بدأ واضحا أن أوربا لم تعد تفي بالتزاماتها الإنسانية والقانونية إزاء اللاجئين؛ ذلك ليس على مستوى الفعل فقط بل على مستوى التشريع أيضا، بهدف ردع طالبي اللجوء عن تقديم طلبات للحصول على حق اللجوء في أراضيها.

يوجد لدى المملكة المتحدة بالفعل قانون يلزم طالبي اللجوء بالإعلان عن أصولهم وإنفاق مدخراتهم قبل التأهل للحصول على دعم من الحكومة، ولا يسمح لطالبي اللجوء في المملكة المتحدة بالعمل، مما يعني أنهم غالباً ما يعتمدون اعتماداً كلياً على إعانة الحكومة، التي حتى قبل التقليص، قد تعرضت لانتقادات من قبل الجماعات المدافعة عن حقوق اللاجئين على اعتبار أنها قليلة جداً ولا تكفي لتلبية احتياجاتهم الأساسية.

وأدخلت المجر مجموعة تدابير تهدف إلى ردع اللاجئين، منها استكمال السور الحدودي المصنوع من الأسلاك الشائكة. وأصبح بالإمكان تقديم أولئك الذين ينتهكون القانون بمحاولة عبور السياج الجديد على الحدود الصربية للمحاكمة بتهمة الإضرار بممتلكات الدولة ومن ثم يمكن أن يحكم عليهم بالسجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات. كما تقوم البلاد باحتجاز طالبي اللجوء بشكل روتيني في أماكن مكتظة.

وفي ألمانيا وردت تقارير عن أن ظروف المعيشة فيها مزرية ولا تسهم بالتأكيد في الاندماج مع السكان المحليين. إضافة إلى ذلك، تم استبدال الدعم النقدي لطالبي اللجوء الذين يمكثون في مراكز الاستقبال هذه بمنافع غير نقدية بقدر الإمكان. واتضح أن لدى العديد من المقاطعات الألمانية بالفعل قوانين تسمح بمصادرة النقود والأشياء الثمينة التي تزيد قيمتها عن 350 أو 750 يورو من طالبي اللجوء واستخدامها للمساهمة في توفير تكلفة تغذيتهم وتسكينهم.

وفي فنلندا أعلنت الحكومة عن تشديد سياسات اللجوء مثل وجود خطط لتشديد معايير جمع شمل الأسرة، وتقديم خدمات الاستقبال الأساسية فقط، ومراجعة الوضع الأمني في الدول الأصلية للاجئين، وإلغاء الإقامة حال تحسن الظروف الأمنية. كما ذكرت الحكومة أيضاً أنه يمكن لطالبي اللجوء العمل بدون أجر كوسيلة لتخفيف الإحباط.

إجراءات التضييق على اللاجئين تكاد تشمل جميع الدول الأوربية بلا استثناء، ولاشك أن تلك الإجراءات قد ساهمت بنحو وآخر في ازدياد منحة اللاجئين، بالإضافة إلى محنتهم في بلادهم الأصلية. وكانت نتيجة ذلك أن وقع الكثير منهم ضحية لمافيات التهريب، وتجار الجنس البشري، وغرق الآلاف منهم، وماتوا في البحار والدروب المؤدية لأوروبا، ومن كان يصل سالماً منهم إلى بعض البلدان الأوربية يكون مهدداً بالطرد أو يبقى قيد الانتظار في محاكمات طويلة وإجراءات قاسية بسبب اتفاقية دبلن والبند المتعلق بوجود بصمة لجوء للاجئ في دولة العبور (الدولة الثالثة) من الدول الموقعة على الاتفاقية. ناهيك عن أن هناك عشرات المدنيين قد لقوا حتفهم داخل حدود الاتحاد الأوروبي – اختناقاً في شاحنات المهربين، أو سحقاً تحت القطارات، أو إهمالاً في مراكز الاحتجاز؟

والسؤال هنا، ما هي القوانين التي تحمي اللاجئين في حال هجرتهم إلى دولة أخرى طلبا للحرية وحفاظا على حياتهم؟ وما هي الالتزامات والواجبات التي تقع على الدول المضيفة؟ ولماذا تخلت أوربا ولو ضمنا عن فكرة منح اللجوء لطالبيه؟

بداية كانت الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين 1951، أول اتفاقية دولية حقيقية تتناول النواحي الجوهرية من حياة اللاجئ. وهي تعترف بالنطاق الدولي لأزمات اللاجئين، وتؤكد على ضرورة تعاون جميع الدول بما في ذلك اقتسام الأعباء بينها من أجل معالجة المشكلة. وفيما بعد أزال بروتوكول عام 1967، الحدود الجغرافية والزمنية الواردة في الاتفاقية الأصلية التي كان لا يسمح بموجبها إلا للأشخاص الذين أصبحوا لاجئين نتيجة لأحداث وقعت في أوروبا قبل 1 يناير/كانون الثاني 1951، بطلب الحصول على صفة اللاجئ.

تعرف المادة الأولى من الاتفاقية "اللاجئ" بأنه شخص يوجد خارج بلد جنسيته أو بلد إقامته المعتادة، بسبب خوف له ما يبرره من التعرض للاضطهاد بسبب العنصر، أو الدين، أو القومية، أو الانتماء إلى طائفة اجتماعية معينة، أو إلى رأي سياسي، ولا يستطيع بسبب ذلك الخوف أو لا يريد أن يستظل/تستظل بحماية ذلك البلد أو العودة إليه خشية التعرض للاضطهاد.

كما عددت اتفاقية اللاجئين 1951 مجموعة من حقوق الإنسان الأساسية للاجئين التي يجب أن تكون على الأقل معادلة للحريات التي يتمتع بها الرعايا الأجانب في بلد ما، من قبيل حرية العقيدة والتنقل من مكان إلى آخر، والحق في الحصول على التعليم، ووثائق السفر، وإتاحة الفرصة للعمل، كما أنها تشدد على أهمية التزاماته/التزاماتها تجاه الحكومة المضيفة. وينص أحد الأحكام الرئيسية في هذه الاتفاقية على عدم جواز إعادة اللاجئين ـ والمصطلح القانوني هو حظر الطرد أو الرد ـ إلى بلد يخشى/أو تخشى فيه من التعرض للاضطهاد. كما أنها تحدد الأشخاص أو مجموعات الأشخاص الذين لا تشملهم هذه الاتفاقية.

بيد أنه مع تزايد أعداد اللاجئين القادمين إلى أوربا من دول النزاعات المسلحة بالخصوص دول الشرق الأوسط، ظهرت تساؤلات جدية حول جدية التزام الدول الموقعة على اتفاقية اللاجئين لاسيما الدول الأوربية، مكان مولدها. وهل استطاعت هذه الدول أن تفي بالتزاماتها للاجئين من خلال إتاحة درجة من الحماية القانونية الدولية وغيرها من المساعدات للضحايا، ومساعدتهم في نهاية الأمر على بدء حياتهم من جديد؟

الحقيقية لا يجب التقليل من الخدمات الإنسانية التي قدمتها الدول الأوربية لطالبي اللجوء على طول الوقت، فالدول الأوربية هي دول اللجوء بالأساس. والمضطهدون والخائفون والمشردون عند رغبتهم في ترك بلادهم لا يفكرون بغير اللجوء إلى دولة أوربية، ولا تكون وجهتهم النهاية إلا أوربا، وهم يبذلون الغالي والنفيس في الوصول إلى غايتهم. وهناك مئات الآلاف دخلوا أوربا، وأصبحوا منذ ذلك الوقت مواطنين يتمتعون على قدم وساق بكامل حقوقهم أسوة بالمواطنين الأصليين.

ولكن توسع نطاق الصراعات الخارجية وتزايد حدة النزاعات الداخلية في أكثر من بلد وعدم استقرار الأوضاع السياسية والاقتصادية في كثير من البلدان دائما ما كان يؤدي إلى نزوح داخلي وهجرة خارجية واسعي النطاق، ربما يفوق قدرة الدول على التعامل مع هذه الأعداد وتوفير الملاذ الأمن لها.

مما تضطر تلك الدول-عندما تواجه تدفقاً جماعياً مفاجئاً من الأشخاص-إلى وضع شروط صارمة تمنع من خلالها تدفق اللاجئين، أو تمنح اللاجئين الذين دخلوا حدودها "الحماية المؤقتة" مثلما حدث أثناء الصراع الذي نشب في يوغوسلافيا السابقة في السنوات الأولى من التسعينيات، ومثلما يحدث الآن من هجرة جماعية واسعة مشيا على الأقدام لمئات الآلاف من مواطني سوريا والعراق وليبيا وأفغانستان وغيرها من الدول التي يعاني مواطنوها من نزاعات داخلية تهدد حياتهم وحياة أبنائهم إلى دول أوربا الشرقية والغربية على حد سواء.

مع هذا، وفي كل الأحوال:

- يقع على عاتق الحكومات المضيفة، بصفة أساسية، مسؤولية حماية اللاجئين. وتعتبر البلدان الـ 139 على نطاق العالم، التي وقعت على اتفاقية 1951، بما فيها دول أوربا ملزمة بتنفيذ أحكام الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين، لاسيما ضمان منح اللاجئين الصادقين اللجوء وعدم إرغامهم على العودة إلى بلدان يخشى أن تتعرض فيها حياتهم للخطر، ومساعدتهم على بدء حياتهم مجدداً. وهذا مبدأ أساسي من مبادئ القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، وقرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ومعاهدة جنيف والبروتوكولات الملحقة بها.

- وبالتالي لا ينبغي الإذعان للأوضاع السياسية والاقتصادية التي تتحجج بها الدول الأوربية كأساس في رفض دخول هؤلاء اللاجئين إلى أراضيهم ولو مؤقتا.. فقد أشارت المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان في أحد أحكامها "أنه لا يوجد إعفاء من قانون الاتحاد الأوروبي لحقوق الإنسان، حتى في سياق الموجات الاستثنائية للهجرة" وقال ثوربيورن ياغلاند، الأمين العام لمجلس أوروبا، الذي يضم محكمة ستراسبورغ أن "أزمة الهجرة تشكّل تهديداً خطيراً لاحترام حقوق الإنسان في أجزاء عديدة من أوروبا.. وإن الحكم الصادر عن محكمة الاتحاد الأوربي هو تذكير في الوقت المناسب لجميع دول مجلس أوروبا الـ 47 أن طالبي اللجوء والمهاجرين يجب أن يعاملوا بطريقة إنسانية وفردية مع امتلاكهم لنفس الحقوق الأساسية التي يمتلكها أي شخص آخر".

- إن القواعد المنظمة لحقوق الإنسان المهاجر سواء كان بصورة شرعية أو غير شرعية تعد جزءا لا يتجزأ من حقوق الإنسان. ولكن وفي كل الأحوال لا يكفي أن تعمل الدول الكبرى على توفير بعض الحماية القانوني والإنسانية لبعض ضحايا الدول المتضررة من النزاعات الداخلية بل عليها أن تبذل ما بوسعها لحل تلك النزاعات فقد بات واضحاً أن العمل الإنساني لوحده مما بلغ، لا يمكن أن يعمل بديلاً عن العمل السياسي في حل أزمات المستقبل أو اجتنابها.

...................................................

** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...

هـ/7712421188+964
http://ademrights.org
ademrights@gmail.com

https://twitter.com/ademrights

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0