بقلم: كارلوس لوبيز

جنيف- سوف تجتمع في نهاية أكتوبر مجموعة عمل حكومية دولية مجددا من اجل الدعوة لإبرام معاهدة دولية تحكم مسئولية الشركات المتعددة الجنسيات عن دعم حقوق الانسان. ان مجموعة العمل والتي تم انشاؤها سنة 2014 من قبل مجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة تعقد جلسات عمل سنوية والتي يحضرها دائما مجموعة كبيرة من مناصري حقوق الانسان والمختصين بالبيئة وأعضاء منظمات التنمية الاجتماعية ولكن بينما ترسل العديد من البلدان ومعظمها من جنوب العالم بالإضافة الى الصين ممثلين عنها لحضور الاجتماعات، تتجاهلها الولايات المتحدة الامريكية وكندا وأستراليا واليابان بينما يرسل الاتحاد الأوروبي وفد رمزي لا يقدم أي مساهمة جوهرية بالمفاوضات وهذا يجب ان يتغير.

ان ابرام معاهدة تتعلق بالشركات التجارية وحقوق الانسان سوف تكون الأولى من نوعها تحت رعاية الأمم المتحدة علما ان اعداد مثل هذه المعاهدة استغرق عقدا من الزمان ففي سنة 2011 اعتمد مجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة مجموعة من المبادئ الارشادية والتي بموجبها تكون الشركات التجارية " مسؤولة عن احترام حقوق الانسان ". لقد دعمت جمعيات أصحاب الأعمال المبادئ والتزمت بالتقيد بها – وهذا يعود جزئيا الى انه لم يكن عليها التزام قانوني بعمل ذلك فالمبادئ لم تكن ملزمة كما كان من المستحيل مراقبة أو فرض التقيد بها. يُتوقع من الدول منع انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها الشركات والمعاقبة عليها كجزء من واجباتها القائمة بموجب القانون الدولي.

لقد أصبحت فرنسا سنة 2017 أول دولة تتبنى قانونا يطلب من الشركات المتعددة الجنسيات التي تعمل في الأراضي الفرنسية بذل العناية الواجبة فيما يتعلق بحقوق الانسان ضمن جميع عملياتها العالمية وفي وقت سابق من هذا العام تبنت ألمانيا قانونا مماثلا والذي سيصبح ساري المفعول سنة 2023 كما ان المفوضية الأوروبية تعمل على اعداد توجيه يتعلق بهذا الموضوع والذي سوف يغطي كامل الاتحاد الأوروبي. ان مسودات المعاهدة تحتوي أيضا على أحكام تتعلق بالعناية الواجبة للشركات والتي أصبحت تغطي مسألة المراقبة العامة وفرض التنفيذ ولو تمت الموافقة عليها فإن هذه المسؤولية سوف تصبح التزاما عالميا مما يرفع من مستوى المعايير بالنسبة لقطاع الأعمال العالمي.

ان المبادئ الارشادية تنص كذلك على أنه يتوجب على الدول التحقيق بانتهاكات حقوق الانسان التي ترتكبها الشركات وفرض العقوبات عليها وانصاف الضحايا. ان اللجوء للإنصاف القضائي الفعّال هو مبدأ أساسي من مبادئ قانون حقوق الانسان الدولي ويجب تضمينه في أي معاهدة تغطي مسؤولية الشركات لكن في الغالب من الصعب تحقيق الانصاف القانوني ضمن سياق عمليات تجارية عالمية بسلاسل قيمة معقدة وعادة ما يتم تجاهل حقوق العمال ومجموعات السكان الأصليين على وجه الخصوص.

لقد أصدرت المحاكم في المملكة المتحدة وهولندا مؤخرا أحكاماً رائدة في قضايا تتعلق بكبرى الشركات المتعددة الجنسيات بما في ذلك فيدانتا ريسورسز ورويال داتش شل وهذه القرارات أوضحت بشكل لا لبس فيه ان العمال وافراد المجتمعات المحلية في جميع المناطق التي تعمل فيها الشركات الفرعية لديهم الحق باللجوء للمحاكم في وطن الشركة الأم.

لقد تسببت هذه القرارات بصدمة في عالم قطاع الأعمال وكانت بمثابة جرس انذار لمحامي الشركات لسبب جيد وهو أن مناصري مسؤولية الشركات والأكاديميين ينظرون الى هذه الولاية القضائية الجديدة كعنصر رئيسي ضمن إطار قانوني ناشىء لمساءلة الشركات الأم عن الانتهاكات التي ترتكب ضمن سلاسل القيمة العالمية العائدة لها ولكن من غير المرجح ان يكون لتلك الأحكام التأثير الأوسع اللازم ما لم يتم تطوير المبادئ التي وضعتها وتضمينها في كل من القانون المحلي والدولي. يقترح البرلمان الأوروبي القيام بذلك من خلال مشروع قانون يتعلق بقطاع الأعمال المسؤول.

ان معاهدة الأمم المتحدة المقترحة واضحة فيما يتعلق بالمسؤولية القانونية للشركات الأم أو الشركات المسيطرة وطبقا لأحكام المسودة فإن الشركات المسيطرة في سلسلة أو شبكة قد تكون مسؤولة عن الضرر الذي يتسبب به الشركاء التجاريون الذين تخضع نشاطاتهم لتحكم أو اشراف تلك الشركات المسيطرة أو بسبب الفشل في منع أولئك الشركاء من الحاق الضرر بالعمال والسكان الأصليين والنساء والأطفال كما سوف تعزز المعاهدة أيضا الإطار العالمي الذي يحكم الاستدامة الاجتماعية والبيئية ضمن العمليات التجارية العالمية.

ان كبرى اتحادات نقابات العمال وغيرها من منظمات المجتمع المدني تدعم المعاهدة المقترحة ولكن الدول المتقدمة الرئيسية مثل الولايات المتحدة الامريكية والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تتجاهلها الى حد كبير. ان المشكلة هي أن صناع السياسات في تلك البلدان يفضلون النموذج القديم المتعلق بالتنظيم المحدود وأقصى درجات الحرية بالنسبة لشركاتهم متعددة الجنسيات وبالنسبة لهم. ان المشاركة الرمزية لدول أعضاء في الاتحاد الأوروبي في مناقشات المعاهدة حتى الان تثير الدهشة وذلك نظرا لالتزامات تلك البلدان المعلنة بتعددية الأطراف وحقوق الانسان.

ان المعاهدة هي فرصة للاتحاد الأوروبي لإظهار تماسك السياسات والقيادة في هذا المجال وذلك بعد إقرار التشريعات الوطنية التاريخية في فرنسا وألمانيا والولاية القضائية الرائدة في المملكة المتحدة وهولندا والكلام نفسه ينطبق على الولايات المتحدة الامريكية والتي تحاول إعادة التأكيد على قيادتها ضمن نظام عالمي قائم على أساس القواعد والأحكام.

ان حكومات تلك البلدان دائما ما تعلن أن حقوق الانسان هي قيمة أساسية ومع ذلك يبدو ان تلك الحكومات مقتنعة بالصيغ القديمة والنماذج الفارغة التي تفتقد للالتزامات الملزمة قانونا وبينما يقترب موعد الجولة القادمة من المفاوضات المتعلقة بالمعاهدة فإن مصداقية تلك الحكومات تعتمد على إظهار جديتها فيما يتعلق بمسائلة الشركات عن حقوق الأنسان بموجب القانون الدولي.

* كارلوس لوبيز، مستشار قانوني أول في لجنة الحقوقيين الدولية

اضف تعليق