ومثلما عرض تشومسكي رؤيته حول القوة الناعمة، فإن جوزيف ناي من جامعة هارفارد قدّم مفهومه بخصوص القوة الناعمة في العلاقات الدولية، وذلك حين تحدّث عن قوة النموذج الذي ينتصر فيه على نموذج القوة ليؤكّد أن العدوان الأمريكي على العراق لم يكن مبرّراً مشيراً إلى أنه كان يمكن كسب المعركة بالقوّة النّاعمة ودون تكلفة تُذكر، محذّراً من الإفراط في التوسّع العسكري، لا سيّما بعد احتلال أفغانستان، معتبراً الحرب ليست قدراً محتوماً، لا في السابق ولا في الحاضر، وبحث ذلك مطوّلاً في كتابه "تناقضات القوة الأمريكية" الذي عاد ونشره بعد تعديلات إضافات بعنوان "القوّة النّاعمة".

الحروب الخشنة تفرض معادلاتها، لكنها قد تسبّب ردود فعل وانعكاسات تأتي تأثيراتها لاحقاً، فمثلاً أدّت الحرب العالمية الأولى إلى انهيار 4 إمبراطوريات: الأولى ألمانيا، والثانية النمسا - هنغاريا، والثالثة روسيا، والرابعة الإمبراطورية العثمانية، (الرجل المريض الذي كان مصاباً بالشلل وأخذ يتغلّغل في جميع مفاصله حتى انتهى بالقضاء عليه)، وكان لبريطانيا وفرنسا الدور الحاسم في اصطفافات عالمية جديدة وفي تقاسم مناطق نفوذ، مع ظهور دور واعد للولايات المتحدة وخروجها من عزلتها.

وكان من نتائج الحرب العالمية الثانية، سقوط ألمانيا مجدداً وانهيار الإمبراطورية اليابانية وإيطاليا، وصعود توازن جديد، أساسه الحلف المعادي للفاشية، وخصوصاً: بين واشنطن وموسكو، والأخيرة شقّت نظام العلاقات الدولية بعد الثورة الاكتوبرية العام 1917، والتي كانت الحرب العالمية الأولى واحدة من عوامل نجاحها.

هذه المقاربة التاريخية للحروب، ولا سيّما الخشنة، تبيّن أن الصراع لاحقاً وبفعل امتلاك السلاح النووي، اتّجه نحو الحرب الناعمة، حتى وإن كانت تعبيرات الحرب الخشنة باقية ومؤثرة، تارة بزعم كونها "حرباً وقائية"، وأخرى الزعم بأن "الحرب أمر حتمي" لا يمكن تلافيه أو "لأهداف الردع" من "خطر محتمل" أو "وشيك الوقوع" أو "الخشية من صعود قوة دولية" قد تحدث فجوة في نظام العلاقات الدولية.

الحرب ليست حتمية، كما أنها لا تحدث بمحض الصدفة، إنها عن سابق تخطيط وتنظيم، حتى وإن حرّكتها أو دفعتها عوامل ظرفية أو محدودة، لكنها تحمل في داخلها عوامل أساسية تتعلق بالمصالح ومحاولات فرض الهيمنة والنفوذ وإملاء الإرادة.

قد تبدو الحرب فرصة لتحقيق الأهداف بالوسائل العسكرية، أي أنها دبلوماسية بالعنف أو على حد تعبير المفكر النمساوي كلاوزفيتز: الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل عنفية، للوصول إلى الأهداف، لكن مثل هذه الوسائل تصبح أقل تأثيراً في العلاقات الدولية، في ظل موازين القوى الجديد ووجود السلاح النووي، حتى وإن كانت الحرب أكثر إغراء لبعض الزعماء، لأنها تحقق الأهداف بصورة سريعة وحاسمة، أكثر من الحرب الناعمة الطويلة الأمد، ولكن العالم يدرك مدى خطورة مثل هذا الاختيار المدمّر للآخر، مثلما سيكون مدمّراً للذات.

لنتصوّر أن المنافسة المحمومة اليوم بين واشنطن وبكين ستؤدي إلى حرب عسكرية، فماذا ستكون النتائج؟ بالطبع ستكون كارثية على العالم كلّه، لذلك تظهر القوة الناعمة وسيلة مهمّة لتحقيق الأهداف، وذلك من خلال وسائل مختلفة:

الأولى - الأدوات الثقافية، حيث تكون لها جاذبية في الانتشار والتأثير على العقول.

الثانية - القيم السياسية، ويبدو الصراع الدولي اليوم محتدماً حول مسألة التعدّدية والتنوّع واحترام الآخر، إضافة إلى مبادىء المساواة والعدالة وغير ذلك.

الثالثة - العوامل الاقتصادية، التي يجري سباق لا حدود له بين الدول والمجتمعات، بخصوص تحقيق دولة الرفاه، وليس دولة الرعاية فحسب، إضافة إلى الوفرة المادية.

الرابعة - الوسائل الإعلامية، وأساليب التضليل والخداع وأنصاف الحقائق والتشويه والدعاية والتلفيق، وغير ذلك.

الخامسة - الدور الذي يمكن أن تلعبه العلاقات الخارجية والنهج الذي يحدّده باعتباره قيمة أخلاقية ومعنوية بالدعوة للقيم السياسية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1