بقلم: مارتن ريس

كمبريدج ــ يسعى البشر منذ قديم الأزل إلى الحصول على أكسير الشباب، ومن غير المستغرب إذن أن يحرص حتى غير العلماء على متابعة آخر الأبحاث في مجال الشيخوخة عن كثب. ولكن هل ما يعتبره القسم الأعظم من الناس حقيقة من حقائق الحياة ببساطة هو في واقع الأمر "مرض" يمكن علاجه؟ أو أن هناك حدا ما لا يمكن تجاوزه لدورة حياة أجسام البشر؟

لا ريب أن الجميع تقريبا يرحبون بتمديد دورة حياتهم على أن تكون موفورة الصحة، ويبحث بعض العلماء في طرق متزايدة التطرف لتحقيق هذه الغاية. ولكن إذا لم نتمكن من البقاء على قيد الحياة إلا بالاستعانة بتدابير متطرفة، فإن كثيرين منا سيختارون بدلا من ذلك عدم الإنعاش والعلاج الملطف فحسب. وقد نجد أيضا الراحة في الحصول على خيار "المساعدة على الموت" بمجرد أن تنخفض جودة حياتنا وتوقعاتنا لها إلى ما دون عتبة معينة. علاوة على ذلك، ربما تفضي الزيادة الكبيرة في متوسط العمر المتوقع إلى عواقب غير مرغوبة وبعيدة المدى على المجتمع ككل.

تناول قسم كبير من الأبحاث الجادة في مجال الشيخوخة امتدادات من الحمض النووي تسمى تيلوميرات والتي تتناقص مع تقدم الناس في العمر. من خلال ضبط تيلوميرات الديدان الخيطية، على سبيل المثال، تمكن العلماء من زيادة دورة حياة هذه المخلوقات إلى عشرة أضعاف، وإن كان ذات النهج خلف تأثيرا أقل على الحيوانات الأكثر تعقيدا. وتتلخص الطريقة الوحيدة لإطالة عمر الفئران في إعطائهم نظام غذائي أقرب إلى التجويع. لكن فأر الخلد العاري ربما يحمل لنا بعض الدروس البيولوجية الخاصة؛ فبعض أفراد هذا النوع تعيش أكثر من 30 عاما ــ أطول بعدة مرات من أعمار الثدييات الصغيرة الأخرى.

إن أي طفرة كبرى في إطالة حياة الإنسان من شأنها أن تغير بشكل كبير توقعات السكان. وسوف تعتمد الآثار الاجتماعية، رغم كونها ضخمة بشكل واضح، على ما إذا كان في الإمكان إطالة سنوات الشيخوخة أيضا؛ وما إذا كان سن المرأة عند انقطاع الطمس ليزيد؛ وكيف قد يجري تنظيم الأسر إذا كانت أجيال عديدة على قيد الحياة في ذات الوقت. كما قد تخلف علاجات إطالة أمد حياة الإنسان الباهظة الثمن عواقب تتصل بعدم المساواة والتفاوت بين الناس؛ فكما هي الحال في كثير من مجالات التكنولوجيا الأخرى، سيكون الأثرياء أكثر قدرة على تحمل تكلفة مثل هذه الخدمات.

إن الرغبة القوية في حياة أطول تخلق سوقا جاهزة للعلاجات الغريبة ذات الفعالية غير المختبرة. على سبيل المثال، كانت شركة أمبروزيا، وهي شركة أميركية بادئة تأسست عام 2016، تعرض على المسؤولين التنفيذيين في سليكون فالي نقل "دماء شابة"، وإن كانت الشركة أوقفت هذا العلاج في وقت سابق من هذا العام بعد تحذير من هيئات تنظيمية أميركية. وكان الميتفورمين من البدع الأخيرة في محاولات إطالة أمد الحياة، وهو عقار يستخدم لعلاج مرض السكري، لكن بعض الخبراء يزعمون أنه قادر على تجنيب من يتعاطاه من الأشخاص الأصحاء الإصابة بالـخَرَف والسرطان.

الأمر الأقرب إلى المصداقية هو أن تحليل الجينوم البشري بواسطة شركة أميركية تحمل اسم 23andMe أسفر عن رؤى مثيرة للاهتمام حول ضعف البشر في مواجهة بعض الأمراض، وكذا في ما يتصل بأسلافنا. يسعى كريج فينتر، الرائد في رسم خرائط الجينوم البشري، إلى تحليل جينومات الآلاف من أنواع البكتيريا التي تعيش في أمعائنا ــ وهو نظام بيئي داخلي ربما يكون بالغ الأهمية لصحتنا.

لا ينبع التوق إلى الشباب الأبدي في وادي السليكون من الثروة الهائلة التي يتمتع بها نجومه البارزة فحسب، بل وأيضا من ثقافة تعتبر من هم فوق سن الثلاثين مسنين. ويأمل راي كورزويل، وهو أحد أتباع المذهب المستقبلي، في الوصول إلى "سرعة الإفلات" المجازية، عندما يتقدم الطب بسرعة كبيرة إلى الحد الذي يجعل متوسط العمر المتوقع يزيد بأكثر من عام واحد كل عام، مما يوفر احتمال الخلود. أو ربما تصبح أجهزة الكمبيوتر متطورة إلى الحد الذي يجعلنا قادرين على تنزيل أدمغتنا إلى أجهزة محاكاة إلكترونية، وبالتالي إدامة وعينا وذكرياتنا على هذا النحو.

لكن المتحمسين لطول العمر يخشون أن "سرعة الإفلات" قد لا يمكن الوصول إليها خلال حياتهم الطبيعية المتوقعة، وعلى هذا فإنهم يرغبون في تجميد أجسامهم من لحظة وفاتهم إلى أن يصبح الخلود في حكم الممكن. قبل وقت ليس ببعيد، قام ثلاثة أكاديميين في المملكة المتحدة (يسعدني أن أقول إنهم ليسوا من جامعتي، كمبريدج) بالتوقيع على وثائق لإبدال الدماء في جثثهم بالنتروجين السائل. أحدهم التزم بشكل كامل مع معهد كريونيكس في ولاية ميشيجان، في حين لجأ اثنان إلى الخيار الأرخص المتمثل في جعل شركة ألكور في ولاية أريزونا تجمد رأسيهما فحسب. وقد تقبل ثلاثتهم أن احتمال قيامهم من الموت ضئيلة، لكنهم أشاروا إلى أن هذا الاحتمال سيكون صِفرا لولا ذلك.

الحق أنني أجد صعوبة كبيرة في التعامل بجدية مع هذا الطموح، وأنا شخصيا أفضل إنهاء أيامي في فناء كنيسة إنجليزية وليس في حجيرة تجميد أميركية. ولا أظن أن نجاح حفظ الجثث بالتجميد، إذا نجح على الإطلاق، أمر طيب. لنفترض أن شركة ألكور استمرت في العمل وأنها ظلت ملتزمة برعاية الجثث المجمدة لديها على مدى القرون المطلوبة. إذا تحقق كل هذا، فسوف يجري إحياء الجثث في عالم حيث يجدون أنفسهم غرباء ــ لاجئين من الماضي.

ربما يلقون معاملة متسامحة، كما يعتقد أغلب الناس أن طالبي اللجوء المكروبين البائسين أو النازحين من قبائل الأمازون يجب أن يعاملوا اليوم. لكن الفارق هنا هو أن الجثث المذابة ستثقل كاهل أجيال المستقبل باختيارها، وليس من الواضح لهذا السبب أي قدر من الاعتبار قد يستحقون.

كان احتمال خلود البشر مادة للخيال العلمي لفترة طويلة، وسوف يكون العالم مكانا أفضل لو ظل الأمر على حاله.

* مارتن ريس، عالم الكونيات والفيزياء الفلكية، يعمل الفلكي الملكي في بريطانيا منذ عام 1995. وهو أستاذ سابق في كلية ترينيتي، كامبريدج، والرئيس السابق للجمعية الملكية
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1