجة إليها أكثر من الدول الكبرى.

فالحلف الأطلسي والاتحاد الأوربي ومنظمة التجارة العالميّة.. كلها ميكانيزمات للسيطرة والهيمنة.

وحتّى الدول الضعيفة التي يُفترض أنْ تُدخلها لعبة الهيمنة في نسق هذه الاتفاقيات والمنظمات، إنما تدخل بشروط الدول الكبرى. ولعلّ رغبة تركيا في الانضمام للاتحاد الأوربي، خير دليل على هذه المقاربة، ذلك أنّ تركيا مضطرّة للتنازل عن عديد المواقف، وفتح الكثير من الملفات، حتّى ترتقي لشروط الدول الغربيّة.

تمكنت مـن GATT مــن ذلك مثلا أنّ الاتفاقيّة العامة للتعريفات الجمركية تخفيض التعريفة الخاصـة بالقطاع الصناعي، واستثنتْ تمـاما الزراعة التي هيّ عماد اقتصاد الدول الفقيرة التي تعتمد على الزراعة كمصدر لعائداتها.

بالمثل لم تنجح تجارب وحدويّة وتكتّليّة أخرى حاولتْ أنْ تقيمها دول العالم الثالث والدول العربيّة. على غرار اتحاد المغرب العربي، بسبب الخلاف حول الصحراء الغربيّة ومجلس التعاون الخليجي الذي لا تمتلك أمانته العامة "القدرة على المحاسبة ولا ترفع التقارير الدوريّة عن مصير القرارات، والسبب أنّ الأمانة العامة هي جهاز متابعة (...) ليس مثل المفوّضيّة الأوربيّة التي تملك الحقوق فوق الوطنيّة، وإنما هي جهاز في خدمة الدول، ولا يقدر على محاسبة الدول ونقدها " (21) وإن تمكن مجلس التعاون الخليجي من إحراز عديد النتائج الهامة، يمكن أن تتراكم لتكون تجربة هامة إذا كتب لها التواصل. لعل أهمها قضايا الأمن والدفاع.

وإن كان ذلك ممكنا وضروريا لدى هذه التكتلات إلا أنّ "ثقافة المقاومة" والدفاع عن الأوطان يجب أنْ تمتدّ إلى التعاون الثقافي والاقتصادي.

أليس غريبا ـ مثلا ـ أن لا تتجاوز التجارة البينيّة بين الدول العربيّة مستوى ثلث نظيرتها مع الدول الغربيّة؟

إنّ "ثقافة المقاومة" تفترض دعم الجانب الاقتصادي بين الدول العربيّة والاستفادة من الموارد، حتّى نُضعف الكمّ الهائل من الشروط المفروضة على الاقتصاديات العربيّة.

فلا يمكن ـ مثلا ـ قبول البضاعة المصريّة بالأسواق الأمريكيّة دون وجود من المواد الأوّليّة الإسرائيليّة.5% نسبة، وإنْ كانت أحكام السوق والمنافسة في سياق العولمة تفترض ذلك، إلا أنه تدخّل في سيادة الدول التي تخضع لمثل هذه الإملاءات بسبب عدم القدرة على إيجاد البديل.

إنّ عدم قدرة دولة على تحقيق اكتفائها الذاتي الغذائي، يعني أنّ سيادتها مهدّدة.

"فالتعجيل بالتنمية الزراعيّة يمكن فقط أنْ يكون مسؤوليّة الحكومة في كلّ بلد كبير أو صغير، غنيّ أو فقير. فالحكومة وحدها في كلّ دولة ذات سيادة، هيّ التي يمكن أنْ تحدّد السياسات، وأنْ تنظم أو تقوّي المؤسسات، وأنْ تصل إلى مواطنيها الريفيين بطرق تتّسق مع أهداف المجتمع "(22)

هذا بالنسبة للأمن الغذائي..

بالمثل تنطبق نفس "الوجوبيّة" على التعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا.. وهي كلها الوسائل الضروريّة لتقليص التدخّل الخارجي في شؤون دولة ذات سيادة.

إنّ تعرّضنا ـ كدولة عربيّة ـ لإمكانيات جمّة من فقدان السيادة، يفترض وجود " ثقافة المقاومة " لدى المواطن العربي.

ثقافة من أدوارها الرئيسة غرس روح "المواطنة" كهدف أوّلي/جوهري وضروري. لأنّ مفهوم المقاومة، لا يجب أنْ يُفهم باعتباره تلك الحركة الهلاميّة العبثيّة، التي تثير الاشمئزاز وإحراج الحكومات.

فمواطن ما وعى معنى المواطنة وروحها، هو مواطن تشبّع "بثقافة المقاومة" باعتبارها كلّ حركة وفعل يهدف إلى الدفاع عن هذا الوطن والذود عنه ضدّ أيّ قوّة تهدف إلى طمس سيادته والهيمنة عليه.

إنّ "ثقافة المقاومة" لا تقتصر على حمل السلاح ضدّ المعتدي، ولكنها تبدأ بالتربية والتعليم والأسرة، مرورا بالأدب والشعر والمسرح والإعلام...

ألا تعدّ المقاومة "فرض كفاية" (وفق المعجم الديني) وضرورة حتميّة للمواطن الفلسطيني الذي سلبته إسرائيل كلّ معاني الحياة، وشرّدتْ وقتلتْ وانتهكتْ واحتلّت وقمعتْ...؟

ألا يحقّ للمواطن العراقي أنْ يدافع عنْ أرضه التي أحتلها من يرفع الشعارات الجوفاء للحريّة واحترام سيادة الدول وحقوق الإنسان؟

ألا يحقّ لكلّ مواطن عربيّ أنْ يتشبّع بهذه الثقافة، وهو يرى انتهاكا صارخا لسيادة الدول شرقا وغربا دون وجه حق؟ بل يحقّ لكل مواطن في العالم أنْ ينهل من هذه الثقافة طالما لم تستطع المواثيق الدوليّة والمنظمات الأمميّة أنْ تحمي دولا تعرّضتْ سيادتها للانتهاك.

مع ذلك للمقامة وجوهها العدّة..

فهي دعوة للاعتزاز بالوطن والدفاع عنه.. دعوة للقوّة ضدّ من تسوّل له نفسه انتهاك سيادة هذه الدولة.

"وثقافة المقاومة"، دعوة كذلك للتسامح وحبّ الإنسان أينما كان، شرط احترامه لأخيه الإنسان. فالمقاومة لا تلغي الآخر، وإنما تحترمه وتدعوه لاحترام متبادل "دون أيّ تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أيّ رأي آخر.." مثلما ورد بالمادة الثانية من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

إنّ هذه الثقافة هيّ "مشروع للسلام الدائم" كما نادى بذلك كانط، بمعنى التعايش والتحاور والتثاقف، وليس الهيمنة وإرادة السيطرة.

خلاصة قولنا، أنّ ثقافة المقاومة "تدلّنا على أنّ العدوّ لا بدّ أنْ يشعر بأنّ قيامه بالاعتداء سوف يؤدّي بالضرورة إلى موقف مقاومة من جانبي، وهذا يُعدّ تعبيرا عنْ قيم العدالة والتسامح وكلّ قيم نبيلة وسامية" (23)

في خضمّ ما قيل ويقال عن السيادة، وفي خضمّ التحْديدات المتواترة لمفهوم السيادة ومفهوم "الدولة ذات السيادة".. إلا أننا لازلنا نشهد باستمرار انتهاك دول ذات سيادة، لدول أخرى ذات سيادة أيضا.

بما يعني أنّ مفاهيم حقوقيّة عديدة كالديمقراطيّة وحقّ تقرير المصير وعدم التدخّل في شؤون دول أخرى وغيرها من المفاهيم.. تراجع بريقها، وصارتْ محلّ تساؤل وانتقاد.

بالمثل تضاءلتْ الثقة بالمنظمات الدوليّة السّاهرة على تطبيقها واحترامها، وإشاعة السلم والأمن بين الدول.

إننا الآن أمام "تداخل واضح لأمور الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة والسلوك، دون اعتداد يُذكر بالحدود السياسيّة للدول ذات السيادة" (24)

مما فسح المجال لدولة مثل الولايات المتحدة أنْ تشنّ الحروب ضدّ دول ذات سيادة، دون موجب قانونيّ دوليّ ولا موجب إنساني أخلاقيّ.

بالمثل شرّعتْ لنفسها الاعتداء على ليبيا في الثمانينات وتدخّلتْ في الصومال تحت تسمية "اسْتعادة الأمل" سنة 1992. وحماية أكراد العراق سنة 1991، وقادتْ حملة حلف شمال الأطلسي ضدّ صربيا لحماية ألبان كوسوفو سنة 1999... هذا وسمحتْ لإسرائيل خارج الشرعيّة الدوليّة، بانتهاك سيادة لبنان في أكثر من مرّة، دون أنْ تنجح القرارات الأمميّة في الوصول إلى إثبات الإدانة، بسبب الفيتو الأمريكي.

إننا بتركيزنا على انتهاك الولايات المتحدة لسيادة الدول، لم نتغافل عن انتهاك القوى الاستعماريّة القديمة لسيادة الدول التي صارت مستعمراتها لعشرات السنين، تمكنت خلالها من نهش خيراتها ومواردها، وانتهاك سيادتها وقمع شعوبها..

إلا أننا برصدنا لانتهاك سيادة الدول حاليا، نضع الإنسان والحكومات والمنظمات الدوليّة الحقوقيّة أمام مسؤولياتها باعتبار وجود كمّ هائل من التشريعات الضامنة لحقوق الإنسان وسيادة الدول.

لهـذا ترانا مندهشين مــن التعريفات التـــي وضعتْ لمفهوم الحريّـة والديمقراطيّة.. متسائلين مرّة أخرى:

من له الأحقيّة لوضع هذه المفاهيم؟

هل هيّ مـن وضْع الفلاسفة والمفكّرين؟ أم هـي مـن وضْع المنتصرين فـي الحروب؟ على غرار امتياز حقّ الفيتو الذي لا زال حكرا على الذين انتصروا في الحرب العالميّة الثانية.

أم أنها تعريفات لم نستطع إلى الآن إنزالها إلى أرض الواقع السياسي والاجتماعي؟

فهل نحن إزاء مفهوم جديد للسيادة، قوامه أنّ دولة ما ذات سيادة، هيّ التي تسْتجيب للشروط والإملاءات الأمريكيّة؟

ألسنا الآن أمام تراجع للقيم، شبيه بتراجعها قبل اندلاع الحربين العالميّتين بقليل؟

في الوقت الذي من المفروض أنْ تتدعّم قيم السيادة وحقوق الإنسان والديمقراطيّة وإشاعة مفاهيم السلم والأمن واحترام حقوق الشعوب؟

* المهدي عثمان، كاتب تونسي

..............................................
هوامش:
1 ـ عبد الرحمان التليلي "الحق كإقصاء للعنف"، علم الفكر، المجلّد 31ـ العدد 4 ـ أفريل 2003، ص 70.
2 ـ الطاهر لبيب، المجتمع المدني (مجموعة من الكتاب)، دار صامد للنشر والتوزيع، ص 9
3 ـ نفس المصدر السابق، ص 10
4 ـ نفس المصدر السابق، ص 10
5 ـ الصادق بالعيد، المجتمع المدني (مجموعة من الكتاب)، دار صامد للنشر والتوزيع، ص 26.
6 ـ عبد العزيز لبيب، المجتمع المدني(مجموعة من الكتاب)، دار صامد للنشر والتوزيع، ص 35
7 ـ جيران في عالم واحد: نصّ تقرير " إدارة شؤون المجتمع العالمي "، ترجمة: مجموعة من المترجمين، مجلة عالم المعرفة، سبتمبر 1995، ص 89
8 ـ نفس المصدر السابق، ص 79.
9 ـ الصادق بالعيد، المجتمع المدني (مجموعة من الكتاب)، دار صامد للنشر والتوزيع، ص 20
10 ـ عبد الرحمان التليلي، نفس المصدر السّابق.
11 ـ الحبيب الجنحاني:" الحداثة والحريّة "ـ حوار ناجي الخشناوي، الشركة التونسية للنشر وتنمية فنون الرسم، ص 71.
12 ـ جيران في عالم واحد، نفس المصدر السابق، ص 326
13 ـ صادق جلال العظم: " ما العولمة "، دار الفكر المعاصر، ط 2 ـ 2002، ص 86
14 ـ جيران في عالم واحد، نفس المصدر السابق، ص 89.
15 ـ كانط:" مشروع للسلام الدائم "، ترجمة: عثمان أمين، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصريّة 1967، ط، ص 37.
16 ـ علي بن حسين المحجوبي: حقوق الإنسان بين النظريّة والواقع، مجلة عالم الفكر، العدد 4 المجلد 31، أفريل ـ ماي 2003، ص 13.
17 ـ وثيقة إعلان استقلال الولايات المتحدة الأمريكيّة 1776
18 ـ كانط: " نظريّة للقانون "، ورد النصّ في كتاب د.بدوي: " ايمانويل كانط "، ج 3، ص 183
19 ـ بول ريكور: " التاريخ والحقيقة"، ص 273.
20 ـ إعلان الثورة الفرنسيّة عن حقوق الإنسان والمواطن ـ البند 3
21 ـ عبد الله بشارة (أول أمين عام لمجلس التعاون)، مجلس التعاون على مشارف ربع قرن، مجلة العربي، العدد 552 ـ ديسمبر 2004، ص 59.
22 ـ محمد السيد عبد السلام: "الأمن الغذائي للوطن العربي"، مجلة عالم المعرفة، فيفري 1998، ص 331
23 ـ عاطف العراقي: " دور الفكر المستنير في معركة الحريّة "، مجلة عالم الفكر، المجلد 33، جانفي ـ مارس 2005، ص 142.
24 ـ صادق جلال العظم: "ما العولمة"، دار الفكرـ بيروت، ط 2، ص 80.
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

9