بقلم: براهما تشيلاني

بانكوك ــ عندما انتهت الحرب الباردة، توقع كثير من الخبراء والمراقبين قدوم عصر جديد حيث يحدد الاقتصاد الجغرافي هيئة السياسة الجغرافية. ومع تقدم التكامل الاقتصادي، تنبأوا بأن النظام القائم على القواعد سيمد جذوره إلى مختلف بقاع العالم، وأن الدول ستلتزم بالقانون الدولي أو تتحمل تكاليف باهظة.

اليوم، يبدو هذا التفاؤل أقرب إلى السذاجة. فعلى الرغم من اكتساب النظام الدولي القوة على نحو متزايد ظاهريا ــ مدعوما، على سبيل المثال، باتفاقيات ومعاهدات الأمم المتحدة، والاتفاقات العالمية مثل اتفاق باريس للمناخ لعام 2015، والمحكمة الجنائية الدولية ــ ظلت سيادة القوة غالبة على سيادة القانون. ولعل الدولة التي حققت أقصى قدر من الاستفادة من هذا الوضع هي الصين.

لنتأمل هنا مشاريع السدود التي أقامتها الصين على نهر الميكونج، الذي يتدفق من هضبة التبت التي تسيطر عليها الصين إلى بحر الصين الجنوبي، عبر ميانمار، ولاوس، وتايلاند، وكمبوديا، وفيتنام. فببناء أحد عشر سدا ضخما بالقرب من حدود هضبة التبت، قبل عبور النهر مباشرة إلى جنوب شرق آسيا، ألحقت الصين ضررا لا يمكن إصلاحه بنظام النهر وأحدثت دمارا بيئيا أوسع نطاقا، بما في ذلك تسرب المياه المالحة إلى دلتا الميكونج، والذي تسبب في انحسار الدلتا.

اليوم، يجري النهر عند أدنى مستوى مسجل في 100 عام، وتشتد حدة الجفاف في بلدان مصب النهر. وهذا يعطي الصين قدرا كبيرا من النفوذ على جاراتها. ومع ذلك، لم تواجه الصين أي تبعات لاستخدامها مياه الميكونج كسلاح. ليس من المستغرب إذن أن تقوم الصين ببناء، أو تخطط لبناء، ثمانية سدود ضخمة أخرى على الأقل على نهر الميكونج.

بل وربما تكون تصرفات الصين في بحر الصين الجنوبي أشد وقاحة. يوافق هذا الشهر الذكرى السنوية السادسة لإطلاق الصين برنامجها الضخم لاستصلاح الأراضي في الممر الاستراتيجي العظيم الأهمية الذي يربط بين المحيطين الهندي والهادئ. فمن خلال بناء وعسكرة جزر اصطناعية، أعادت الصين رسم خريطة المنطقة الجيوسياسية دون إطلاق رصاصة واحدة ــ أو تكبد أي تكاليف دولية.

في شهر يوليو/تموز من عام 2016، قضت محكمة تحكيم دولية أنشأتها محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي بأن مطالبات الصين الإقليمية في بحر الصين الجنوبي تفتقر إلى الشرعية بموجب القانون الدولي. لكن قادة الصين تجاهلوا الحكم ببساطة، واصفين إياه بأنه "مهزلة". وما لم يتغير أي شيء، فإن الخطة التي تقودها الولايات المتحدة لجعل منطقة المحيط الهادي الهندي "حرة ومفتوحة" ستظل حبرا على ورق.

إن ازدراء الصين الصريح لحكم محكمة التحكيم الدائمة يتعارض بشدة مع استجابة الهند للقرار الصادر عن محكمة أنشأتها محكمة التحكيم الدائمة في عام 2014، والذي قضى بمنح بنجلاديش ما يقرب من 80% من أراض متنازع عليها في خليج البنغال بمساحة 25602 كيلومترا مربعا. ورغم أن القرار لم يصدر بالإجماع (على النقيض من قرار المحكمة بشأن بحر الصين الجنوبي الصادر بالإجماع) وتضمن عيوبا واضحة ــ حيث ترك "منطقة رمادية" كبيرة في الخليج ــ فقد قبلته الهند على الفور.

الواقع أنه في الفترة من 2013 إلى 2016 ــ بينما كانت الدعوى التي أقامتها الفلبين ضد مطالبات الصين في بحر الصين الجنوبي منظورة أمام القضاء ــ أصدرت ثلاث محاكم مختلفة أنشأتها محكمة التحكيم الدائمة ثلاثة أحكام ضد الهند في نزاعات مع بنجلاديش وإيطاليا وباكستان. وامتثلت الهند للأحكام الثلاثة.

المغزى الضمني هنا واضح: فبالنسبة للدول الكبيرة ذات النفوذ أو التأثير، يُـعَد احترام النظام القائم على القواعد اختيارا ــ وهو الاختيار الذي تبدو الصين، في ظل الطابع الخاص الذي يميز نظامها، عازفة عن اتخاذه. على هذه الخلفية، من غير المرجح أن تكون الإجراءات القانونية المحتملة من قِبَل فيتنام بشأن أراضيها المتنازع عليها مع الصين ــ التي كانت تتدخل في أنشطة التنقيب عن النفط والغاز التي تزاولها فيتنام داخل منطقتها الاقتصادية الخاصة في بحر الصين الجنوبي ــ ذات أي أثر يُذكَر. الواقع أن فيتنام تدرك أن الصين ستتجاهل أي حكم صادر ضدها وسوف تستخدم نفوذها التجاري لمعاقبة جارتها الأقل قوة.

لهذا السبب هناك حاجة ماسة إلى آلية إنفاذ للقانون الدولي. فسوف تنشأ المنازعات بين الدول دائما. ويتطلب ترسيخ السلام آليات لحل هذه المنازعات بصورة عادلة وفعّالة، وتعزيز احترام الحدود القائمة.

مع ذلك، يبدو من غير المرجح أن تنشأ مثل هذه الآلية في أي وقت قريب. فالصين ليست وحدها في انتهاك القانون الدولي دون عقاب: فقد انتهكته أيضا كل زميلاتها من الدول الأعضاء في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ــ فرنسا، وروسيا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة. وهي ذات الدول التي ائتمنها ميثاق الأمم المتحدة على مهمة مناصرة السلام والأمن الدوليين.

في زمننا الحاضر، أصبح القانون الدولي قويا ضد المستضعفين، وعاجزا في مواجهة الأقوياء. وعلى الرغم من التحولات الهائلة التي طرأت على الاقتصاد، والأوضاع الجيوسياسية، والبيئة، يبدو أن هذه الحال لن تتغير، حيث تستخدم الدول الأقوى القانون الدولي لفرض إرادتها على نظيراتها الأكثر ضعفا، في حين تتجاهله هي ذاتها. وما دام هذا الوضع قائما، فإن النظام العالمي القائم على القواعد سيظل أشبه بورقة التوت التي تغطي عورة ملاحقة المصالح الوطنية بالقوة.

* براهما تشيلاني، أستاذ الدراسات الاستراتيجية في مركز مقره نيودلهي لأبحاث السياسات، وهو مؤلف من الطاغوت الآسيوي، المياه: آسيا جديد ساحة القتال
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق