شهدت الحرية النقابية العديد من التطورات الإيجابية بعد ان كانت تعد من المحظورات على الموظف العام بحجة مخالفتها للواجبات الوظيفية ولسلسة التنظيم الإداري المرفقي، كما ان الدول الرأسمالية أو التي تؤمن بالاقتصاد الحر عارضت ولفترات طويلة التنظيمات النقابية والمهنية خشية التأثير على مالكي رؤوس الأموال بمنح الموظفين والعمال بعض الحقوق التي من الممكن ان تؤثر إلى سير العمل في المشاريع، وهنالك ثقافة سادت تتمثل بالخضوع المطلق لرب العمل أو المسؤول الإداري الأعلى.

لكن الأمر قد تغير بعد الحرب العالمية الثانية حيث انتعشت الحريات النقابية لاسيما بعد ان صدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 10/كانون الأول 1948، إذ ورد في المادة الثالثة والعشرين منه "لكل شخص الحق في ان ينشأ أو ان ينظم إلى نقابات حماية لمصلحته"، وللتذكير فإن النقابات تعد بحسب اجتهاد القضاء الإداري الفرنسي شخصاً من أشخاص القانون العام وتدعى المرافق المهنية بعد صدور حكم مجلس الدولة الفرنسي في قضيتي مونبرت 1942 وحكم بوكين 1943.

وهي بحسب اجتهاد محكمة التمييز العراقية منظمة غير حكومية فقد ورد في حكمها المرقم (96) في 30/8/2006 ما نصه "وحيث ان السلطة التنفيذية ممنوعة بموجب الدستور والقانون من التدخل في أعمال مؤسسات المجتمع المدني ومنها نقابة المحامين ولا يسوغ إصدار أي أمر أو اتخاذ أي إجراء إلا إذا كان متفقاً وأحكام الدستور والقانون"، كما انتهى اجتهاد مجلس الدولة العراقي بقراره المرقم (92) في 26/8/2014 إلى أنه "وحيث ان المادة(1) من قانون المنظمات غير الحكومية رقم (12) لسنة 2010.

عرفت المنظمة غير الحكومية بأنها مجموعة من الأشخاص الطبيعية أو المعنوية سجلت واكتسبت الشخصية المعنوية... وحيث ان تأسيس النقابات يتم استناداً لهذا القانون بعد نفاذه في 9/3/2010..... فلا مانع في الجمع بين رئاسة النقابة والوظيفة العامة" وما تقدم يكشف ان الاجتهاد يميل إلى تكييف النقابات بأنها منظمات مجتمع مدني ولا نتفق مع الرأي المتقدم فلو ترك الأمر للموظفين بتأسيس النقابات وفق قانون المنظمات غير الحكومية فإنها وبحق ستكون منظمة غير حكومية، أما وهي الآن تؤسس بقانون خاص وتعد أموالها أموال عامة، ومن يعملون فيها يملكون وسائل القانون العام ومنها السلطة الانضباطية على الأعضاء، كما ان الانتماء إليها إجباري لممارسة مهنة معينة كالطب أو الصيدلة أو المحاماة، فلا شك إنها شخص من أشخاص القانون العام وليست منظمة غير حكومية كون الأخيرة الانتماء إليها تطوعي.

ولعل ثمة من يتساءل عن أهمية العمل النقابي للموظف؟ فالجواب ان هذه الحرية لها عظيم الأهمية للتنظيم صفوف الموظفين والعاملين لدى الحكومة لضمان حقوقهم الجماعية والفردية قبال تعسف الإدارة أو شططها فالسلطات الكبيرة التي يتمتع بها الرئيس الإداري قد تكون مدعاة للتعسف واستخدامها بحق الموظف بشكل لا يتفق مع تحقيق المصلحة العامة الأمر الذي ينعكس سلباً على سير المرافق العامة في الدولة ويلقي بظلاله على الموظف الذي يعد وبحق الأداة الرئيسة التي تتكأ عليها الدولة لتقوم بالمهام والواجبات المنوطة بها في حفظ الأمن والنظام وإقامة العدل في المجتمع والتصدي لإشباع الحاجات العامة.

وما يهمنا في ميدان دراسة الحرية النقابية ان نتعرض لبعض الضمانات التي من شأنها ان تتكفل بتحقيق الفاعلية للنقابات لتتصدى لدورها المنشود وتمنع من مصادرة حقوق الموظف العام من قبل السلطات الحكومية ذات الصلة، فهنالك الضمانات العامة وهي الوسائل القانونية الضامنة لعمل النقابة ذاتها وتتمثل في ضمانة حق التكوين بمعنى ان تتاح الفرصة كاملة للموظفين أو لفئات من الموظفين بتكوين النقابات دون وضع شروط تعسفية من شأنها ان تصادر أصل الحرية وتفرغها من محتواها، فان كان ولا بد من وجود ترخيص لممارسة الحرية النقابية فينبغي ان لا تسعى السلطات العامة إلى عرقلة الاعتراف التشريعي أو التنظيمي بالنقابات المهنية لكونها البوابة الطبيعية لمباشرة حقوق دستورية مهمة، لذا أشار الدستور العراقي للعام 2005 في المادة الثانية والعشرون منه إلى "تكفل الدولة حق تأسيس النقابات والاتحادات المهنية والانضمام إليها، وينظم ذلك بقانون" وعطفاً على النص المتقدم نرى أنه كفل الحق بتأسيس النقابات المهنية والاتحادات وأناط بالمشرع تنظيم هذه الحرية.

بيد ان الإشكالية المركزية التي تعترض الحق النقابي ان المشرع العراقي لم يبادر إلى إصدار قانون ينظم حرية تأسيس النقابات لشرائح الموظفين إنما هنالك قانون خاص بالعمال ينظم حقهم في تأسيس النقابات العمالية وهو قانون "التنظيم النقابي للعمال" رقم (52) لسنة 1987 والذي ينص في مادته التاسعة بأن "النقابة: منظمة عمالية حرة يكفلها النظام الاجتماعي للدولة ولها شخصية معنوية وتتمتع باستقلال مالي وإداري لتحقيق أغراضها، ويمثلها رئيس النقابة" وأضافت المادة العاشرة انه "أولاً: النقابة هي الممثل القانوني للعمال المنتسبين إليها في كل علاقة عمل بين هؤلاء وأصحاب العمل أو بسبب النزاع على تطبيق القانون..." وبينت المادة الثانية عشر حرية العمال بتأسيس لجان نقابية وان من حق ويمكن للجنتين نقابيتين تأسيس نقابة خاصة بهم، بيد ان هذا القانون لا ينطبق على الموظفين العاملين لدى الحكومة وهم الشريحة الأكبر بل قد ينطبق على فئة وهم (الأجراء والمتعاقدين ومنهم من تم توظيفه وفق قرار مجلس الوزراء العراقي رقم 315 لسنة 2019 وتوابعه) لذا عمد المشرع العراقي قبل العام 2005 وبعده إلى إصدار سلسلة من القوانين تؤسس لنقابات محددة مثل:

أ‌- نقابة المعلمين المؤسسة بالقانون رقم (7) لسنة 1989.

ب‌- نقابة الأطباء المؤسسة بالقانون رقم (81) لسنة 1984.

ت‌- قانون نقابة الصيادلة المؤسسة بالقانون رقم (112) لسنة 1966.

ث‌- وبعد صدور الدستور العراقي صدرت عدة قوانين تتضمن تأسيس نقابات معينة ومنها:

أ‌- نقابة الاكاديميين العراقيين المؤسسة بالقانون رقم (61) لسنة 2017.

ب‌- نقابة التمريض المؤسسة بالقانون رقم (8) لسنة 2020.

والقوانين المتقدمة غيض من فيض فهنالك عشرات القوانين المنظمة لنقابات أخرى بيد ان ملاحظتنا على التنظيم القانوني للحرية النقابية للموظف العام في العراق تتمثل في:

أولاً: لم يتناول الدستور العراقي الوظيفة العامة بالتنظيم أو حتى بالإشارة ما خلق فراغاً دستورياً خطيراً لأهمية الوظيفة العامة أولاً ولسعة فئة الموظفين وهم طبقة تتمثل بالملايين في العراق ولربما تنتهك حقوقهم الوظيفية بأسم الانتماء النقابي أو يحرمون من حرياتهم وحقوقهم لعدم وجود تنظيم مهني يحامي عنها ويمثلها ويطالب السلطات العامة في الدولة بالمحافظة عليها.

ثانياً: لم تترك السلطة التشريعية الحرية للموظفين لتشكيل النقابات التي تمثلهم بل بادر البرلمان إلى إصدار تشريعات متتالية بتأسيس تلك النقابات لشرائح من الموظفين بيد ان السلطة التشريعية وجدت نفسها تدور في دوامة تتمثل بتعدد فئات الموظفين ممن لا يمكن ان يضمهم تنظيم نقابي واحد لذا البرلمان ترك وظائفه الأساسية وانشغل بمناقشات لا نهاية لها حول الشرائح الوظيفية التي يجب ان تنظم بنقابات، ولو انه ترك الأمر لذوي الشأن وأصدر قانون واحد يعطي الفرصة للموظفين أنفسهم بتأسيس النقابة وفق شروط معينة كما لا حظنا ذلك بقانون الاتحادات الوطنية الرياضية رقم (24) لسنة 2021 حين منح الحق لثلاثة أندية صعودا بأن تؤسس اتحاد بعد استجماع شروط محددة وهو ولا شك مسلك محمود ولكان الأمر أفضل بكثير.

ثالثاً: ان المشرع العراقي بمسلكه المتمثل بتشتيت قوانين النقابات التي تضم الموظفين أو على الأقل استمراره بهذا النهج شكل مخالفة للدستور متمثلة بانتهاك مبدأ المساواة بين العراقيين أمام القانون ولنعط أمثلة عل ما تقدم:

- ان المشرع لا يمتلك رؤية تنظيمية واضحة فقد ساوى بين الموظفين وغيرهم في بعض قوانين النقابات وميز بينهم في قوانين أخرى فعلى سبيل المثال قانون نقابة الصيادلة والأطباء يماثل بين الموظف وغير الموظف بالحق في الانتماء وممارسة المهنة بعد الدوام استثناءً من قانون انضباط موظفي الدولة والقطاع العام رقم 14 لسنة 1991 المعدل والذي يمنع على الموظف الجمع بين وظيفتين أو بين الوظيفة واي عمل أخر من شأنه ان يؤثر على سير العمل في المرفق العام وحقيقة الأمر ان بعضاً من هؤلاء يخصص جل وقته للعمل الخاص ويضحي بالمرفق العام ومصلحة المجتمع لهذا ازدهرت العيادات الخاصة والمستشفيات الخاصة على حساب نظيرتها العامة التي تعاني الأمرين، في الوقت الذي يمنع قانون نقابة المحامين المؤسسة بقانون المحاماة رقم (173) لسنة 1965 من الجمع بين الوظيفة والعمل في المحاماة ولعمري ما تقدم إخلال بمبدأ المساواة فالأصل إما يمنع الجميع أو يسمح للجميع.

- فشل المشرع بالتأسيس لتنظيم يكرس الدور الحقيقي للنقابات بأن تكون المعبر الحقيقي عن تطلعات ذوي المهنة والمدافع الأول عن حقوقهم وحرياتهم، كما ان الواجب يقتضي تحويل النقابات إلى واحة لممارسة الديمقراطية بان ينتخب أصحاب الشأن من القيادات النقابية بانتخابات حرة ونزيهة بعيدة كل البعد عن شبهات الانحراف عن المبدأ الديمقراطي بأي شكل من الأشكال.

- ان البرلمان العراقي والحكومة العراقية لم تستمع يوماً لرأي النقابات أو تشركها في أي تفاوض يخص قانون أو نظام أو تعليمات تمس مراكز الموظفين وحقوقهم إزاء الحكومة أو واجباتهم.

- ان النقابات لم تأخذ دورها الحقيقي في قيادة الموظفين لتنظيم الصفوف والتعبير عن التطلعات ومواجهة المشكلات بما من شأنه ان يحفظ الكرامة الوظيفية ويؤكد مبدأ المساواة على سبيل المثال هنالك تخمة في رواتب بعض فئات الموظفين لكونهم منتسبين في وزارة معينة بينما يعاني زملائهم شظف العيش في وزارات أخرى فمن يعمل في وزارة كالنفط يتميز عن أقرانه في الوزارات الأخرى ممن يبذلون جهوداً لا تقل أهمية عن دور وزارة النفط، بل قد يتعرضون لمخاطر أشد كمن يعمل في مؤسسات صناعية أو صحية خطرة، وهنا نتساءل عن دور نقابة المهندسين في هذا الخصوص ولم السكوت المطبق عن المطالبة بحقوق الآخرين.

من الضمانات المهمة للنقابات لتأخذ دورها المنشود تأكيد استقلالها إذ تعد التنظيمات النقابية والاتحادات والجمعيات واحدة من المؤسسات الضامنة لفاعلية حرية التعبير عن الرأي لهذا ينبغي ان تحفظ لها السلطات العامة في الدولة الاستقلال الذي من شأنه ان يمنحها المكنة للتعبير عن تطلعات وحقوق المنتمين إليها أو المنضوين تحت لوائها وهم يمثلون محور نشاطها، ولنضمن الاستقلال لابد من توافر مقومات من أهمها، المقوم الموضوعي المتمثل بضمان حرية العمل والاستقلال في إدارة شؤون النقابة دون تدخل من الإدارات الحكومية ولأي سبب كان، كما تستقل الهيئات النقابية بسلطة وضع نظام داخلي ينظم عملها، والاستقلال الوظيفي والمتمثل بمنح الأشخاص المنتمين للنقابة الحرية الكاملة بالتعبير عن الأفكار النقابية أو الترويج لها بالطرق التي تتفق مع القانون ولا تتعارض مع مصلحة المرفق أو الهيئة التي يعملون بها.

إضافة لما تقدم هنالك الضمانة المتمثلة في المساواة التامة ونعني بها المساواة وظيفيا بمعنى عدم التمييز بين النقابات والاتحادات لأي سبب كان أو التمييز بين الموظفين بمباشرة حقوقهم التمثيلية والنقابية، وأخيرا ضمانة عدم الحل الإداري تعسفاً فالحل يعد الطريق القانوني لإنهاء الشخصية المعنوية للنقابة أو الاتحاد أو الجمعية أو غيرها من الأشخاص المعنوية وبالتأكيد ان هذا الطريق يمثل خطراً محدقاً يتهدد الحرية ويصادرها، وضمانة الإبقاء على الوجود المادي للنقابة لا يقل أهمية عن ضمانة التأسيس، ويقتصر الحل على أحكام القضاء وبالغالب يكون على سبيل العقاب أو الجزاء عند ارتكاب التنظيم النقابي مخالفة من نوع ما.

اضف تعليق