كل المؤشرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية تؤشر إلى أن تعديل النظام السياسي في العراق أو تغيره قادم لا محال، عاجلا أم آجلا. وهذه هي قناعة غالبية الشعب العراقي وفئاته الاجتماعية، وهي أيضا قناعة الأحزاب الحاكمة والقابضة على السلطة منذ 2003.

إلا أن خيارات تعديل هذا النظام أو تغيره مازالت مختلف عليها، وهي متروكة لمدى فعالية هذه الخيارات وقدرتها على التعديل أو التغير. وهناك عدة احتمالات لتعديل مسار نظامنا السياسي.

1. الاحتمال الأول: الخيار العسكري: يتمنى بعض المواطنين أن يقوم الجيش العراقي تحت قيادة قائد عسكري وطني بانقلاب على النظام السياسي الحالي فيقلعه من الجذور، فلا يبقى حزب حاكم، ولا شخصية سياسية متهمة بالفساد إلا ويقضي عليها. ويعلن نظاما سياسي عسكريا جديدا روحه وهدفه المواطن العراقي، بالسيطرة والضبط المتعارف عليه في النظام العسكري.

هذا الاحتمال قد يكون مطروحا، ولكنه احتمال بعيد المنال، إذ من الصعب جدا- إن لم يكن من المستحيل- أن يبرز قائد أو قيادة عسكرية قادرة على القيام بانقلاب على هذا النظام، وسببه أن القيادة العسكرية الحالية هي وليدة هذا النظام، وهي ممثلة لتلك الأحزاب الحاكمة المسيطرة على قدرات البلاد. ومصالحها السياسية والوظيفية بل العقدية مرتبطة ارتباطا كبيرا بتلك الكتل السياسية المؤلفة للسلطة.

2. الاحتمال الثاني: المظاهرات والاحتجاجات: يدعم هذا الخيار ويؤيده الأحزاب والكتل السياسية التي أعلنت معارضتها للسلطات الحاكمة مؤخرا مثل التيار الصدري، أو الأحزاب والفعاليات السياسي المعارضة أصلا التي تشكلت بعد التظاهرات والاحتجاجات مثل حركة امتداد وغيرها. وهذا الخيار مطروح وجرى تفعيلة بقوة بدعم جماهيري وإقليمي ودولي إلا أنه بالتجربة ثبت عدم قدرته على التعديل إلا ما ندر، ولا على التغيير، لأنه لم يصمد كثيرا، ونتائجه كانت سلبية منها كثرة الضحايا من المتظاهرين وقوات حفظ النظام. وقيادات هذا الحراك جرى استيعابهم بطريقة وأخرى في أجهزة الدولة، أو جرى انتخابهم أعضاء في مجلس النواب، وبدأوا يفكرون بعقلية الحزب الحاكم بدلا من عقلية المحتج والرافض حتى في علاقاتهم مع جماهيرهم المنتفضة.

3. الاحتمال الثالث: التعديلات الجزئية: وهذا الاحتمال هو الاحتمال الأكثر واقعية، ويطرحه الأحزاب الحاكمة، لاستيعاب غضب الشارع العراقي، فهؤلاء يرون أيضا أنه لابد من تعديل النظام وتغير بعض رموزه. فلجوا إلى عدم الترشيح إلى عضوية مجلس النواب، وعدم الترشيح إلى المناصب الحكومية التنفيذية، وقدموا أبناءهم وأنصارهم ومؤيدهم للواجهة. ومن جهة ثانية قاموا بتغيرات شكلية لا جوهرية، مثل تغير النظام الانتخابي، ومفوضية الانتخابات، وبعض الإجراءات الشكلية التي تعطي انطباعا للشارع أن هناك تغيير أو تعديل للنظام. والحقيقة أن مثل هذا الاحتمال لا يبني دولة، ولا يرسخ نظام حكم قادر على مواجهة التحديات والمخاطر التي تواجه العراق.

4. الاحتمال الرابع: العودة إلى النظام المركزي: يرى أنصار هذا الرأي، وبعضهم من الأكاديميين، أن الديمقراطية العراقية بمفهومها التوافقي والطائفي هي سبب رئيسي من أسباب فشل هذا النظام وهشاشته، وأن المحافظات هي الأخرى فشلت في إدارة نفسها على وفق نظام اللامركزي، والحل هو العودة إلى النظام المركزي الموحد الذي لا يقف أمام توجهاته أي قوى سياسية أو حزبية مهما كانت، وبهذه يمكن أن يحدث استقرارا، ويحدث استثمارا.

5. الاحتمال الخامس: السلطات العشر والبرلمانات العشر: وهذا الرأي الذي يتبناه بعض الأكاديميين في (مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات) وهو يرى أن المشكلة تكمن في عدم تمثيل الشعب والمجتمع بشكل أفضل في نظام الحكم، وفي عدم توسيع قاعدة المشاركة الشعبية في الحكومة، وفي عدم اهتمام السلطة في إحراز رضى عامة الناس بأعلى صورة ممكنة، وفي عدم إيجاد التوازن بين السلطات وبين الكمية والكيفية -كمية أراء الناخبين، وكيفية المنتخبين، أو الفاعلين في قرارات الدولة- وصولا إلى قرار الحق، وشمول العدل للناس كافة.

وعليه، فان الحل هو في توسيع مجلس النواب بحيث يتكون من 10 برلمانات متوازية، وفي توسيع الحكومة بحيث تتكون من 10 سلطات بدلا من سلطة واحدة، وفي توسيع السلطة القضائية بحيث تتكون من 6 سلطات قضائية.

وفي رأي السيد مرتضى الشيرازي أن السلطات الثلاثة، سواء كانت في النظام الرئاسي أو النظام البرلماني لم تعد تصلح لإدارة الدولة مع ما يحصل من تطورات سياسية واقتصادية واجتماعية وتقنية. وإنه لابد من حصول تمثيل حقيقي لغالبية أفراد المجتمع يضمن تحقيق العدالة الاجتماعية، ورضا المجتمع ككل.

حيث يرى الشيرازي أن (تمثيل الشعب والمجتمع بشكل أفضل في نظام الحكم، وفي توسيع قاعدة المشاركة الشعبية في الحكومة، وفي إحراز رضى عامة الناس بأعلى صورة ممكنة، وفي إيجاد التوازن بين السلطات وبين الكمية والكيفية-كمية أراء الناخبين، وكيفية المنتخبين، أو الفاعلين في قرارات الدولة - وصولا إلى قرار الحق، وشمول العدل للناس كافة، هو أن تكون السلطات عشرا لا ثلاثا، وأن يكون البرلمان مكونا من عشر برلمانيات متوازية، إضافة إلى عشر برلمانيات أخرى فرعية).

ويؤخذ على هذا الاحتمال أنه لا ينسجم مع القواعد العامة للفقه الدستوري المتعارف عليه وقوامه وجود ثلاث سلطات فقط هي السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية، وأنه من الصعب جدا تغير الدستور العراقي، وأنه سيؤدي إلى فوضى في القرار السياسي الذي لابد أن يكون في نهاية المطاف بيد جهة واحدة أو شخص واحد مع ضمان مشاركة في صنع القرار. وأن تمثيل مثل العشائر أو المجتمع المدني، أو المنظمات المهنية، أو الفلاحيين، في السلطات الثلاثة، يمكن أن يتحقق عن طريق الكوتا كما حدث مع النساء ومع الأقليات الاجتماعية، أو يتحقق عن طريق تأسيس هيئات في الحكومة تكون ممثلة لتلك الجهات الشعبية.

وخلاصة الموضوع:

1. إن تعديل النظام السياسي في العراق أو تغيره قادم دون أدنى شك، لأنه لم يعد قادرا على الصمود أمام التحديات والأخطار.

2. ليس هناك اتفاق على طريقة للتعديل أو التغيير وتظل مسألة التعديل مرهونة بالظروف وبغلبة هذا الخيار على ذاك.

3. إن التعديل أو التغير الذي ينسجم مع روح النظام الديمقراطي في العراق هو تعدد السلطات لا تقليصها ولا الحد من صلاحيتها، سواء قلنا بزيادة التمثيل الشعبي عن طريق زيادة السلطات أو طريق نظام الكوتا بحيث لا تبقى مؤسسة من مؤسسات الدولة إلا وفيها تمثيل لغالبية الشعب وفئاته.

...........................................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2022
هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
[email protected]
https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق