بقلم: جوزيف ناي

كمبريدج- أدى الغزو الروسي لأوكرانيا إلى إحياء العديد من الأسئلة حول الردع النووي. ومهما كانت نتيجة هذه الحرب التي قد تكون طويلة، إلا أن القضايا التي أثارتها لن تختفي.

في عام 1994، تخلت أوكرانيا عن الأسلحة النووية التي ورثتها عن الاتحاد السوفيتي مقابل ضمانات أمنية من الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وروسيا. ولكن تبين فيما بعد أن تلك الضمانات لا قيمة لها. ولأن أوكرانيا ليست عضوًا في الناتو، فهي لا تستفيد من الردع الموسع للمظلة النووية الأمريكية.

ماذا عن الجمهوريات السوفيتية السابقة التي انضمت إلى الناتو؟ هل فِعلا ستنجح الولايات المتحدة في الردع الموسع مع إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، أو مع حلفائها في آسيا؟ لكي يكون الردع ذا مصداقية، يجب أن تكون الأسلحة النووية صالحة للاستخدام. ولكن إذا كانت صالحة للاستخدام للغاية، فقد يؤدي وقوع حادث أو سوء تقدير إلى اندلاع حرب نووية كارثية بسهولة.

ولتحقيق توازن فعال، يجب أن ننظر في المزيج المناسب من الأدوات النووية والتقليدية وغيرها، ثم خفض المكون النووي كلما أمكن ذلك. فعلى سبيل المثال، مهما كانت الاستجابة المناسبة لترسانة كوريا الشمالية النووية المتنامية، لا ينبغي أن تتضمن إعادة استخدام الأسلحة النووية التكتيكية التي أزالها الرئيس جورج بوش الأب من شبه الجزيرة الكورية في عام 1991.

كذلك، بالنسبة لليابان، فإن مصداقية الردع الأمريكي الموسع تتوقف على تمركز القوات الأمريكية هناك، وليس على وجود أسلحة نووية. ومن خلال التعاطف مع اليابان فيما يتعلق بضعف قواتها اليابانية، تبني الولايات المتحدة مجتمعَ مصير يقلل من خوف حلفائها من التخلي عنها. وبينما كان المشككون يشيرون إلى أن فرقة القوات الأمريكية الصغيرة في برلين لا يمكنها الدفاع عن المدينة ضد الاتحاد السوفيتي، إلا أن الوجود المادي لأمريكا أثبت أنه ضروري للردع، وتحقيق نتيجة سلمية للحرب الباردة. (كان هناك أيضًا فترة كانت فيها الولايات المتحدة تملك مدفعية نووية متمركزة في أوروبا؛ ولكن بسبب المخاطر على القيادة والسيطرة، تمت إزالتها).

ومع استمرار الولايات المتحدة ودول أخرى في تحديث قواتها، استمر الجدل بشأن قابلية الاستخدام. إذ يعتمد الردع على علم النفس، ويجادل بعض المحللين بأن التفوق الملحوظ في الأسلحة القابلة للاستخدام يمكن أن يحدث فرقًا أثناء الأزمات. ويجادل آخرون، مثل العالم السياسي الراحل من جامعة كولومبيا، روبرت جيرفيس، بأن جميع مقاييس التوازن النووي بدائية للغاية، بحيث لا يمكن أن تكون مفيدة في التوصل إلى مثل هذه الاستنتاجات. فالتدمير المتبادل المؤكد شرط وليس سياسة.

والواقع أن التاريخ أظهر أن المرء لا يحتاج إلى احتمالية استخدام كبيرة كي يخلق ردعا وجوديا. إذ على الرغم من التفوق الساحق للترسانة النووية الأمريكية، إلا أن الرئيس جون ف. كينيدي شعر مع ذلك بالردع بسبب خطر صغير في التصعيد خلال أزمة الصواريخ الكوبية. واليوم، تبدو الأسلحة النووية الصغيرة والدقيقة قابلة للاستخدام لدرجة أننا أصبحنا نتعامل معها على أنها عادية؛ لكن مخاطر التصعيد لا تزال قائمة، وموقع بعض الأهداف العسكرية بالقرب من المدن يعني استمرار الأخطار. ويعتمد تجنب وقوع كارثة ما على الحد من مخاطر الحرب النووية- المتعمدة وغير المقصودة- أكثر من اعتماده على التغييرات في عقائد الاستهداف.

وباتباع مبدأ الحد من المخاطر، يمكننا رفض بعض السياسات تمامًا. فعلى سبيل المثال، قد يعزز بروتوكول "الإطلاق بمجرد الإخطار" الذي يفوض سلطة الإطلاق النووي لقادة ساحة المعركة الردع، ولكنه يزيد أيضًا من خطر الاستفزاز غير الضروري. ويتناسى صقور الدفاع أحيانًا أن الردع يعتمد على نفسية الخصم، وليس فقط على سيكولوجية الخصم.

ومن ناحية أخرى، فإن ما تقترحه حمائم الدفاع للهروب من معضلة قابلية الاستخدام واسترضاء الخصوم قد يخلق انطباعًا بالضعف، ومن ثم إغراء الخصوم حتى يتحملوا المزيد من المخاطر. وفي بعض الأحيان، يكون الاستراتيجيون النوويون الحمائم أذكياء إلى درجة الغرور عندما يبتكرون استراتيجيات مفصلة تعتمد فقط على الحسابات بدلاً من الخبرة.

ويمثل البوم الدفاعي أرضية وسط الصقور والحمائم، ويضع علاوة على الحد من المخاطر. وفي حين أن الصقور جاهزون لانطلاق في أي لحظة بينما الحمائم لديهم حافظة لزجة، فإن البوم يوفرون أمانًا موثوقًا به.

ويذكرنا الغزو الروسي لأوكرانيا بأننا ما زلنا نعيش في عالم به أسلحة نووية، وأن علينا أن نسعى للتقليل من (وإن لم يكن إلغاء) المخزونات على المدى الطويل. وكما قال الفيزيائي ريتشارد غاروين ذات مرة، في ملاحظة له: "إذا كان احتمال نشوب حرب نووية هذا العام هو واحد بالمائة، وإذا تمكنا كل عام من تقليله إلى 80 بالمائة فقط مما كان عليه في العام السابق، فإن الاحتمال التراكمي للحرب النووية على مدار الزمان سيكون 5 في المائة".

إن التأثير النفسي للردع النووي على حياتنا الأخلاقية هو نتيجة مهمة أخرى طويلة المدى يجب وضعها في عين الاعتبار. فقد شبه اللاهوتي، بول رامزي، ذات مرة الردع النووي بربط الأطفال بمصدات السيارات كوسيلة لإبطاء حركة المرور وتقليل عدد الأرواح التي تُزهق في حوادث الطرق. ولكن رغم أن هذه الاستعارة تساعد في التحريض على الاشمئزاز الأخلاقي، إلا أنها ليست تصويرًا دقيقًا، لأن الناس اليوم ببساطة لا يعانون من القلق الذي يتوقع المرء رؤيته في سيناريو رامزي. وبالطبع، لا تستدعي قلة القلق الرضا عن النفس؛ بل تبرر "الردع العادل" (امتداد لنظرية الحرب العادلة، مقترنا مع التركيز طويل المدى على تقليل المخاطر النووية.

وعلى الرغم من أن أي جهد للتنبؤ بالتغيير على المدى الطويل سيكون محبطًا بصورة شبه مؤكدة، إلا أنه لا يزال بإمكاننا رسم مخططات تقريبية للسيناريوهات المستقبلية المعقولة، مع البقاء دائمًا على استعداد للمفاجآت، التكنولوجية منها والسياسية. ففي الماضي، أتاحت التحسينات التكنولوجية في الدقة تقليل إنتاجية الأسلحة النووية وحجمها. ومع ذلك، ظهرت مجموعة جديدة كاملة من المشاكل مع ظهور الهجمات الإلكترونية على أنظمة القيادة والتحكم، وهجمات الليزر على الأقمار الصناعية، وأنظمة الأسلحة المستقلة. وهذه هي أنواع المخاطر التي يجب أن نسعى لتوقعها، وفهمها، والتقليل منها.

وستتغير السياسة أيضا. فخلال الحرب الباردة، طور الخصوم الأيديولوجيون ببطء نظاما قائما على قواعد الطريق الضمنية والصريحة، لأن كل واحد منهم أدرك أن لديه مصلحة في تجنب الحرب النووية. ويمكن أن تأخذ المنافسة الاستراتيجية اليوم مع الصين وروسيا مجرى معينا في المستقبل. وبينما نتكيف مع التغييرات والمفاجآت، يجب أن نواصل النظر في كيفية تأثير قراراتنا على الهدف طويل الأجل المتمثل في الحد من مخاطر الحرب النووية.

* جوزيف ناي، سكرتير مساعد وزير الدفاع السابق، وأستاذ في جامعة هارفارد، مؤلف كتاب القوة الناعمة وكتاب مستقبل القوة وكتاب هل انتهى القرن الأميركي؟ و"هل الأخلاق مهمة القادمة"؟ الرؤساء والسياسة الخارجية من روزفلت إلى ترامب.
https://www.project-syndicate.org

اضف تعليق