في ظاهرة خاطئة، نلاحظها تنتشر بين المسلمين، أنهم لا يعيرون حقوقهم ذلك الإهتمام الذي تستحقه، مع أن الحفاظ على الحقوق المدنية والحريات ومنع السلطات عن تقليص حرية الرأي يعد من ميزات المجتمع المدني المتقدم، ومتى ما تخلى الانسان وتخلف او تراجع عن حماية حقوقه، فهذا يمثل مؤشرا خطيرا على فسح المجال أما السلطة لاستباحة أكثر الأمور قدسية لدى الانسان ألا وهي حقوقه وحرياته المكفولة.

ومما يثير الاستغراب أننا نمتلك إرثا حقوقيا عظيما، تركه لنا أجدادنا وأئمتنا (ع)، يتضح ذلك كمثال في الصحيفة الحقوقية للامام السجاد (ع)، حيث تبحث في طيف كبير وواسع من الحقوق التي تعددت مضامينها وأهدافها، فمنها ما يخص الفرد نفسه وذاته، وكيف يتعامل مع حواسه وجوارحه وحتى مواهبه، ومنها ما يتعلق بعلاقة الفرد بالآخرين وحسب موقعه منهم أو العكس من حيث القرابة او سواها، وبهذا تكون الصحيفة السجادية منهجا حقوقيا شاملا ومكتملا ويعد خارطة طريق لنا كي نحمي حقوقنا من الهدر بعد فهمها.

من الغريب حقا أننا نتميز بامتلاك هذا الإرث الحقوقي، لكننا في الوقت نفسه لا نستغله ولا نستفيد منه في حماية حقوقنا ومراعاة حقوق الآخرين، فمثلما نطالب بعدم المساس بحقوقنا، علينا أن نحترم ونحمي حقوق الآخرين، فنحن وفق ملاحظاتنا نلمس ضعفا في هذا الجانب لأسباب عدة، فهناك بعض العادات التي اعتادها الناس وهم يمارسون حياتهم اليومية من دون أن يعرفوا حجم الضرر الذي يلحق جراءها بالآخرين، نعم هناك كثير من الافراد لا يفكر إلا بنفسه وراحته ومصلحته، وهذا في الحقيقة يجسد نوعا خطير من الفعل الأناني والنزعة الذاتية التي لا تعبأ بحقوق الآخر فيما تستميت من اجل حقوقها.

وفي مثل هذا السلوك تناقض واضح، اذ كيف تطالب بعدم المساس بحقوقك وفي نفس الوقت تطلق الحرية لنفسك في عدم الاهتمام بحقوق الآخرين، ولعل مجمل المشكلات التي نعاني منها كشعوب ومجتمعات متأخرة عن الركب، هي عدم مراعاتنا لحقوق الآخر، لذا مطلوب أن نفتش عن الحلول كي نرقى ونتقدم، واذا عرفنا أن الكثير من الحلول مطروحة في صحيفة الحقوق للامام السجاد عليه السلام، فهذا يحتم علينا معرفة هذه الصحيفة بدقة، والاطلاع على مضامينها، والاهم من ذلك هو العمل بها في حياتنا اليومية كي نتجنب التعامل غير السليم مع حقوق الآخرين، ونسهم معهم في الحفاظ عليها وفق جهود جمعية مشتركة يبادر بها المجتمع عموما بكل مكوناته، فالحقوق تمثل منظومة غير قابلة للتجزئة.

ما بين الإنسان وجوارحه

هل ثمة حق لجوارح الانسان عليه؟ سؤال قد لا يعثر بعضهم على إجابة شافية له، ولهذا فإن الصحيفة السجادية الشريفة تتحدث لنا عن علاقة الانسان بجوارحه، كما نقرأ فيها مضامين حول لسان الانسان، إذ يقول الامام السجاد عليه السلام: (وحق اللسان إكرامه عن الخنى وتعويده الخير، وترك الفضول التي لا فائدة فيها، والبر بالناس، وحسن القول فيهم)، لاحظ هذه الجمل القصيرة التي مرت بك، (ترك الفضول/ بر الناس/ حسن القول)، إن المجتمع الذي يأخذ بهذه الجمل سيكون مجتمعا نموذجيا في احترام ذاته واحترام مكانة الانسان وقيمته.

وثمة نصوص حقوقية رائعة، تنبّه الانسان على كيفية التعامل من السلطة وسحرها وامتيازاتها وتأثيرها على الانسان الذي لا يستطيع السيطرة على نفسه فيتعامل بقمة الترفع مع الناس لأنه صار ذا سلطة لذا على صاحب السلطة مهما كان وفي أي درجة وظيفية، أو أي مركز، فإنه مطالب بالتعامل السليم مع الرعية، حيث يتجسد ذلك بوضوح تام في الصحيفة السجادية:

(وأما حق رعيتك بالسلطان فأن تعلم أنهم صاروا رعيتك لضعفهم وقوتك، فيجب أن تعدل فيهم، وتكون لهم كالوالد الرحيم، وتغفر لهم جهلهم، ولا تعاجلهم بالعقوبة، وتشكر الله عز وجل على ما آتاك من القوة عليهم)، لاحظ اذا اتصف الحاكم بالصفات أعلاه، هل سيُظلَم أحد من الناس؟ كلا، فالسلطان هنا رحيم، ينظر الى الكل نظرة ابوية رحيمة، فلا يتعرض أحد للظلم قط لأن صاحب السلطة تعامل وفق معايير الرحمة والمنطق الانساني مع الناس..

وبين الاستاذ والطالب تقوم علاقة من نوع ما، طبعا في واقعنا الراهن هذه العلاقة تنطوي على إشكالية كبيرة وواضحة، فإذا كنت استاذا أكاديميا أو مدرسا أو معلما، فإن لطلابك حق عليك، وإن علمك ليس حكرا عليك او على من ترغب له ان يتعلم وفق مزاج فردي ربما لا يكون عادلا، صحيفة الحقوق تعالج هذه العلاقة وتضع لها خارطة طريق، اذ نقرأ حول هذا الجانب:

(وأما حق رعيتك بالعلم فأن تعلم أن الله عز وجل إنما جعلك قيما لهم فيما آتاك من العلم وفتح لك من خزائنه، فإن أحسنت في تعليم الناس، ولم تخرق بهم، ولم تضجر عليهم، زادك الله من فضله. وإن أنت منعت الناس علمك، أو خرقت بهم عند طلبهم العلم منك، كان حقاً على الله عز وجل أن يسلبك العلم وبهاءه ويسقط من القلوب محلك).

وهناك في المقابل حقوق على الطلبة لأساتذتهم ومعلميهم، فحينما تنعكس الصورة، سنلاحظ ما يجب على الطلبة، من واجبات وطاعات واحترام، بإزاء الأستاذ، كما يرد ذلك في الصحيفة ذاتها عن هذا المجال: (وحق سائسك بالعلم التعظيم له، والتوقير لمجلسه، وحسن الإستماع إليه، والإقبال عليه، -والمعونة له على نفسك فيما لا غنى بك عنه من العلم، بأن تفرغ له عقلك، وتحضره فهمك، وتزكي له قلبك، وتجلي له بصرك، بترك اللذات ونقض الشهوات-، وأن لا ترفع عليه صوتك، ولا تجيب أحداً يسأله عن شيء، حتى يكون هو الذي يجيب، ولا تحدِّث في مجلسه أحداً، ولا تغتاب عنده أحداً).

ما هي حقوق الأب والأم؟

من المزايا الكبيرة في الصحيفة السجادية أنها تبحث في حقوق الجميع، فلا تنسى حقوق الوالدين، الأب والأم، ولا تنسى حقوق الأبناء على أبويهم، فالكل سوف يجد هنا ضالته وما يبحث عنه وما يرسم له طريقا سليما لحفظ الحقوق بصورة متبادلة، فللأب حقوقه المصانة كما نلاحظ ذلك في توصيف قمة في الوضوح والدقة: (وأما حق أبيك فأن تعلم أنه أصلك، وأنه لولاه لم تكن، فمهما رأيت في نفسك مما يعجبك، فاعلم أن أباك أصل النعمة عليك فيه، فاحمد الله واشكره، على قدر ذلك).

وكما قلنا أن الأبناء لهم حقوقهم على آبائهم أيضا، وعلى الأبوان مراعاة هذه الحقوق وحمايتها ورعايتها فأولا وأخيرا هؤلاء أبناؤنا وعلينا أنحميهم قبل أن نحمي أنفسنا، لذا ثمة حقوق للإبن على أبيه وأمه، على أبويه تشرحه الصحيفة السجادية وفق الصورة التالية: (وأما حق ولدك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره و شره، وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل، والمعونة له على طاعته، فاعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه، معاقب على الإساءة إليه) .

واذا كان الأب له حقوقه التي ينبغي المحافظة عليها، وللإبن حقوقه، فمن باب أولى أن يكون للأم ذات الحقوق أو أفضل منها، فنلاحظ لأن حق حق الأم الرؤوم مصان ومفصل في الصحيفة السجادية حيث نقرأ في ذلك:

(وأما حق أمك فأن تعلم أنها حملتك حيث لا يحتمل أحد أحداً، وأعطتك من ثمرة قلبها ما لا يعطي أحد أحداً، ووقتك بجميع جوارحها، ولم تبال أن تجوع وتطعمك، وتعطش وتسقيك، وتعرى وتكسوك، وتضحى وتظلك، وتهجر النوم لأجلك، ووقَتْكَ الحر والبرد ، لتكون لها، فإنك لا تطيق شكرها إلا بعون الله وتوفيقه).

وللزوجة التي تقاسم الزوج حلاوة الحياة ومرارتها، حقوقها التي ينبغي أن يصونها الزوج أيضا، فهي الشريك المهم في المؤسسة الأسرية، وهي العنصر التربوي الأول في العائلة وهي نبع الحنان ومنهله الذي يرتوي منه الأبناء طالما كانوا على قيد الحياة، ومثل هذا المنهل لابد أن يُصان وتتم المحافظة على حقوقه كما تنص صحيفة الحقوق: (وأما حق الزوجة فأن تعلم أن الله عز وجل جعلها لك سكناً وأنساً فتعلم أن ذلك نعمة من الله عليك، فتكرمها وترفق بها، وإن كان حقك عليها أوجب فإن لها عليك أن ترحمها لأنها أسيرك، وتطعمها وتكسوها، وإذا جهلت عفوت عنها).

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0