من المشكلات السلوكية التي يعاني منها المجتمع العراقي، هي قلّة التفكير بالمحافظة على حقوق الآخرين، فالمهم كما يبدو مصلحة الإنسان الذاتية، كيف يحققها ويصونها، أما إذا ألحقت غبناً بالغير، فذلك ليس مهماً لدى البعض، فالمهم عندهم كيف يكسبون ويضاعفون أموالهم أو سلطتهم أو نفوذهم، هذا هو المهم لديهم حتى لو تحقق على حساب حقوق الآخر!.

هذه المشكلة أو الظاهرة السلوكية تم تأشيرها في المجتمع الإسلامي قديما وحديثا، ولهذا ركّز الإمام السجاد (ع) في رسالة الحقوق على أهمية تثقيف المسلمين على أهمية التفكير بالآخر، والحفاظ على حقوقه بنفس الدرجة التي يحافظ فيها الإنسان على حقوقه ومصالحه، وقد تطرق الإمام الى طيف حقوقي كبير، تعددت مضامينه وأهدافه، فهناك ما يخص الفرد نفسه وذاته، وكيف يتعامل مع حواسه وجوارحه وحتى مواهبه، ومنها ما يتعلق بعلاقة الفرد بالآخرين وحسب موقعه منهم أو العكس، على أن يبقى الهدف الأول هو مراعاة حقوق الآخر.

في المجتمع العراقي نلاحظ وجود هذه الظاهرة، وقد يمارسها البعض تحت ضغط نوازع الجشع التي تدفعه الى التكالب على المادة والمكاسب، من دون تفكير بالضرر الذي سيُلحَق بالآخرين، فهناك بعض العادات التي اعتادها الناس وهم يمارسون حياتهم اليومية من دون أن يعرفوا ما هي حدود الآخرين وأين يجب عليهم التوقف كي لا يتجاوزوا حدودهم، نعم هناك كثير من الأفراد لا يفكر إلا بنفسه وراحته ومصلحته، أي أنه حينما يقوم بعمل ما فإنه لا يفكر بنتائجه السيئة، فالمهم لديه فائدته من هذا الفعل، حتى لو كانت طريقة العمل او الوصول الى الهدف تسير على أكتاف الناس!.

وهكذا قد تتصدر أنانية النفس أفكار البعض وأفعالهم، وربما مجمل المشكلات التي نعاني منها كمجتمع متأخر عن الركب المتقدم، هي عدم مراعاتنا لحقوق الآخر، لذا مطلوب أن نفتش عن الحلول كي نرقى ونتقدم، علما ينبغي أن نعرف أن الكثير من الحلول المطلوبة لمعالجة هذه الظاهرة، يمكن أن نعثر عليها في صحيفة الحقوق للإمام السجاد (ع)، وهذا يعني أن معرفة هذه الصحيفة والإطلاع عليها بصورة دقيقة ودائمة، سوف يثمر هذا عن تحصيل المعرفة والوعي القادر على صيانة النفس وحمايتها من السقوط في فخ الأنانية، علما أن هذا الخضوع لعدم الإيثار هو السبب الأساس الذي يجعل البعض لا يفكرون بحقوق غيرهم.

اللسان وخير الإنسان

من الأعضاء التي تساعد على رفع مستوى الحفاظ على حقوق الناس بصورة متبادَلة، هو اللسان الذي يتحكم به عقل الإنسان وثقافته وأفكار والقيم التي يؤمن بها، ونلاحظ أن الصحيفة الشريفة تتحدث لنا عن علاقة الإنسان بجوارحه، كما نقرأ عن لسان الإنسان، إذ يقول الإمام السجاد عليه السلام: (وحق اللسان إكرامه عن الخنى وتعويده الخير، وترك الفضول التي لا فائدة فيها، والبر بالناس، وحسن القول فيهم)، لاحظ هذه الجمل القصيرة التي مرت بك، (ترك الفضول/ بر الناس/ حسن القول)، إن مجتمعا يأخذ بهذه الجمل سيكون نموذجيا في الحفاظ المتبادَل للحقوق.

لذلك ينبغي على العراقيين أن يأخذوا بما ورد أعلاه، وأن يراعوا ذلك بصورة مستدامة، أما إذا كنت ذا سلطة، أو مركز وظيفي او اجتماعي مهم، فإنك مطالب بالتعامل السليم مع الرعية، كما نقرأ ما جاء في صحيفة الحقوق بهذا المجال: (وأما حق رعيتك بالسلطان فأن تعلم أنهم صاروا رعيتك لضعفهم وقوتك، فيجب أن تعدل فيهم، وتكون لهم كالوالد الرحيم، وتغفر لهم جهلهم، ولا تعاجلهم بالعقوبة، وتشكر الله عز وجل على ما آتاك من القوة عليهم)، لاحظ إذا اتصف الحاكم بالصفات المذكور آنفا، فإنه لا يمكن أن يغبن حقوق الناس، فلا شك أن صاحب السلطة هنا يتمتع بقدرة عالية على تحقيق العدالة والمساواة بين الناس.

ونلاحظ أيضا القيم والعدالة في العلاقة بين المعلم والمتعلم، فإذا كان الإنسان أستاذا أكاديميا، أو مدرسا أو معلما تربويا، فإن للمتعلمين والطلبة حق عليه، وإن علمه ليس حكرا عليه ولا ينحصر بذاته او بذويه والمقربين منه، او الذين يهتم بهم، كلا إن الجميع لهم حق على المعلم، هكذا تعلمنا صحيفة الحقوق للسجاد (ع): (أما حق رعيتك بالعلم فأن تعلم أن الله عز وجل إنما جعلك قيما لهم فيما آتاك من العلم وفتح لك من خزائنه، فإن أحسنت في تعليم الناس، ولم تخرق بهم، ولم تضجر عليهم، زادك الله من فضله. وإن أنت منعت الناس علمك، أو خرقت بهم عند طلبهم العلم منك، كان حقاً على الله عز وجل أن يسلبك العلم وبهاءه ويسقط من القلوب محلك).

وربما يحصل أمر مختلف، أو ينبغي أن تنعكس الصورة، لكي نرى ما هو الفعل الصحيح الذي ينبغي أن يقوم به الطالب، من واجبات وطاعات واحترام، إزاء الأستاذ، كما نقرأ ذلك، في صحيفة الحقوق: (وحق سائسك بالعلم التعظيم له، والتوقير لمجلسه، وحسن الاستماع إليه، والإقبال عليه، -والمعونة له على نفسك فيما لا غنى بك عنه من العلم، بأن تفرغ له عقلك، وتحضره فهمك، وتزكي له قلبك، وتجلي له بصرك، بترك اللذات ونقض الشهوات-، وأن لا ترفع عليه صوتك، ولا تجيب أحداً يسأله عن شيء، حتى يكون هو الذي يجيب، ولا تحدِّث في مجلسه أحداً، ولا تغتاب عنده أحداً).

حق الأبوين مضمون أيضا

لكي تمضي الحياة بالطريقة الصحيحة، ينبغي أن يتحقق الاحترام التام للأبوين، هذا ما ركّز عليه النص القرآني الكريم، فضلا عن الأحاديث والروايات الشريفة، فهناك حقوق للأب والأم لا يصح تجاوزها أو إهمالها او التنكر لها او التعامل معها بطريقة هامشية، كما نلاحظ ذلك بخصوص حقوق الأم: (وأما حق أمك فأن تعلم أنها حملتك حيث لا يحتمل أحد أحداً، وأعطتك من ثمرة قلبها ما لا يعطي أحد أحداً، ووقتك بجميع جوارحها، ولم تبال أن تجوع وتطعمك، وتعطش وتسقيك، وتعرى وتكسوك، وتضحي وتظلك، وتهجر النوم لأجلك، ووقَتْكَ الحر والبرد ، لتكون لها، فإنك لا تطيق شكرها إلا بعون الله وتوفيقه).

وثمة حقوق للأب في صحيفة الحقوق أيضا، لا ينبغي التنصل او التهرب منها، فهي كفيلة بتحسين حياة العراقيين والمسلمين جميعا إذا ما التزموا بها: (وأما حق أبيك فأن تعلم أنه أصلك، وأنه لولاه لم تكن، فمهما رأيت في نفسك مما يعجبك، فاعلم أن أباك أصل النعمة عليك فيه، فاحمد الله واشكره، على قدر ذلك).، وللابن او الولد حق على أبيه، كما يرد في الصحيفة: (وأما حق ولدك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره و شره، وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل، والمعونة له على طاعته، فاعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه، معاقب على الإساءة إليه) .

ولا ننسى نصف المجتمع، ونعني به المرأة، والزوجة التي تقاسم الزوج حلاوة الحياة ومرارتها، فهي أيضا يجب أن تصان حرمتها وحقوقها من لدن زوجها، كما نلاحظ في صحيفة الحقوق أيضا: (وأما حق الزوجة فأن تعلم أن الله عز وجل جعلها لك سكناً وأنساً فتعلم أن ذلك نعمة من الله عليك، فتكرمها وترفق بها، وإن كان حقك عليها أوجب فإن لها عليك أن ترحمها لأنها أسيرك، وتطعمها وتكسوها، وإذا جهلت عفوت عنها).

إن أهمية الحفاظ على حقوق الآخرين، تأتي من أهمية البناء الصحيح للمجتمع، لذلك على أفراد المجتمع العراقي أن يتنبّهوا لهذه القيمة التي فيما لو التزموا بها، يمكنهم في غضون فترة الالتحاق بالمجتمعات المستقرة المتفرغة للإنتاج والابتكار والإبداع، وهذا ينبغي أن يكون هدفنا جميعا كعراقيين ومسلمين.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2