نفّذت السلطات السعودية أربعة أحكام بالإعدام الخميس، ليصل عدد عمليات الإعدام منذ مطلع العام إلى 100 بحسب تعداد لوكالة فرانس برس استنادا إلى بيانات رسمية، وذلك رغم الانتقادات التي طالت عملية الإعدام الجماعية قبل أقل من اسبوع التي شملت 81 شخصا.

وأعلنت وزارة الداخلية في بيانات متفرقة نشرتها وكالة الأنباء الحكومية "واس" إعدام اندونيسيين وسعوديين على خلفية قضايا قتل واغتصاب، وذلك غداة إعدام ثلاثة آخرين الأربعاء بالتزامن مع زيارة رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون.

وجاء ذلك بعدما أعلنت المملكة الخليجية السبت أنها أعدمت في يوم واحد 81 شخصا دينوا بجرائم مختلفة مرتبطة "بالإرهاب"، ما أثار تنديدا دوليا واسعا من الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية.

وبحسب تعداد وكالة فرانس برس استنادا إلى بيانات وزارة الداخلية، فقد أعدمت السعودية 100 شخص منذ بداية العام، متجاوزة عدد الإعدامات المنفذة خلال العام الماضي والتي شملت 69 شخصا.

وفي 2019، أعدمت السعودية 184 شخصا وهو أكبر عدد في غضون عام واحد.

ولطالما تعرّضت المملكة المحافظة لانتقادات حادة من منظمات حقوق الإنسان بسبب معدلات الإعدام المرتفعة. وأدانت مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشليه "عمليات الإعدام الجماعية" السبت، مشيرة إلى أنّ بعض الذين أعدموا أدينوا بعد محاكمات لا تفي بالمعايير الدولية.

كما شكّكت منظمة هيومن رايتش ووتش في أن يكونوا حصلوا على محاكمات عادلة، قائلة في بيان انه "نظرا إلى الانتهاكات المتفشية والممنهجة في النظام الجزائي السعودي، فمن المرجح جدا أن أيّا من الرجال لم يحصل على محاكمة عادلة".

ويأتي تسارع وتيرة الإعدامات في السعودية بينما تشهد المملكة حملة انفتاح اجتماعي غير مسبوقة يقودها ولي العهد الشاب الأمير محمد بن سلمان وتترافق مع عملية قمع للمعارضين.

انتهاكات في النظام الجزائي

قالت "هيومن رايتس ووتش" إن إعدام السلطات السعودية 81 رجلا في 12 مارس/آذار 2022 هي أكبر إعدام جماعي في المملكة منذ سنوات على الرغم من وعودها الأخيرة بالحد من استخدام عقوبة الإعدام. نظرا إلى الانتهاكات المتفشية والممنهجة في النظام الجزائي السعودي، فمن المرجح جدا أنه لم يحصل أيّ من الرجال على محاكمة عادلة.

قال نشطاء سعوديون لـ هيومن رايتس ووتش إن 41 منهم ينتمون إلى الأقلية المسلمة الشيعية في البلاد، التي عانت طويلا من التمييز والعنف الممنهجَين من قبل الحكومة. ويقضي العديد من الشيعة السعوديين أحكاما مطولة، أو ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام فيهم، أو أُعدِموا بالفعل بتهمة التظاهر إثر محاكمات جائرة بشكل واضح.

قال مايكل بَيج، نائب مديرة الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: "إقدام السعودية على إعدام 81 رجلا جماعيا نهاية الأسبوع الماضي ليس إلّا عرضا وحشيا لحكمها الاستبدادي ونظامها القضائي الذي يضع عدالة محاكماتهم وأحكامهم موضع شك كبير. وما يزيد من رَوع القسوة في معاملتهم هو أن العديد من عائلاتهم اكتشفت وفاة أحبّتها تماما كما اكتشفناها نحن، بعد الواقعة ومن خلال وسائل الإعلام".

نشرت وزارة الداخلية في 12 مارس/آذار 81 اسما، وقالت إنهم أُعدموا بجرائم تشمل القتل والصلات بجماعات إرهابية أجنبية، فضلا عن الجريمة الموصوفة بالعبارة الغامضة المتمثلة، "الترصد لعدد من المسؤولين والوافدين واستهدافهم". كما أُدين آخرون باستهداف "الأماكن الحيوية التي يقوم عليها اقتصاد البلاد"، وتهريب أسلحة لـ "زعزعة الأمن، وزرع الفتن والقلاقل، وإحداث الشغب والفوضى"، وقتل عناصر شرطة، وزرع الألغام. وأضافت أن من ضمن الذين أُعدموا سبعة يمنيين وسوري. لم يذكر البيان كيف تم إعدامهم.

أشار ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في عام 2020 أنه سيضغط من أجل الحد من عقوبة الإعدام في معظم الجرائم باستثناء تلك التي نصت عليها الشريعة الإسلامية. وفسر النشطاء السعوديون إشارة تصريحاته إلى القتل، و "الحرابة"، أو محاربة الله والمجتمع، وهو مصطلح غير معرَّف بوضوح في القرآن، ولكنه غالبا ما يشمل الجرائم الخطيرة والعنيفة مثل القتل والقتل الجماعي، والاغتصاب، وجرائم الحرب، ومؤخرا "الأعمال الإرهابية".

ثلاثة فقط من الرجال الشيعة الـ41 أدينوا بتهم القتل العمد. قال البيان إن الآخرين أدينوا بتهم منها محاولة قتل عناصر الأمن بـ"استهداف مراكز [شرطة] ومقار أمنية أخرى" و"الترصد للدوريات الأمنية وإطلاق النار عليها" وعرقلة اعتقال مطلوبين آخرين، وتنفيذ عدد من الجرائم الأخرى مثل الخطف، والسرقة، و"إثارة الفتن وإشاعة الفوضى"، وشراء، وبيع، وحيازة أسلحة، وذخائر، ومتفجرات، ومخدرات.

حصلت هيومن رايتس ووتش على الأحكام القضائية بحق خمسة من الرجال الشيعة الـ 41 وهم: عقيل الفرج، مرتضى الموسى، ياسين الإبراهيم، محمد الشاخوري، وأسعد شبر علي. شابت جميع محاكماتهم انتهاكات للإجراءات القانونية الواجبة، شملت إفادة كل واحد منهم للمحكمة عن تعرّضهم للتعذيب وسوء المعاملة أثناء الاستجواب، وانتزاع اعترافاتهم منهم بالقوة.

وطالب المدعون بإعدام الخمسة جميعا بموجب مبدأ الحدود في الشريعة الإسلامية. لكن القضاة حكموا عليهم على أساس التعزير، الذي يمنح القضاة سلطة تقديرية واسعة لتحديد العقوبات في القضايا الفردية، لأن المتهمين كانوا قد سحبوا اعترافاتهم أثناء سير القضية. حللت هيومن رايتس ووتش عدة أحكام قضائية بحق شيعة سعوديين على مدار العقد الماضي، ووجدت انتهاكات مماثلة للإجراءات القانونية الواجبة في كل منها.

قال العديد من أفراد الأسرة إنهم لم يعلموا بالإعدام مسبقا، ولم يحظوا بفرصة للوداع، على حد قول نشطاء سعوديين لـ هيومن رايتس ووتش. كما قال أحد أشقاء محمد الشاخوري، الذي كان أيضا مقربا من أسعد شبر علي، إنه اكتشف الإعدامات عبر وسائل الإعلام المحلية وأضاف: "ليس لدينا أي فكرة عن كيف ومتى أُعدموا، أو كيف وأين دفنوا. ما زلت أتساءل، ماذا كانت كلمات أخي الأخيرة؟ وهل دفن وفق المراسم الشيعية؟ وهل صلوا على جثمانه؟"

وتعارض هيومن رايتس ووتش عقوبة الإعدام في جميع البلدان وفي كافة الظروف. عقوبة الإعدام متفردة في قسوتها وكونها لا رجعة عنها، وهي في كل الأحوال مشوبة بالتعسف، والتحيز، والخطأ. في 13 مارس/ آذار، أدان "الاتحاد الأوروبي" الإعدامات الجماعية ودعا إلى وقفها بالكامل، "كخطوة أولى نحو الإلغاء الرسمي والكامل لعقوبة الإعدام".

وطالبت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في مناسبات كان آخرها العام 2018، الدول بتجميد استخدام عقوبة الإعدام، والتضييق على هذه الممارسة تدريجيا، وتقليص الجرائم التي يمكن المعاقبة عليها بالإعدام، وكل هذا على مسار إلغاء العقوبة في نهاية المطاف. وقال الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك بان كي مون في 2013 إن على جميع الدول إلغاء عقوبة الإعدام.

أعدمت السلطات السعودية 47 رجلا لجرائم إرهابية في يناير/كانون الثاني 2016. وفي أبريل/نيسان 2019، أعدمت 37 رجلا، 33 منهم على الأقل من الأقلية الشيعية في البلاد، أدينوا في أعقاب محاكمات جائرة لمختلف الجرائم المزعومة، منها الجرائم المرتبطة بالاحتجاج، والتجسس، والإرهاب.

انتقدت هيومن رايتس ووتش مرارا الانتهاكات المتفشية في النظام الجزائي السعودي، بما فيه الانتهاكات المنهجية للإجراءات القانونية الواجبة وحقوق المحاكمة العادلة، بما فيها الاعتقال التعسفي طويل الأمد والاحتجاز المتقطع بمعزل عن العالم للمحتجزين البارزين.

تطبق السعودية الشريعة الإسلامية كقانونها الوطني. ليس لديها قانون عقوبات رسمي واضح، لكن الحكومة أصدرت بعض الأنظمة واللوائح التي تُخضع بعض الجرائم المعروفة على نطاق واسع لعقوبات جزائية. في حالة عدم وجود قانون عقوبات مكتوب وواضح، يمكن للقضاة والمدعين العامين إدانة الأشخاص في مجموعة من الجرائم بموجب تهم فضفاضة مثل "الخروج على ولي الأمر" أو "محاولة الإساءة إلى سمعة المملكة".

عادة ما يواجه الأشخاص المتهمون بارتكاب جرائم، بمن فيهم الأطفال، انتهاكات منهجية للإجراءات القانونية الواجبة وحقوق المحاكمة العادلة، بما في ذلك الاعتقال التعسفي. وثّقت هيومن رايتس ووتش تفشي انتهاكات الإجراءات القانونية الواجبة في المحاكم والنظام الجزائي ضد المتهمين في القضايا الجزائي. وتشمل هذه الانتهاكات فترات الاحتجاز الطويلة دون تهمة أو محاكمة، وغياب المساعدة القانونية، والضغط لتوقيع الاعترافات وقبول أحكام السجن المحددة سلفا لتجنب الاحتجاز التعسفي المطول، وخدمات الترجمة غير الفعالة أو الضارة للمتهمين. كما انتقدت هيومن رايتس ووتش بشكل متكرر اعتماد المحاكم السعودية على الاعترافات المشوبة بالتعذيب كأساس وحيد للإدانة في بعض القضايا.

في 2020، أعادت السلطات السعودية التأكيد على تعديل قانوني في 2018 أوقف عقوبة الإعدام لجرائم مزعومة معينة يرتكبها الأشخاص في سن الطفولة، على الرغم من أن المدعين يمكنهم - وما يزالون يفعلون ذلك – المطالبة بعقوبة الإعدام ضد الأطفال الجانحين لجرائم مثل القتل. في ذلك العام، أعلنت هيئة حقوق الإنسان السعودية أيضا وقف تنفيذ أحكام الإعدام المتعلقة بالمخدرات. وقال نشطاء سعوديون إنه لم يكن أي من الرجال الشيعة الـ 41 الذين أعدموا أطفالا وقت ارتكاب الجرائم المتهمين بارتكابها. من غير الواضح ما إذا كان أي من المُعدمين الآخرين كذلك.

كجزء من الإصلاحات القانونية المعلن عنها في 8 فبراير/شباط 2021، يتم إعداد أول قانون عقوبات مكتوب في البلاد لجرائم التعزير – والتي بموجب الشريعة الإسلامية هي الجرائم التي لم يتم تحديد عقوبتها كتابيا والتي لا تنطوي على عقوبات محددة مسبقا - على الرغم من عدم التشاور بخصوصها على ما يبدو مع المجتمع المدني. وقال ولي العهد إن الهدف من التغييرات هو "رفع مستوى نزاهة وكفاءة المؤسسات القضائية".

لم تُنشر التفاصيل بعد وليس من الواضح مدى خضوع هذه القوانين للمعايير الدولية. فقد أثارت المجموعات الحقوقية السعودية والدولية المخاوف من أن العديد من التهم التعسفية سيتم وصفها على أنها جرائم باستخدام صياغة فضفاضة وشاملة تجرّم الحق في حرية التعبير وتكوين الجمعيات والتجمع، من بين حقوق أخرى.

كاستراتيجية متعمّدة لتشتيت الانتباه عن صورة البلاد السائدة كمنتهك كبير لحقوق الإنسان وللتعويض عن التدقيق والتقارير من قبل منظمات حقوق الإنسان والنشطاء الحقوقيين المحليين، تنفق المملكة مليارات الدولارات على استضافة الأحداث الدولية الكبرى. قالت هيومن رايتس ووتش إنه في حين يمكن استخدام هذه المبادرات لأغراض مفيدة، فإن السعودية تستخدم هذه الأحداث التي تمولها الحكومة مع المشاهير والفنانين والرياضيين لغسل سجلها الحقوقي المزري وتشتيت جهود محاسبة قيادتها على هذه الانتهاكات.

قال بيج: "بالنسبة للمشاهير العالميين ممن يتطلعون إلى جني الأموال من جهود السلطات السعودية لغسل سمعتها الدموية، عليهم التفكير في هذا الانتهاك الأخير للعدالة، وهو الإعدام الجماعي لـ 81 شخصا، وأن يسألوا أنفسهم ما إذا كان الأمر يستحق ذلك حقا".

تصعيد مرعب

من جهتها قالت منظمة العفو الدولية اليوم إن الإعدام الجماعي لـ 81 شخصاً – مواطنون سعوديون وغير سعوديين – يوم السبت يشير إلى تصعيد مرعب في استخدام المملكة العربية السعودية لعقوبة الإعدام، ما يرفع مجموع عدد الإعدامات في البلاد إلى 92 حتى الآن في عام 2022 وحده.

وأعلنت وزارة الداخلية يوم السبت إعدام 81 شخصاً – أُدينوا جميعهم بارتكاب مجموعة واسعة من الجرائم، من ضمنها الجرائم المتعلقة بـ”الإرهاب”، والقتل، والسطو المسلح، وتهريب الأسلحة. كما أُدين عدد من الذين أُعدموا بتهم مثل ” السعي لزعزعة النسيج الاجتماعي واللحمة الوطنية” و”الدعوة إلى والمشاركة في الاعتصامات والمظاهرات” وهي تصف أفعالاً تحميها الحقوق في حرية التعبير، والتجمع السلمي، وتكوين الجمعيات أو الانضمام إليها.

ينتمي 41 شخصاً من الذين أُعدموا السبت إلى الأقلية الشيعية في السعودية، في أحدث تجسيد للاستعمال المسيّس لعقوبة الإعدام من المملكة، بغية إسكات المعارضة في المنطقة الشرقية.

وقالت لين معلوف، نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية، إنّ “ما يزيد فظاعة موجة الإعدامات هذه هو حصولها في ظلّ نظام القضاء السعودي الذي تشوبه شوائب ويصدر أحكام الإعدام عقب محاكمات صارخة وبالغة الجور، بما في ذلك الاستناد في إصدار الإدانات إلى “اعترافات” تُنتزع تحت وطأة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة”.

“كما يكشف هذا العدد الصادم من عمليات الإعدام عن افتقار المملكة العربية السعودية إلى الشفافية في قضايا عقوبة الإعدام؛ لأننا نعرف بأن عدد المحاكمات التي تؤدي إلى وضع السجناء على لائحة الذين ينتظرون تنفيذ الإعدام فيهم هو دائماً أعلى على نحو ملموس من ذلك الذي يُعلن عنه. وهناك العديد من الأشخاص في المملكة العربية السعودية اليوم المُعرّضين لخطر الإعدام الوشيك”.

عمليات الإعدام بسبب المشاركة في الاحتجاجات

بحسب توثيق منظمة العفو الدولية حُكم بالإعدام على اثنين من الـ 81 رجلاً الذين أُعدموا يوم السبت عقب إدانتهما بجرائم تتعلق بمشاركتهما في احتجاجات عنيفة مناهضة للحكومة. ويمكن أن يكون عدد الأشخاص الذين أُعدموا استناداً إلى تهم مشابهة أعلى من ذلك.

حكمت المحكمة الجزائية المتخصصة على محمد الشاخوري بالإعدام في 21 فبراير/شباط 2021 بسبب ارتكابه جرائم عنف مزعومة تتعلق بمشاركته في احتجاجات مناهضة للحكومة. ولم يحصل على تمثيل قانوني خلال احتجازه واستجوابه، ولم يُسمح لعائلته بزيارته إلا بعد ثمانية أشهر من اعتقاله.

وقد أبلغ الشاخوري المحكمة أنه أُصيب برضوض وألم شديد في ظهره وأضلعه، وفمه في أعقاب تعرّضه للتعذيب. وفقد معظم أسنانه بعد أن وجّه إليه أفراد الأمن اللكمات المتكررة على وجهه، ومع ذلك حُرم من الرعاية الطبية. وقد سحب الشاخوري “اعترافه” لأنه انتُزع منه بواسطة التعذيب، لذلك أصدر القاضي عقوبة إعدام تقديرية.

وفي قضية أخرى أصدرت المحكمة الجزائية المتخصصة في 30 يناير/كانون الثاني 2021 حكماً بالإعدام على أسعد علي – الذي أُعدم أيضاً يوم السبت – بسبب جرائم مشابهة. وقد أبلغ المحكمة أنه تعرض للتعذيب الجسدي والنفسي أثناء استجوابه في الحبس الانفرادي، وأن “اعترافه” انتُزع منه أيضاً تحت وطأة التعذيب. وقال عليّ إنه حُرم من الحصول على علاج طبي برغم أنه عانى ألماً مبرّحاً.

ما يزيد فظاعة موجة الإعدامات هذه هو حصولها في ظلّ نظام القضاء السعودي الذي تشوبه شوائب ويصدر أحكام الإعدام عقب محاكمات صارخة وبالغة الجور

وقد نفّذت المملكة العربية السعودية سابقاً عمليتيْ إعدام جماعي في السنوات الأخيرة، مع أن أياً منهما لم يكن بالحجم نفسه: ففي عام 2019، أُعدم 37 شخصاً كان أغلبيتهم من الرجال الشيعة الذين أُدينوا عقب محاكمات صورية؛ وفي عام 2016 أُعدم 47 شخصًا كان بينهم رجل الدين الشيعي البارز الشيخ نمر النمر.

وقد وثّقت منظمة العفو الدولية حالات 30 شخصاً آخرين على الأقل مُعرّضين لخطر الإعدام إثر إصدار أحكام بالإعدام عليهم عقب محاكمات جائرة بتهم متشعبة نابعة من معارضتهم للحكومة أو مشاركتهم في احتجاجات ضد الدولة، أو تهريب مخدرات، أو شن هجمات عنيفة، أو ارتكاب جرائم قتل. ومن المرجح أن يكون مجموع عدد الأشخاص الذين حُكم عليهم بالإعدام استناداً إلى تهم مشابهة أعلى من ذلك بكثير.

وفي كافة الحالات التي وثّقتها منظمة العفو الدولية، حُكم على أشخاص بالإعدام عقب محاكمات بالغة الجور، شاب العديد منها مزاعم تعذيب أثناء الاحتجاز، تقاعس الادعاء عن التحقيق فيها في انتهاك للواجبات الدولية المترتبة على المملكة العربية السعودية.

وفي مارس/آذار 2022 صدر حكم بالإعدام على عبد الله الحويطي – وهو شاب كان في سن الرابعة عشرة عند ارتكابه الجرم المزعوم – في أعقاب إعادة محاكمته بعد أن نُقض في نوفمبر/تشرين الثاني 2021 حكم الإعدام الأولي الصادر بحقه. وقد حُكم عليه بالإعدام مرة أخرى بتهم القتل والسطو المسلح. ووفقاً لوثائق المحكمة احتُجز في الحبس الانفرادي أربعة أشهر طيلة فترة استجوابه الذي جرى بدون حضور والديه أو محاميه.

مواجهة الإعدام بسبب ممارسة حرية التعبير

في نهاية مارس/آذار 2022، من المقرر أن يمثل الأكاديمي السعودي حسن المالكي أمام المحكمة الجزائية المتخصصة في استئناف لمحاكمته التي يمكن أن يواجه فيها عقوبة الإعدام بتهم تتعلق بحرية التعبير. وتشمل التهم الـ 14 المنسوبة إليه الإساءة إلى “ولاة أمر هذه البلاد، وهيئة كبار العلماء”، و”إجراءه لقاءات تلفزيونية مع صحف غربية وقنوات معادية [للمملكة]”، و” تأليفه عدداً من الكتب والأبحاث… ونشرها خارج المملكة”، و”حيازته 348 كتابًا غير مفسوح من الجهة المختصة”.

وفي قضية مشابهة، يواجه رجل الدين سلمان العودة عقوبة الإعدام أيضاً أمام المحكمة الجزائية المتخصصة بتهم تتعلق بمساندته المزعومة لمعارضين مسجونين وللإخوان المسلمين – وهي جماعة سياسية محظورة. وقد وُضع العودة في الحبس الانفرادي طوال الأشهر الخمسة الأولى من فترة احتجازه في انتهاك للمعايير الدولية مثل قواعد نلسون مانديلا، بدون أن يُسمح له الاتصال بأسرته أو بمحامٍ، ما عدا مكالمة واحدة وجيزة بعد شهر من اعتقاله.

وفي أغسطس/آب 2018 أُحيل سلمان العودة للمحاكمة أمام المحكمة الجزائية المتخصصة في جلسة سرية، حيث وُجهت إليه 37 تهمة، من بينها الدعوة إلى حرية التعبير والإصلاحات السياسية في المملكة العربية السعودية. وفي مايو/أيار 2019 وعقب جلسة سرية أخرى أحاط محاميه أسرته علماً بأن النيابة طالبت بإصدار عقوبة الإعدام بحقه. ويظل قيد المحاكمة بانتظار إدانته.

وقالت لين معلوف إنه “يجب الإفراج عن حسن المالكي وسلمان العودة فوراً ومن دون قيد أو شرط. فلا يجوز أن يواجه أحد عقوبة الإعدام لمجرد ممارسته لحقه في حرية التعبير، ويُعدّ استخدام الدولة للإعدامات كأداة سياسية لخنق أصوات المنتقدين إساءة استخدام متفشية للعدالة”.

التغييرات الأخيرة في أحكام عقوبة الإعدام

أعلن أمر ملكي صدر عام 2020 وضع حد لاستخدام عقوبة الإعدام ضد أشخاص تقل أعمارهم عن 18 عاماً عند وقوع الجريمة، وفقط في حالات تعزيرية لا علاقة لها بقانون مكافحة الإرهاب. ولم يحدد ما إذا كان الإعلان ينطبق على القُصَّر المحكوم عليهم بجرائم الحد (تلك التي يُعاقب عليها بعقوبات ثابتة وشديدة بموجب الشريعة) أو الجرائم التي يُعاقب عليها بالقصاص. ويُقصِّر الأمر الملكي في الوفاء بالواجبات المترتبة على المملكة العربية السعودية بموجب اتفاقية حقوق الطفل.

وفي مطلع عام 2021 أعلنت السلطات السعودية إجراء تغييرات تتعلق بعقوبة الإعدام، بما في ذلك وقف تنفيذ الإعدامات بالنسبة للجرائم التي تتعلق بالمخدرات. وهي أحكام تصدر بناء على ما يرتئيه القاضي وليست إلزامية بموجب الشريعة الإسلامية. وفي حين يبدو أن هذا الوقف قد وُضع حيز التنفيذ، إلا أنه لا يكتسي صفة رسمية بعد ويظل كذلك ما دامت القوانين السارية المتعلقة بالمخدرات تحمل في طياتها عقوبة الإعدام، وما دام الأشخاص الذين حُكم عليهم بالإعدام سابقاً بسبب جرائم لها صلة بالمخدرات ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام فيهم.

وعلاوة على ذلك واصلت المحاكم إصدار أحكام بالإعدام وتنفيذها بحق أشخاص فيما يتعلق بجرائم أخرى يمكن فيها للقضاة إصدار حكم بالإعدام بحسب ما يرتؤونه. وقد صدر على جعفر سلطان وصادق ثامر – كلاهما مواطنان بحرينيان – حكمان استنسابيان بالإعدام في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2021 بتهم لها صلة “بالإرهاب”، بما في ذلك تهريب متفجرات، وتلقي تدريب عسكري في إيران، و”المشاركة أكثر من عشرين مرة في المظاهرات التي حدثت في مملكة البحرين ورفع الشعارات الداعية لإسقاط الحكومة”. وقد أيدت محكمة الاستئناف إدانتهما في يناير/كانون الثاني 2022، لكن يظل بالإمكان نقض الإدانة من جانب المحكمة العليا.

عقوبة الإعدام هي أقصى أشكال العقوبات القاسية واللاإنسانية والمهينة، وتُعدّ انتهاكاً للحق في الحياة. وتدعو منظمة العفو الدولية السلطات السعودية إلى إيقاف فوري للإعدامات، وإصدار وقف رسمي لجميع عمليات الإعدام، وإصدار تشريع يلغي عقوبة الإعدام كلياً على كافة الجرائم.

وينبغي على المملكة العربية السعودية أيضاً أن تضمن عدم قبول المحاكم لأي “اعترافات” أو أقوال أخرى تُنتزع بواسطة التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة السيئة، وأن تُجري هيئة مستقلة من دون إبطاء تحقيقات فعالة في جميع الشكاوى الانتهاكات.

اضف تعليق