يعد الحياد متطلب أساس لتحقيق النظام الديمقراطي والوصول إلى دولة القانون والرفاهية، فهو يعني عدم الانحياز لأي طرف، بل هو أهم ضمانة وظيفية يمكن ان تحقق العدل والإنصاف وتمنع الميل والهوى، وهو ينقسم إلى حياد شخصي يتعلق بالموظف (الوظيفي) وآخر موضوعي يتعلق بالخدمات التي يقدمها المرفق العام (مؤسسي)، فالمؤسسات الحكومية التنفيذية هي المسؤولة عن تنفيذ أحكام القانون ولتتمكن أي مؤسسة من القيام بواجباتها القانونية والدستورية فهي بحاجة إلى متطلبات بشرية ومادية تتمثل بالموظف العام والمال العام.

ولا يخلو الأمر من الصعوبات التي تكتنف المبدأ لا سيما ان علمنا ان الموظف إنسان قد تنعكس الأفكار والمعتقدات والرغبات على سلوكه بشكل أو أخر، لذا نحتاج إلى الموظف المحايد ما يعني فصل السياسة عن السلطة الإدارية أولاً، لتتأكد الطبيعة التنفيذية وتجريدها عن الطابع الحزبي فالوظيفة والمرفق العام أو مؤسسات الدولة هي الشريان الحيوي لتحقيق أهداف الدولة والأخيرة يعتمد نجاحها على أداء المرفق والموظف لرسالتهما، في الوقت عينه ان ما مطلوب من الموظف هو ممارسة وظيفته بعيداً عن المحاباة والمصالح الشخصية أو اتباع الأهواء الذاتية، والتعبير عن أفكاره أو معتقداته بنحو من الحيطة والحذر بالصورة التي لا تتعارض مع مصلحة المؤسسة التي يعمل فيها أو بما يتعارض مع مصلحة المتعاملين مع المرفق العام، بعبارة أخرى على الموظف ان يؤدي واجبات وظيفته بنحو من النزاهة والحيادية والموضوعية ويحرص على تمتين علاقة المواطن بالمؤسسات الحكومية ولا يؤدي عمله إلى اهتزاز الثقة بالإدارة العامة وموظفيها.

ولما كان الحياد يعني عدم الميل أو التحيز إلى جهة أو حزب أو رأي ديني أو سياسي أو اقتصادي معين لذا يصنف البعض الحياد إلى سياسي وديني واقتصادي واجتماعي، وكل ما تقدم مرتبط بالفلسفة التي يؤمن بها القابضين على السلطة فلو كانوا يؤمنون بالمذهب الفردي سيكون الحياد المرفقي واضحاً وجلياً في الوقت الذي لا يؤمن المذهب الاشتراكي ما تقدم، كما ان الأنظمة الحاكمة التي تؤمن بالمبادئ الديمقراطية تنأى بنفسها عن التدخل الهدام في علاقة المواطن بالمرفق العام أو على الأقل لا تسعى إلى الهيمنة السياسية والحزبية على الموظفين وتحاول ضمهم إلى حزب معين على العكس من الأنظمة الشمولية أو الدكتاتورية.

وعلى العموم الحياد الوظيفي يعني بقاء الجهاز الإداري في الدولة موضوعياً في عمله بعيداً عن الانحياز أو الميل وان كل ما يصدر عنه من أعمال قانونية أو مادية هدفها المصلحة العامة، وتظهر أهمية الحياد في الدول التي تتبنى نظام التعددية السياسية والحزبية حيث يتعاقب على المناصب الإدارية العليا العديد من الوزراء والموظفين ممن يدينون بمعتقدات سياسية معينة فينبغي على الموظفين التنفيذيين ممن هم في المراتب الإدارية كافة وصولا إلى مرتبة الوزراء التحلي بأجلى صور الوسطية والموضوعية، فمن شأن ذلك ان يحقق غايات عدة أهمها:

1- مصلحة الموظف بابتعاده عما يثير الشك والريبة في دوافعه ومن جهة أخرى لضمان عدم المساس بحقوقه وحرياته كمواطن.

2- مصلحة الإدارة العامة في اختيار موظفين يعبرون عن إرادتها ويمثلون مصالحها ويمكنهم السيطرة على مشاعرهم تجاه المتعاملين معهم.

3- مصلحة المواطنين ممن يستفيدون من أنشطة المؤسسات الحكومية المختلفة وهؤلاء تكمن فائدتهم بتعاملهم اليومي مع الإدارة العامة والتي تعاملهم بوصفهم المجرد بعيداً عن البحث في أفكارهم ومعتقداتهم ورغباتهم.

وقد تبنى المشرع الدستوري في العراق مبدأ التداول السلمي للسلطة وجعل من الانتخابات السبيل الوحيد لذلك حيث أشارت المادة (5) إلى أن "السيادة للقانون، والشعب مصدر السلطات وشرعيتها، يمارسها بالاقتراع السري العام المباشر وعبر مؤسساته الدستورية" والمؤسسة الدستورية التي عهد إليها بإدارة الانتخابات هي المفوضية العليا المستقلة للانتخابات التي نظمت أحكام تأسيسها المادة (102) من الدستور بنصها "تعد المفوضية العليا لحقوق الإنسان والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات وهيئة النزاهة هيئات مستقلة تخضع لرقابة مجلس النواب وتنظم أعمالها بقانون" وقد أشارت المادة الأولى من قانون المفوضية العليا المستقلة للانتخابات رقم (31) لسنة 2019 إلى أنه "تؤسس بموجب هذا القانون هيئة تسمى المفوضية العليا المستقلة للانتخابات وهي هيئة مهنية مستقلة ومحايدة تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري وتخضع لرقابة مجس النواب" ما يتحتم معه ان تكون هنالك ضمانات ترافق عمل المفوضية العليا المستقلة للانتخابات وعمل موظفيها بالخصوص للتأكد من الحياد التام في قيامهم بأعمالهم المنوطة.

ويشار إلى ان الدستور العراقي تبنى الحياد صراحة بالنسبة لبعض فئات الموظفين، فقد أشارت المادة (9) إلى أنه "لايجوز للقوات المسلحة العراقية وأفرادها وبضمنهم العسكريون العاملون في وزارة الدفاع أو أية دوائر أو منظمات تابعة لها الترشح في انتخابات لإشغال مراكز سياسية، ولا يجوز لهم القيام بحملات انتخابية لصالح مرشحين فيها، ولا المشاركة في غير ذلك من الأعمال التي تمنعها أنظمة وزارة الدفاع، ويشمل عدم الجواز هذا أنشطة أولئك الأفراد المذكورين أنفاً التي يقومون بها بصفتهم الشخصية أو الوظيفية دون ان يشمل ذلك حقهم بالتصويت في الانتخابات.." وأوضحت المادة (98) أنه "يحظر على القاضي وعضو الادعاء العام ما يأتي:

أولاً: الجمع بين الوظيفة القضائية والوظيفتين التشريعية والتنفيذية أو أي عمل آخر.

ثانياً: الانتماء إلى أي حزب أو منظمة سياسية أو العمل في أي نشاط سياسي".

ما تقدم يشمل طائفة من العاملين في المفوضية العليا المستقلة للانتخابات بما ان القانون النافذ اشترط ان يكون هؤلاء من القضاة (7) من القضاة يرشح مجلس القضاء الأعلى (5) منهم و(2) من قضاة الصنف الأول يرشحهم مجلس قضاء إقليم كردستان و(2) من مستشاري مجلس الدولة العراقي يوافق على ترشيحهم مجلس القضاء الأعلى أيضاً وأضافت المادة الرابعة من القانون ضمن شروط المرشح لمجلس المفوضين ان يكون ((عراقياً مقيماً في العراق إقامة دائمة، ان يكون حسن السيرة والسلوك، ان يكون مستقلاً من الناحية السياسية،..))، كما أضافت المادة السابعة إلى ضمانات الحياد مبدأ أخلاقي حين ألزمت أعضاء مجلس المفوضين بأداء القسم التالي "اقسم بالله العظيم ان أؤدي مسؤولياتي القانونية والمهنية بأمانة وتفان وإخلاص وأعمل على إنجاز المهم الموكلة إلي باستقلالية وحياد والله على ما أقول شهيد".

بيد ان المهام الأشد تعقيداً يمارسها موظفون غير مجلس المفوضين في الإدارة الانتخابية التي تتألف بموجب المادة الرابعة عشر من "المكتب الوطني والمكاتب الانتخابية في الإقليم والمحافظات وفقاً لهيكلية يتم اقترحها من قبل رئيس الإدارة الانتخابية ويصادق عليها مجلس المفوضين"، حيث تتولى الإدارة الانتخابية "تنفيذ القرارات والأنظمة والإجراءات الصادرة عن مجلس المفوضين وإعداد الخطط الفنية والعملياتية لأي عملية انتخابية ومتابعة التشكيلات الإدارية التابعة لها، وإدارة الأعمال الإدارية والنشاطات الفنية الخاصة بالشأن الانتخابي".

ومما لا شك فيه ان جدية الانتخابات وصدق تعبيرها عن الإرادة الشعبية لتكون مرآة حقيقية لاختيارات الشعب تقتضي من المفوضية بجميع تشكيلاتها النزاهة والحيادية بدءً من الخطوة الأولى في الانتخابات الممثلة بتحديث سجل الناخبين مروراً بتقسيم الدوائر الانتخابية وانتهاءً بيوم الانتخابات وما يرافقه من عمل دؤوب هادف إلى إكمال الاقتراع وإظهار النتائج إلى العلن، وخوفاً من اتهامها بعدم الحياد اعتادت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات على اصدر أنظمة تتعلق بالمراقبة الدولية للانتخابات العراقية بما يعزز من الثقة بإجراءاتها، وتشكل فرقاً صحفية تابعة لمختلف وسائل الإعلام الوطنية والعالمية لتواكب الاقتراع العام، والأحزاب والكيانات السياسية من جانبها يمكن ان توفد ممثلين عنها على مستوى المراكز الانتخابية والمحطات وبالتالي يتمكن هؤلاء من رصد الانتهاكات ان وجدت ودورهم الأساس هو الحد من أي خرق للحياد والوسطية.

ومن خلال تكثيف الرقابة على موظفي الاقتراع وبث رسائل الاطمئنان للناخب والمرشح باستعمال أجهزة تسريع نتائج وبرامج محصنة ضد الاختراق أياً كان نوعه يمكن للمفوضية ان تكسب ثقة جمهور الناخبين وما تقدم يتطلب بعض الخطوات العملية على صعيد:

1- تمتع المفوضية بموازنة مالية جيدة تمكنها من إنجاز ما مطلوب منها من توفير أجهزة وبرامج لوجستية ومن تدريب لكوادرها العاملة في ميدان الانتخابات.

2- منع الأحزاب والكتل السياسية من الإساءة للحيادية بالتدخل في تعيين المدراء العامون في المفوضية لاسيما ان لمجلس الوزراء دور في تعيينهم بحسب النظام الداخلي للمجلس رقم (2) لسنة 2019، ونقترح ان يوكل الأمر إلى مجلس الخدمة الاتحادي أو مجلس القضاء الأعلى لترشيح المدراء العامون وارسالهم إلى مجلس الوزراء للمصادقة فحسب.

3- زيادة في تقصي الحياد نقترح تعديل المادة العاشرة البند خامسا بجعل البت في الشكاوى والطعون من سلطة القضاء بشكل خالص وبالتحديد المحاكم الإدارية وفق ما يعرف بالقضاء المستعجل، نعم ان قرارات مجلس المفوضين قابلة للطعن أمام الهيئة القضائية المنبثقة عن محكمة التمييز والصواب ان يكون أمام محكمة القضاء الإداري التابعة لمجلس الدولة العراقي المؤسس بموجب القانون رقم (65) لسنة 1979، بما اننا نبحث في شرعية قرار إداري أثر على أحد المرشحين أو الناخبين وجعل الشكوك تحوم حول حياد موظف من موظفي المفوضية العليا المستقلة للانتخابات بسبب ارتكابه مخالفة للقانون أو انه اتخذ القرار لغايات لا تتفق مع الأهداف التي حددها المشرع العراقي في قانون الانتخابات رقم (9) لسنة 2020، والقضاء الإداري هو الأكثر تأهيلاً لفحص الادعاءات والبت بها بسرعة وفاعلية.

4- نتمنى على المفوضية العليا المستقلة للانتخابات ان تمد يد الثقة إلى المنظمات غير الحكومية العراقية والأجنبية المهتمة بترقية حقوق الإنسان وترسيخ المبدأ الديمقراطي لتأسيس معهد الدراسات الديمقراطية في العراق والذي يضم بين جنباته من المختصين والمهتمين القادرين عل رسم سياسات عامة يمكن ان تطبق على أرض الواقع من شأنها ان ترسخ القناعة عند الناخب العراقي بحياد المفوضية وموضوعية إجراءاتها وحتمية المشاركة في الانتخابات لإحداث التغيير الديمقراطي المنشود.

...........................................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2021
هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
ademrights@gmail.com
https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق