انه مثل دراج كناية عن جدوائية استحصال المنفعة والفائدة ذاتياً مع قليل من التدخلات الخارجية.

والسمكة والشبكة كناية عن لقمة العيش، وهكذا الحاجات والحقوق، وكلما كان الحق أكبر وذو اهمية في حياة الانسان، كانت الحاجة الى الاكتفاء الذاتي لاستحصاله أكبر، مثل الحرية والعدالة والمساواة، مع دور مساعد لعوامل أخرى مثل؛ القانون في حماية هذه الحقوق.

ومع التأكيد على حاجتنا الى قوانين لحماية حقوق المرأة والطفل، وحمايتهما من العنف، فان علينا النظر الى الظروف الموضوعية المحيطة، وما إذا كان لهذه الظروف دوراً في حل هذه المشكلة والظاهرة المرضيّة، كما كانت عاملاً في نشوئها.

الأسرة وموروث العنف

الأسرة؛ وهي المجتمع الصغير، لها دور مؤثر في نشوء العديد من الظواهر الاجتماعية السلبية، مثل سوء الاخلاق، والفقر، والأمية، بالمقابل لها الدور الأكبر في ترسيخ كل قيم الخير الفضيلة في نفوس الابناء.

فعندما تتعرض الزوجة او البنت او الأخت للاعتداء عليها بالضرب، وكذلك الطفل، فهذا يدلنا على موروث اجتماعي برر هذا العنف داخل الأسرة، وجعله أمراً طبيعياً، بل يجده البعض لازماً لضمان تماسك الأسرة، وأن تكون الزوجة على الطريق الصحيح، ويكون الطفل منضبطاً ومؤدباً، علماً؛ أن التأديب لا يكون بالضرورة بصورة عنيفة، إذا عرفنا ما للطفل من حماية كبيرة في النظام الاسلامي، وما حذرت الشريعة الضارب من "دّيات" لأي احمرار في الوجه او مناطق في البدن بسبب الضرب.

والعنف هذا يمثل فرعاً من ثقافة العنف الموروثة منذ القدم في المجتمع العربي الذي يرى في القسوة والعنف مؤشراً ايجابياً وعامل قوة للرجل، يهيب به الآخرين، بينما التحلّي باللين والرفق والسماحة، فانه لن يلقى الاحترام المطلوب، إذا لم يوصم بالضعف والهوان، ولذلك سجلت على الانسان العربي منذ القدم احجامه عن الابتسامة والمزاح مع الزوجة او الطفل، وايضاً سائر افراد الأسرة، وقد انسحبت هذه الثقافة ببعض آثارها على رجل اليوم في العراق، وفي عديد البلاد العربية.

هذا الواقع المرير، هل يمكن تصور تغييره بقانون؟

القانون من مهامه ردع الجاني من أن تسوّل له نفسه ارتكاب الجريمة او الخطأ بحق أي فرد في المجتمع، لاسيما الطفل والمرأة، لكن ليس بوسعه وضع ضوابط للسلوك والتصرفات، او طريقة تفكير الانسان، مما يجعله عاجزاً في فعل شيء لوحده أمام ظاهرة اجتماعية معقدة مثل العنف الأسري، و اذا ما حصلت العزيمة القانونية للتدخل فان اول ما تواجهه؛ الاحتيال والالتفاف على هذه القوانين من خلال شراء الصمت بالتهديد او الترغيب مما يجعل الضحية يلوذ بالصمت ويفضل كتمان الأمر على المحاكم، فالزوجة تفضل الحفاظ على أولادها وشخصيتها وكيان أسرتها من أن تدفع بزوجها المعتدي الى السجن –مثلاً- وكذا الأمر ينسحب على الطفل، وربما يكون الكتمان بدافع أكبر بحكم العلاقة بين الابن والأب.

وهنالك شواهد عديدة على حالات عنف أسري يتم التحرّي عنها فيتضح أن الأب إنما يمارس الضرب لزوجته او ابنه تبعاً لما مورس ضده من أباه، او ربما يرى في الأمر استسهالاً عندما يقضي سنوات طفولته وشبابه أمام مشاهد ضرب الأب لأمه، بل هنالك شواهد أخرى على تعرض الشاب للتنكيل والاستخفاف من أبويه اذا ما أبدى مشاعر الإعجاب والحب لزوجته او لأولاده، على أن هذا نوعاً من الدلال الزائد!

الذين يدفعون باتجاه سنّ قانون جديد باسم "حماية الطفولة" في العراق عليهم الالتفات الى أن العنف الأسري هو بالحقيقة مشكلة ثقافية وأزمة تربوية قبل ان يكون حاجة قانونية، فالكثير من افراد المجتمع لا يجدون غضاضة من ممارسة الصفع على الوجه او الرأس، أو سحب الإذن بشدّة وغيرها من الممارسات لأن من يتعرض لها من الاطفال يعلمون أن بإمكانهم تكرار التجربة مع آخرين في قادم الأيام، مما يعطينا صورة غير مريحة لكنها واقعية عن ملاصقة هذه الظاهرة لحياة شريحة –ولا نقل جميعهم- من الناس، وتحولها الى بند في قانون العلاقات فيما بينهم.

بيد من حل المشكلة؟

الفراغ القانوني وتفاقم مشكلة العنف الأسري، وتحديداً ضد الطفل، دفع بجهات تحسب نفسها على "المجتمع المدني" ان تستغل الموقف لطرح بديل عن غياب القوانين العراقية التي يعالج هذه المشكلة بالذات، ويتسلل اقتراح القانون الى داخل البرلمان بشكل لافت، متجاوزاً مجلس الوزراء، وفي نية اصحاب الاقتراح "حماية الطفولة" من العنف الأسري، بيد أن القانونيين رصدوا ثغرات خطيرة تجعل القانون المأمول يواجه الخطأ بخطأ أبشع منه، عندما يحطم كل أواصر العلاقة بين الطفل وافراد أسرته إيهاماً له بأنه حر طليق، وأن مشكلته في القيود المفروضة عليه وليست في العنف ضده.

مثالٌ على ذلك؛ المادة 4 ثامناً؛ وردت عبارة "وضع آليات محددة للشكوى من أي افعال تضر بالطفل"، دون توضيح طبيعة الافعال، مما يتيح للطفل لتقديم شكوى ضد والديه حتى في حالة تحذيره من تصفح المواقع الضارة به على الانترنت.

كما جاء في المادة 4 رابعاً؛ إعطاء الحق للطفل بالتعبير عن رأيه داخل الأسرة، وهي عبارة ايجابية في ظاهرها رغم فضافضيتها، بيد أن التعويم ينبئ عن عواقب غير محمودة عندما تغيب المعايير والأطر الخاصة بممارسة هذا الحق بالنسبة للطفل.

هذا الى جانب فكرة فتح مراكز إيواء للمتعرضين للعنف من الاطفال، كما حرص اصحاب الفكرة على إدراج هذه الفقرة في قانون حماية المرأة من العنف الأسري، كل هذا وغيره يحمل رسالة واحدة لا غير لحل مشكلة الاطفال مع عنف الكبار، وهي الحثّ على التمرد والعصيان وتجاوز قيود الأسرة لخلق حصانة –في ظنهم- من عنف الكبار حتى وإن كان هذا بثمن تدمير كيان الأسرة يكون جميع افرادها خاسرين.

ولنا ان نتسائل بحثاً عن نشاطات المجتمع المدني في مجال حقوق الطفولة؛ اين الندوات وورشات العمل الخاصة بصناعة الوعي الاجتماعي، وصياغة البرامج التربوية الناجحة لحثّ الآباء على تصحيح مسار التعامل مع ابنائهم بما يجلب لهم الفائدة العظمى في نشوء جيل خالٍ من العقد النفسية وروح الانتقام؟

من يقف خلف قانون "حماية الطفولة" لا يقولون: نريد هدم كيان الأسرة العراقية، بقدر ما يؤكدون حسن نواياهم، وأنهم يريدون معالجة أزمة قائمة، بيد أن بعض البنود الواردة في القانون المقترح تعطينا نتائج سيئة، مع التأكيد على حاجة العراق لقوانين تحمي المرأة والطفل من ممارسات عنيفة وحتى حشية من بعض أفراد الأسرة، إنما الحاجة الكبرى في إشراك هذه الأسرة نفسها في صياغة الحل، بل تكون من يمسك بالشبكة ويستخرج الحلول بنفسه، مع احتمال ان يستغرق الأمر وقتاً حتى تترك البرامج التلفزيونية والندوات والورشات بحضور المختصين، ونكون قد وجدنا حلولاً جذرية للمشكلة مع الاحتفاظ بكيان الأسرة وعدم خسارة عضو فيه إلا من كتب على نفسه الشقاء والانفصال التام عن الاخلاق والفضيلة فيكون القانون وأحكامه الشديدة علاجه الناجع.

اضف تعليق