د. فراقد داود سلمان

 

ادت المتغيرات الاقليمية والدولية التي حدثت خلال العقد الاول من القرن الحادي والعشرين بدءا من احداث11/سبتمبر/ ايلول عام2001,وما تبعها من تطورات كانت تتعلق بالحرب على الارهاب الذي توج بالاحتلال الامريكي لكل من افغانستان عام2002, والعراق عام 2003, في توصل تركيا الى بديهية مهمة وهي " ليس من مصلحة تركيا المخاطرة بعلاقاتها مع العالمين العربي والاسلامي دون جني الثمار", فاصبح لزاما عليها ان تقيم توازنا دقيقا بين مختلف الاتجاهات الامريكية والاسرائيلية والاوربية ومن ثم العربية. وذلك من خلال اقامة علاقات جيدة مع جميع جيرانها الاقليمين بحيث تكون تركيا بلدا محوريا على مسافة واحدة من الجميع وقادرة على لعب دور اقليمي متميز في اعادة ترتيبات المنطقة لذا وجدت ضالتها في العراق الذي يعد مركز شد وجذب اقليميا ودوليا لامتلاكه العديد من المقومات الجغرافية, السياسية ,الاقتصادية, الثقافية والحضارية, وأدت هذه المقومات الى تداخل وتشابك المصالح الاقليمية والدولية منذ القدم وستبقى لعقود قادمة ,ولاشك ان التجاور الجغرافي والتنافس التاريخي بين بلدين كبيرين بحجم تركيا والعراق انتج فضاءا واسعا للتنافس والتعاون في ان واحد اذ عد التوجه السياسي والاستراتيجي التركي نحو العراق ناجم عن الاستجابة لتحديات الموقع الجيوسياسي الذي يفرض على تركيا الاهتمام بالاعتبارات الاقليمية المحيطة بها كمصدر تهديد لأمنها القومي او كمجال للحركة والنفوذ الاقليمي او لإقامة علاقات اقتصادية. لذلك ينطلق هذا البحث من فرضية مفادها هل ان رغبة تركيا في المشاركة بمعركة تحرير الموصل ضد تنظيم داعش الارهابي ادى الى تسكين المشكلات السياسية بين البلدين ام الى تصعيدها؟ وهل تطمح تركيا الى تحقيق حلمها التاريخي في ضم الموصل اليها؟

وأهمية البحث تكمن في توضيح التوازنات الجديدة التي أفرزها الانسحاب الامريكي من العراق في كانون الاول 2011, وسعي تركيا إلى أداء دور إقليمي محوري جسدته أفكار ورؤى حزب العدالة والتنمية تجاه العراق, لتتحول تركيا بعهده إلى دولة مركزية لا يمكن إغفالها في أية ترتيبات إقليمية جديدة. واصبح العراق بعد حزيران2014 ساحة للتنافس والصراع الإقليمي والدولي بين القوى الفاعلة في المنطقة لما يتسم به من أهمية جيواستراتيجية.وانثمة عوامل عدة تساهم في صياغة اهمية دولة ما بالنسبة لأخرى وفي مقدمتها التقارب الحضاري الثقافي والمصالح الاقتصادية وحجم التبادل التجاري ومدى التوافق في الرؤى السياسية الخارجية وملفات الاهتمام المشترك ويبقى الجيوبولتيك من اقوى العناصر التي تصوغ هذه الاهمية سيما في حالة الجوار الجغرافي المباشر بكل ما تحمله من امكانات تأثر وتأثير, على طرفي الحدود على مختلف الصعد السياسية ,العسكرية, الاستراتيجية, الامنية, والاقتصادية.

ومن هذا المنظور يحظى العراق بأهمية استثنائية بالنسبة لتركيا وسياستها الخارجية وتتجلى من خلال ما يلي:

اولا: الموقع الجغرافي للعراق ضمن المناطق البرية القريبة لمناطق الشرق الاوسط والبلقان والقوقاز.

ثانيا: تجمع بين البلدين حدود برية مشتركة تمتد على مدى (348كلم) , وهو ما يغذي ثنائية التأثر و التأثير على طرفي الحدود وفي الاتجاهين سيما على مستوى العلاقات التجارية والروابط الاجتماعية والثقافية, والتأثيرات السياسية والاستراتيجية , كما كان العراق جزءا مهما من اراضي الدولة العثمانية وحظي باهتمام خاص طوال تلك الفترة باعتباره عمقا جغرافيا للأناضول وارضا لحضارة مدنية سابقة على الدولة العثمانية.

ثالثا: التشابه الكبير في الفسيفساء العرقية التي تجمع البلدين ,عرب, اكراد, تركمان, اضافة الى التفاعل الثقافي الحضاري والاجتماعي بين شعبيهما على طرفي الحدود.

رابعا: يحتفظ الشعب التركي بمكانة خاصة للموصل ومازال ينظر لها كعمق استراتيجي له خسره اضطرارا بعد الحرب العالمية الاولى, ويعتبرها بعض المحللين السياسيين والاستراتيجيين الاتراك" خط الدفاع الاول عن بلادهم". ولغرض توضيح مسار العلاقات العراقي- التركية سنورد ثلاث محطات منها: المحطة الاولى: الحرب العراقية – الايرانية1980-1988

شعرت تركيا بقلق شديد من اندلاع الحرب العراقية – الايرانية في ايلول1980, وتصورت ان هذه الحرب ستؤثر تأثيرا كبيرا عليها , ولاسيما اذا ما وقفت الى جانب احدى الدولتين كونهما يقعان على حدودها المباشرة , اضافة الى ان تركيا كانت تعاني من اضطرابات داخلية حيث ان هذه الحرب جاءت بعد عشرة ايام من الانقلاب العسكري التركي لذلك وقفت تركيا موقفا محايدا من طرفي النزاع ولم تقم بدعم اي طرف على حساب الطرف الاخر ودعت رسميا الى ضرورة وقف الحرب وحلها بالطرق السلمية واعلنت عدم تأييدها لأي تدخل اجنبي ومع سياسة الحياد التركية المتبعة من الحرب احتفظت بعلاقات اقتصادية متميزة ومتوازن مع البلدينو رحبت بقرار مجلس الامن الدولي رقم(598)القاضي بوقف اطلاق النار في اغسطس/اب 1988.

المحطة الثانية: موقف تركيا من الغزو العراقي للكويت1990-1991

أصدرت تركيا بيانا في نفس يوم الاجتياح العراقي للكويت عام 1990,جاء فيه"تشعر تركيا بالقلق العميق لان حالة التأزم التي كانت قائمة بين العراق والكويت قد أدت إلى دخول القوات العراقية أراضي الكويت منتهكة سيادة الكويت ووحدته الإقليمية إننا نتابع باهتمام هذه التطورات التي جرت في منطقة قريبة جدا في بلدنا ونأمل أن لا تؤدي الأوضاع إلى تصاعد في المنازعات الحالية في المنطقة وان إيجاد تسوية يمكن أن تعيد للكويت سيادته ووحدة ترابه ويمكن التوصل إليه بأسرع ما يمكن"جاءت زيارة طه ياسين رمضان نائب رئيس العراق الأسبق إلى أنقرة في 5/آب/ 1990, وسلم رمضان رسالة شفوية من الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين إلى الرئيس توركوتاوزال وأكد اوزال لرمضان "التزام تركيا بشعار السلم في الداخل والسلم في الخارج وان تركيا لا يمكن أن تخوض حربا بسهولة ضد أي دولة أجنبية وانها تعمل في سبيل عدم إثارة أي مشكلة مع الدول التي حولها وتؤمن بالوقت نفسه بان القوة لاتحل أية مشكلة", واخذ اوزال يستخدم مصطلح الشعوب العراقية ونشرت صحيفة حريت اليسارية التركية ماسمي خريطة اوزال للعراق وتقوم هذه الخريطة على أساس تقسيم العراق إلى ثلاث أجزاء على أساس عرقي ثم جمعها في كونفدرالية عربية, كردية, وتركمانية. وعلى الرغم من رفض تركيا المشاركة في الحرب المشاركة في الحرب بشكل مباشر إلا إنها قدمت الكثير من التسهيلات للقوات الجوية الأمريكية ,البريطانية, والفرنسية, في فرض حظر جوي على الطيران العراقي في شمال البلاد.

المحطة الثالثة: موقف تركيا الاحتلال الامريكي للعراق عام2003

اتخذت جهود تركيا لمنع نشوب الحرب أشكالا متعددة من بينها:

1-امتناع تركيا من المشاركة بالحرب.

2-سعي تركيا للتعاون والتنسيق الإقليمي مع دول الجوار الجغرافي للعراق لمنع نشوب الحرب.

3-سعي تركيا لدى بغداد لإقناع القيادة العراقية بالتخلي عن السلطة ونزع فتيل الحرب. واتخذ بعد ذلك البرلمان التركي قرار بعدم المشاركة بالحرب. أو السماح بوجود القوات الأمريكية على أراضيه.وعندما نشبت الحرب في آذار عام2003 رفضت الحكومة التركية السماح للقوات الأمريكية بالنزول في أراضيهاأو فتح جبهة شمالية وذلك لان تركيا كانت تدرك ان أي تدخل عسكري أمريكي عن طريق تركيا سيؤدي إلى توتر العلاقات التركية- العربية الإسلامية وسيسئ لصورة تركيا إقليميا ودوليا فضلا عن ذلك فان تركيا لم تحصل على ضمانات كافية بشان مستقبل الأكراد والتعامل الأمريكي مع تركيا من وجهة نظر استعلائية , وكما إن تركيا كانت ترى في الحرب إنها غير شرعية وان المشاركة فيها انتهاك للمادة(92) من الدستور التركي.

ان المتغيرات التي مرت بها العلاقات العراقية – التركية وخصوصا المواقف التركية تجاه العراق في المحطات التاريخية السالفة الذكر وفق المحددات والاسس التي تساهم في تشكيل الرؤية والاستراتيجية التركية حيال العراق. ويمكن التطرق الى اهم المحددات والاسس السياسة الخارجية التركية تجاه العراق هي:

1-قضية حزب العمال الكردستاني.

2-وحدة الاراضي العراقية.

3-العلاقات الاقتصادية.

4-العلاقة مع ايران.

طموحات تركيا في العراق في مرحلة ما بعد تنظيم الدولة داعش بالنسبة لمشكلة الموصلفعلى الرغم من مرور سبعون عاما على توقيع تركيا اتفاقية بشان تبعية الموصل للسيادة العراقية إلاإنها مازالت موضع جذب لأنقرة في اتجاه اعتبارها منطقة انتزعت منها رغما عنها.واثر قيام تنظيم الدولة بالاستيلاء على اجزاء واسعة من العراق من بينها محافظات الانبار والموصل وصلاح الدين وسنجار, واقترابه من اقليم كردستان, وتهديده القريب من الحدود التركية في سوريا وخاصة مدينة عين العرب "كوباني" على الاستراتيجية الامنية التركية تجاه سوريا والعراق , حيث وقفت تركيا امام مفترق طرق اما الابتعاد والانزواء والدفاع عن امنها بنفسها او المشاركة في التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الامريكية لمحاربة التنظيم في العراق وسوريا. وهذا ما كدته دخول القوات التركية الى منطقة بعشيقة في 2/ كانون الثاني 2016,كان المبرر التركي لدخولها هو تدريب مجموعات عربية وكردية عراقية لمواجهة تنظيم الدولة داعش, وهذا ما ترجم الى ارض الواقع من خلال تصريحات السياسيين الاتراك الذين ازداد نفوذهم بعد المحاولة الانقلابية الاخيرة في منتصف تموز 2016 بالحق التاريخي لتركيا في مدن الموصل وكركوك التي كانت تابعة للإمبراطورية العثمانية فضلا عن الخطة التركية التي كشف النقاب عنها وزير الخارجية التركي جاويشاوغلو بإنشاء ملاذ امن للاجئين في شمال العراق. وأصر اردوغان على مشاركة بلاده في معركة تحرير الموصل من داعش حيث قال "ان بلاده لا تتحمل مسؤولية النتائج الناجمة عن اي عملية لا تشارك فيها ومن المحال تنحية انقرة جانبا"

اهم الاستنتاجات التي توصل اليها البحث

1-تحاول تركيا من خلال المشكلات العالقة بيننها وبين العراق التدخل في شؤون العراق الداخلية , ومنها استغلالها لحزب العمال الكردستاني كذريعة للتجاوز على ارضه.

1- سيكون لتركيا دورا مهما في توازنات العراق في البعدين المحلي والاقليمي.

2- تعد تركيا قضية تركمان كركوك الورقة الرابحة في حساباتها, يمكن استخدامها متى شاءت من اجل تحقيق اهدافها في ابقاء كركوك ونفطها خارج السيطرة الكردية.

........................................
* بحث مقدم لمؤتمر الاستقرار الأمني والمجتمعي في العراق لمرحلة ما بعد داعش، الذي عقد من قبل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية جامعة بغداد، وبالتعاون مع مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام بتاريخ 23/10/2017.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0