حسب نظرية الانفجار العظيم وفي لحظة زمنية سحيقة للغاية مُقدّرة بـ 13.8 مليار سنة؛ وقبل وجود الزمان والمكان، وقبل وجود أي شيءٍ يُذكر، حدث انفجارٌ هائل في الفراغ المُعتم؛ من كتلة ميكروسكوبية، أصغر من أصغر جزء من مكونات الذرة.

هذه الكتلة الميكروسكوبية الهائلة؛ كانت تحتوي على كل شيءٍ موجود في الكون الآن -اكتشف، أو لم يكتشف- ؛ بشكلٍ مضغوط ومُحكم وبكثافة لامُتناهية؛ تُسمى “متفرد” أو الفردانية.

عند لحظة البدء؛ انفجرت تلك الكتلة الميكروسكوبية في كل مكانٍ؛ في آنٍ واحد؛ بُسرعة أكبر بكثير من سرعة الضوء. فمُلئ الفضاء الفارغ كُله، وتبعثر كل جُسيم في كل مكان.

صَاحَبَ ذلك الانفجار؛ طاقة هائلة بدرجة حرارة عالية للغاية لن تستطيع حتى تصّورها، أو إدراك تأثيرها! بعد هذا الانفجار؛ كانت المهمة الوحيدة التي سَلكها الكون هي التمدد بعيداً عن موضع بدايته.

فبدأ الكون بعد ذلك في رحلة البناء تدريجياً خلال ثلاثُ دقائق فقط؛ وفقاً للتسلسل الآتي ..

أولاً: بعد جزء من مئة من الثانية، هبطت درجة حرارة الكون إلى ما يقرب من 99.85 مليار درجة مئوية. هذه الحرارة؛ أسخن من درجة حرارة مراكز النجوم التي يُعرف عنها كأعلى حرارة على الإطلاق. هذه الحرارة؛ كافية لجعل مكونات المادة “الجزيئات، الذرات، النواة الذرية”، جميعها غير قادرة على التماسك فيما بينها.

كان الكون مُجرد حساء كوني؛ مُكوّن من الإلكترونات و مضاداتها “البوزيترونات”؛ و الجسيمات التي لا كتلة لها؛ مثل (الفوتونات، والنوترينوات ومضاداتها).

البوزيترونات: هي جسيمات أولية لا تدخل في تكوين المادة العادية في نواة الذرة والنيوترون، وتعتبر هو الجسيم المضاد للإلكترون.

خلال هذه المرحلة تحديداً، كان الكون يتوسع، ويبرد بسرعة مرهونة بشرط أن كل قسم من الكون؛ كان يبتعد عن أي مركز في الفضاء بسرعة انطلاقه. لم يكن يوجد سوى عدد قليل من الجسيمات النووية (بروتون واحد، أو نيوترون واحد؛ مُقابل كل مليار فوتون، أو إلكترون، أو نيوترينو).

نيوترينو: يعتبر جسيم أولي بكتلة أصغر كثيراً من كتلة الإلكترون، و ليس له شحنة كهربائية.

ثانياً: انخفضت درجة حرارة الكون إلى 29.85 مليار درجة مئوية؛ في جزء 0.11 من الثانية. ظلّت محتويات الكون كما هي (إلكترونات، بوزيترونات، نيوترينوات ومضاداتها، وفوتونات). نقصت كثافة الطاقة إلى ما يقرب من 30 مليون مرة؛ من كثافة الطاقة المحتواة في كلته السكون للماء العادي.

نقصت سرعة التوسّع؛ بحيث أصبحت المدة المميزة لتوسع الكون 0.2 ثانية. والجسيمات النووية مازالت قليلة العدد وغير مرتبطة في نوى ذرية.

ثالثاً: انخفضت درجة حرارة الكون أكثر حتى وصلت إلى 9.85 مليار درجة مئوية، مر منذ بدء الكون زمن 1.09 ثانية. بدأت النيوتريونات ومضاداتها تسلك سلوك الجسيمات الحرة؛ بسبب انخفاض درجة الحرارة.

رابعاً: درجة حرارة الكون وصلت لــ 19.85 مليار درجة مئوية، والزمن منذ اللحظة الأولى؛ 13.82 ثانية. الكون مُستمر في التوسّع؛ و أصبح بارداً بحيث تكفي تلك البرودة؛ لإتاحة الفرصة أمام النوى المُستقرة – مثل نواة الهيليوم- بالتكوّن.

سبب ذلك؛ أن البرودة سمحت لجسيمين بالتفاعل سوياً مع بعضهما؛ أدى ذلك لتشكل النواة. أيضاً تستمر النيوتريونات بالتحول إلى بروتونات، وبسرعة أقل مما سبق.

خامساً: درجة الحرارة في الكون 99.85 مليار درجة مئوية، أكثر من حرارة مركز الشمس بسبعين ضعفاً. مرت 3 دقائق من عُمر الكون. معظم الإلكترونات والبوزيترونات اختفت من الكون، وأصبح الكون مكوّن بشكلٍ رئيسي من الفوتونات والنيوترينوات ومضادتها. الكون بارد بحيث أصبحت نواة الهيليوم؛ مُستقرة.

سادساً: وصلت درجة الحرارة في الكون إلى 29.85 مليون درجة مئوية، تفانت كُلاّ من (الإلكترونات والبوزيترونات)، عدا فائضٍ بسيط – واحد من مليار – من الإلكترونات؛ الذي بَقِيَ يُكافئ الشحنة الكهربائية. الطاقة التي انطلقت من تفاني كلتا المادتين؛ ساعدت على إبقاء درجة حرارة الفوتونات أعلى من حرارة النوترينوات بنسبة 40.1%.

أصبحت الكثافة الكونية مُكافئة لـ 9.9% من كثافة الماء. تعطي هذه الكثافة للكون مدة مميزة لتوسعه تساوي ساعة وربع تقريباً.

توقفت التفاعلات النووية بسبب أن معظم الجسيمات النووية أصبحت مرتبطة في نوى الهيليوم، أو بروتونات حرة. وهناك إلكترون مُقابل بروتون حُر أو مرتبط. أيضاً؛ لا يزال الكون حاراً بحيث لا يسمح للذرات المستقرة أن تُحافظ على إلكتروناتها.

يستمر التبريد والتوسع في الكون، والزمن اللازم لكي تهبط درجة الحرارة إلى نقطة يمكن فيها للإلكترونات والنوى أن تُشكل ذرات مستقرة، واختفاء الإلكترونات الناتجة عن ذلك؛ يجعل محتوى الكون عندئذٍ شفافاً أمام الإشعاع.

هذا الانفصال بين المادة والإشعاع، يسمح للمجرات والنجوم أن تبدأ بالتكون.

وفقاً لما سبق؛ يتضح أن المواد التي خلفتها الثلاث دقائق الأولى من عُمر الكون، والتي تشكلت منها النجوم؛ كانت تتألف من (الهيليوم بنسبة 22 – 28 %، و الباقي من الهيدروجين). هذه النتيجة تقوم على فرضية أن الفوتونات هي أكثر عدداً من الجسيمات النووية. و ترتكز هذه النتيجة أو الفرضية على قياس درجة الحرارة الحالية للخلفية الكونية لإشعاع الراديو؛ الذي يُقدّر بـ3 درجة كلفن ( – 270.15 ) درجة مئوية.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1