بين حين وآخر يتم استهداف أقلية ما في مجتمع ما، ويكاد هذا الأمر يتكرر في عموم دول العالم، لاسيما في المجتمعات الأكثر تطرفا وتأخرا وفقرا، وقبل الخوض في نوعية هذا الاستهداف، وأسبابه، ثمة سؤال يلوح في الأفق، ما هي الأقلية، وماذا يعني هذا المصطلح، إن الأقلية هي مجموعة تضم أقل من نصف مجموع أعضاء مجموعة أكبر منها. وفي التصويت تكون الأقلية هي المصوتون أو الأصوات التي تكون أقل من 50% من الأصوات التي يُدلى بها. وفي المجتمع يصف المصطلح مجموعة عرقية أو إقليمية أو دينية أو غيرها تمتلك هوية مميزة، ويتفوق عليها كثيرا في العدد بقية السكان.

لهذا تكون الأقلية محط استهداف الأكثرية، لاسيما اذا كانت بؤر التطرف فاعلة في ذلك المجتمع، يُضاف الى ذلك ضعف القانون، او عدم قدرة الدولة والحكومة على حماية الأقليات، كما هو الحال في مصر، وأفغانستان وسواهما، والأقلية كما يقول عنها أصحاب التخصص، هي جماعة فرعية تعيش بين جماعة أكبر، وتكون مجتمعاً تربطه ملامح تميزه عن المحيط الاجتماعي حوله.

وغالبا ما تشعر الأقلية بنفسها كمجتمع يعاني من تسلط مجموعة تتمتع بمنزلة اجتماعية أعلى وامتيازات أعظم تهدف إلى حرمان الأقلية من ممارسة كاملة لمختلف صنوف الأنشطة الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية، بل تجعل لهم دوراً محدوداً في مجتمع الأغلبية، وتختلف الأقليات من حيث العدد والمنزلة الاجتماعية، ومدى تأثيرها في مجتمع الأكثرية.

تنتشر الأقليات في عموم المجتمعات المنتشرة في ارجاء دول العالم، والمحظوظ ممن ينتمي الى الأقليات، يسكن في مجتمعات تخلو من التعصب، ولا تنظر الى المجاميع الصغيرة على أنها ضعيفة ولا تستحق الاهتمام والاحترام، كما هو الحال في دول آسيوية وحتى إسلامية.

فعلى سبيل المثال في مصر، تعرّضت قبل أيام مجموعة من الأقباط في إحدى المدن الصغيرة، الى هجوم متطرفين إسلاميين بعد ان طالبهم إمام صلاة الجماعة بالهجوم على الأقباط بعد انتهاء الصلاة، وبالفعل ما أن انتهت صلاة الجماعة حتى هبت مجاميع المصلين المصريين من المسلمين، لمهاجمة البيوت الصغيرة التي تقطنها عائلات من الأقباط، الأمر الذي أثار الرعب بين تلك العائلات ومعظمها تخلو من الرجال، وكانت مشاهد الخوف والرعب قد أصابت الأطفال والنساء بالرعب.

حيادية الأجهزة الأمنية وصمتها

الأمر الذي يثير الاستغراب أن الحكومة وقوات الأمن لم تقم بواجب حماية المواطن المصري حتى لو كان ينتمي الى إحدى الأقليات، وهذا دليل على ضعف القانون ولامبالاة الحكومات في التعامل من الأخطار التي تتعرض لها الأقليات بسب شحنات التطرف التي تشبه النار حيث يمكن إشعالها في اية لحظة نتيجة لشحنات الكراهية التي يبثها بعض الأشخاص القياديين في الجماعات الكبيرة.

وتبقى الأقليات تحت خط القهر والإذلال طالما كانت تعيش في مجتمع متأخر تعصف به تيارات التعصب والعنف، ومهما كانت منزلة هذه الأقلية او تلك، فإن مجتمع الأكثرية ينظر إليهم على أنهم غرباء عنه، أو شائبة تشكل عضو شاذ في كيانه، وقد بلغ الأمر إلى حد العزل الكلي لجماعات الأقلية، حيث نجد أن لجماعات الأقلية أحياء خاصة بهم بل ومؤسسات خدمية مختلفة كما في جنوب أفريقيا.

وفي الأعم الأغلب تكون الأقليات مستهدفة أمنيا، كونها لا تستطيع حماية نفسها، خاصة اذا ما اشتعل فتيل التطرف وأثيرت الضغائن والأحقاد، وما حدث قبل ايام في أفغانستان، عندما تم استهداف الأقلية الشيعية خير دليل على التعسف والظلم الذي تواجهه الأقلية الشيعية هناك، فقد تم استهداف مظاهرات شيعية مرتين، بتفجيرين أزهقت بسببه عشرات أرواح الناس الأبرياء، وكل ذنبهم أنهم من طائفة مختلفة، وأنهم أقلية في مجتمع أفغانستان، في حين أعلن تنظيم داعش الإرهابي مسؤوليته عن التفجيرين الإرهابيين.

في هذا الوقت بقيت الحكومة مكتوفة الأيدي وعجزت الأجهزة الأمنية عن توفير الحماية لهذه الأقلية التي خرجت الى الشوارع لتطالب ببعض حقوقها المهدورة، وكانت النتيجة كما هو متوقع، تصفية وقتل واستهداف تم التخطيط له مسبقا، مقابل عجز حكومي وأمني وقانوني تام.

وقد بنيَ محور قضية الأقلية على صفات خاصة نتج عنها عدم التفاعل الاجتماعي مع مجتمع الأكثرية، وهذه الصفات قد تكون عرقية، وهي سمات واضحة في مجتمع جنوب أفريقيا والأمريكتين، أو تكون لغوية مثل جماعات الوالون في بلجيكا، أو تبنى على فوارق ثقافية كحال جماعات اللاب في إسكندنافية، ولكن عزلة الأقلية او انغلاقها يتكون بسبب خوف هذه الأقلية من تبعات الاختلاط بالأكثرية، حيث تكون محل سخط الأكثرية المتعصبة.

وفي الحديث عن بعض الفروق بين الأقلية والأكثرية، فقد تكون الاختلافات بينهما عرقية، وربما دينية، او أثنية، كما في دول مختلفة من العالم، وأبرز هذه السمات الملمح الديني، وهذا شأن الأقليات المسلمة في بعض أنحاء العالم وبصفة خاصة في شعوب جنوب شرقي آسيا، فالأقليات المسلمة تنتمي إلى أصول عرقية واحدة تربطها بالأغلبية، لكن التفرقة هنا تأتت من الفوارق الدينية، والقضية هنا عقائدية.

إجراءات لحماية الأقليات

من الملاحَظ في هذا الشأن، كلما قلّ التطرف والتعصب في المجتمع، كانت الأقليات بخير، والعكس يصح طبعا، ومن لا يتذكر ما حدث للشهيد حسن شحاتة في مصر، عندما قامت مجموعة من المتعصبين المتطرفين بالهجوم على حي سكني صغير يقطنه أقلية من الشيعة، فتم قتل عدد منهم، من بينهم حسن شحاتة الذي تم التمثيل بجثته، وسحله بالحبال في الشوارع، في مشهد أقل ما يُقال عنه انه مشهد همجي لا يمت للإنسانية بأية صلة.

في حال اذا بقي الأمر كما هو عليه الآن، فإن مسلسل استهداف الأقليات عبر العالم سوف يبقى قائما، ما لم تتحرك الحكومات لاتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية الأقليات، ليس هذا فحسب اذا لابد أن تكون هناك حملات حقوقية متواصلة تقوم بها منظمات حقوقية عالمية منتشرة في عموم بقاع العالم، خاصة في الدول الغربية.

هذه المنظمات يقع على عاتقها مسؤولية أخلاقية ومهنية، تستدعي منها القيام باتخاذ خطوات فورية لحماية الأقليات من خلال حث الدول الكبرى والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان، كي تتحرك بجدية لإطلاق مشروع عالمي لحماية الأقليات في عموم دول العالم، خاصة في المناطق والدول التي يغيب فيها القانون ويتضاعف فيها التطرف وينمو فيها العنف وتكثر فيها بؤر التكفير، كما حدث في أفغانستان ومصر والعديد من دول آسيا وأفريقيا.

واذا بقي العالم الذي يدّعي التحرر والديمقراطية، ويتبجح بكونه المدافع عن حقوق الإنسانية جمعاء، في حال اذا بقي متلكئا عن دعم وحماية الأقليات في العالم، فإن مسلسل الاعتداءات والتجاوزات والإذلال والعزل سوف يستمر بحقهم الى أمد طويل، فهذه المعاناة كما نلاحظ من تكرار مشاهد العنف، سوف تستمر والقتل والاستهداف لن يتوقف، إلا اذا توحدت إرادة المجتمع الدولي، واتفقت على وضع إستراتيجية فاعلة لمكافحة ما يطول الأقليات من هدر لحقوقهم، وتجاوز على كرامتهم، وتهديد لمعتقداتهم ومجمل حياتهم.

في الخلاصة هذه المشكلة ذات الطابع العالمي مشكلة متأصلة، ومنتشرة في معظم بقاع الأرض، ونعني بها حالات التجاوز المستمر على الأقليات، لهذا السبب توصف بأنها معضلة مستدامة، لا يمكن وقفها او القضاء عليها، ما لم يكن هناك دور جماعي دولي، تتصدى له الجمعيات والمنظمات الحقوقية المستقلة، والمنظمات الأممية الدولية، وجميع الأطراف التي يهمها أمر الأقليات وحقوق الإنسان، ولا يجب أن يبقى المجتمع الدولي ومنظماته، في حالة تلكؤ ازاء ما تتعرض له الأقليات من اعتداءات في عموم بقاع العالم، بالأخص المناطق المدججة بالعنف والتطرف والارهاب.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0