قد لا يكون جميع الناس يدركون أن التمييز العنصري؛ وهو نظام تنتهجه بعض الدول للتفرقة بين الناس في حقوقهم وواجباتهم لاختلاف أجناسهم، لاسيما التمييز بحق ذوي البشرة السوداء هو من المورثات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية القديمة التي مازالت تتجدد بين الحين والآخر، في كل ولاية أمريكية، وفي كل منطقة أميركية، وفي كل مؤسسة أمريكية، وفي كل شارع أمريكي. إذ أن الصورة النمطية للولايات المتحدة الأمريكية هو أنها دولة الديمقراطيات؛ والحريات؛ والعدالة الاجتماعية...

إلا أن حقائق المجتمع الأمريكي؛ والأحداث التي تقع يوميا تشير إلى خلاف ذلك تماما؛ فالولايات المتحدة لا تزال أرضاً خصبة للتمييز العنصري المبني على أساس اللون أو العرق، فعلى الرغم من مرور أكثر من مائة وخمسين عاماً على قانون (تحرير العبيد)، الذي وقعه الرئيس الأميركي الأسبق أبراهام لينكولن إلا أن المواطنين الأمريكيين السود مازالوا يتعرضون إلى ممارسات اجتماعية واقتصادية وسياسية قائمة على أساس تفضيل المواطنين البيض على المواطنين السود، ولم تتوقف قط!

ينتشر التمييز ضد الأفارقة الأمريكيين في مجالات الإسكان والعمل والحياة اليومية، ويجري تطبيق ذلك من الغالبية العظمى من الأمريكيين البيض، ويستند هذا التميز على افتراض أن لون البشرة الأبيض يمنح الصلاحيات والحق في فرض السيطرة والهيمنة. وكان للسياق الاجتماعي الدور الأكبر في بناء المواقف العنصرية، حيث ينشأ الطفل الأبيض ضمن سياق لا يعترف بأحقية المعيشة للزنوج. وعليه؛ تتكون اتجاهات سلبية لدى البيض ضد الزنوج، وينعكس ذلك في سلوكهم حيث يتحقق عدم المساواة في الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية، وينتج ما يسمى (بلوم الضحية) على اعتبار أن الناس -بسبب اختلاف لون بشرتهم-هم مسئولون عن كونهم ضحايا التعصب.

كما يمكن القول بأن السياسة الحكومية لها دور كبير في دعم الاتجاهات السلبية حول الأفارقة؛ فهي نفسها تمارس التعصب ضد هذه الأقلية، وهذا يتبن من خلال عدم إمكانية الاتفاق الحكومي على برامج المساعدة المتعلقة بالسود، فالدعم الحكومي لهم منخفض، إن لم يكن معدوم، وينعكس ذلك ليشمل بروز المعاملة التفضيلية للبيض في فرص العمل والقبول في الجامعات، ويتعدى ذلك إلى عدم إمكانية الدمج في المدارس بين البيض والسود.

ويواجه السود في الولايات المتحدة عوائق هيكلية حينما يطمحون إلى تأمين سكن جيد، ورعاية صحية وتوظيف، وتعليم، بسبب قوانين عنصرية جرى إلغاؤها، لكنها تحولت إلى أعراف وتقاليد في المجتمع تفوق قوتها نصوص القانون في أحيان كثيرة، في حين أن خطاب الكراهية لا يُجرَّم بشكل واضح في النصوص القانونية الأمريكية بحجة تعارضه مع مبدأ حرية التعبير الذي يكرسه الدستور. فضاحية سانت لويس الأمريكية (مثلا) يبلغ عدد سكانها 21 ألف نسمة، ثلثهم من الأمريكيين ذوي الأصول الإفريقية، لكن رئيس بلدية هذه المنطقة أبيض البشرة، وكذلك خمسة أعضاء من مجلس مستشارية المنطقة هم بيض، من أصل ستة مستشارين. ويوجد في المنطقة 50 شرطيا أبيض من أصل 53. واستمر المجتمع الأمريكي يعاني من مستويات عالية من العنصريّة والتمييز خلال العشر سنواتٍ الأولى من الألفية الثالثة، فكانت إحدى الظواهر الجديدة في المجتمع هي صعود حركة اليمن البديل (alt-right) وهي عبارة عن تحالف قومي أبيض، يسعى إلى طردِ الأقلّيّات الجنسيّة والعرقيّة من الولايات المتحدة.

وفي هذا الإطار؛ ترى الأمم المتّحدة وشبكة حقوق الإنسان الأمريكيّة أنّ "التمييز في الولاياتِ المتّحدة يتخلّل جميع جوانب الحياة، ويمتدّ إلى جميع الأعراق غير البيضاء... وتبقى السياسة العنصريّة ظاهرة كبرى، ولا تزال العنصرية تنعكس في عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية، ولا تزال الطبقيّة العنصريّة موجودة في التّوظيف والإسكان والتعليم والإقراض والحكومة. وأثبتت الأبحاث وجود أدلة واسعة على التمييز على أساس اللون في العدالة الجنائية، الأعمال، الاقتصاد، الإسكان، الرعاية الصحية، الإعلام، والسياسة في الولايات المتحدة)

يرجح تقرير صادر عن لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز العنصري أن الولايات المتحدة لم تأخذ على محمل الجد -بموجب المادة 2 من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري-الإجراءات القانونية للتصدي بشكل إيجابي للتمييز العنصري. وفي بعض الأحيان، لا تلعب الطبقة الاجتماعية دوراً في مساواة حياة السود مع البيض من الطبقة نفسها، فالأولاد السود، حتى الذين نشأوا في أسر عالية الدخل والمستوى، يعانون من عدم المساواة في الراتب عندما يكبرون، مقارنة بالبيض من بيئة مماثلة.

وأشار التقرير إلى أن الولايات المتحدة قامت بترشيد الآثار التمييزية العنصرية ولم تمنعها، أو تصحح الأوضاع القديمة منها استمرار الأحياء السكنية للبيض وأخرى للسود. وأظهرت أبحاث العلوم الاجتماعية أن الأمريكيين لديهم في العقل الباطن، معتقدات ومواقف وتوقعات تستند إلى الصور النمطية حول العرق أو الجنس أو العمر أو المجموعة الأخرى التي ينتمي إليها الفرد.

حتى أن هذه القوانين مثل غيرها من القوانين العنصرية، تحولت إلى أعراف وتقاليد أمريكية تسببت في استمرار التفاوت العرقي. هكذا، وفقاً للتقرير، يتقاضى السود رواتب وأجوراً أقل، حيث أن العرق -وليس الطبقة الاجتماعية- هو العامل المؤثر في هذا الإطار. وتُعد المحاكم الأمريكية من أبرز العقبات التي تحول دون مكافحة العنصرية لأنها غالباً ما تقرأ وتفسر العديد من السلوكيات ضمن باب الحريات، وتُقيّد واضعي السياسات من التدخل لمحاربة التفاوتات العرقية.

لا يمكننا إنكار أن الأمريكيين ذوي الأصول الإفريقية حصلوا على العديد من الحقوق التي لم تكن متاحة لهم سابقاً، فيمكننا أن نراهم اليوم يتقلدون المناصب الرفيعة والمتميزة، لكن تبقى الفروق بينهم وبين نظرائهم من ذوي البشرة البيضاء قائمة وصارخة. فلا تقتصر مشاكل مجتمع الملونين الذي يشكل حوالي 13%؜ من سكان الولايات المتحدة على التهميش والعنصرية فقط، وإنما يعاني من عدة ظواهر مقلقة أيضاً لعلَّ أبرزها الفقر. إذ يعيش 24.7% من السود تحت خط الفقر، أي ما نسبته 12.7% على المستوى القومي الأمريكي.

ومن الصور البارزة للممارسات العنصرية بحق ذوي البشرة السوداء في الولايات المتحدة الأمريكية هو حرمان أفراد هذه الجماعة العرقية الأقل شأناً من الحق بالحياة والحرية الشخصية، وقد يشمل ذلك قتل أفراد تلك الجماعة أو إلحاق أذى بدني أو نفسي بهم، والتعدي على كرامتهم وحريتهم، وإخضاعهم لمعاملة قاسية ومهينة. والتبرير لذلك أن عرقهم دوني؛ ولا يستحق الاحترام.

واتخاذ تدابير تمنع فئة الأقلية عن المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية للبلد، وخلق ظروف تحول دون تطور هذه الفئة؛ يكمن السبب وراء ذلك شعور الجماعة التي تعتبر نفسها متفوقة عرقياً بأن تحول الامتيازات المتعلقة بمجالات الحياة، سواء الاقتصادية أو الثقافية أو السياسية إلى الفئة العرقية التي يعتبرونها أقل شأناً يجعلها تكتسب سلطة وقوة مما يهدد كيانها، لذا تلجأ بكافة الوسائل لحرمان تلك الأقلية من هذه الامتيازات وكل ما يساهم بتطورها، وهذا ما نلاحظه عندما يتم قبول الأفارقة في العمل ضمن وظائف حكومية راقية ولا يقتصر الأمر على ذلك بل يمتد لمناحي الحياة كافة بما فيه التعليم والسكن والتنقل وغيره. مضافا إلى تقسيم السكان على وفق معايير عنصرية وذلك من خلال العزل السكني بين الفئات العرقية المختلفة وحظر التزاوج فيما بينهم.

وقد نتج عن التمييز بحق ذوي البشرة السوداء عدد من الآثار السلبية، وأهمها:

1. زيادة مستوى الاكتئاب لأفراد الجماعة العرقية المضطهدة، وهي طبقة المواطنين السود؛

2. خفض الرضا عن الحياة، فالفرد ضمن الجماعة المضطهدة (السود) يرى أن الأفراد في الجماعات الأخرى تتوفر لديهم فرص كثيرة في الحياة، وفي مجالات متعددة تضم العمل والتعليم والمعيشة وغيره الكثير؛

3. ولادة المشاعر العدوانية اتجاه جماعة الأغلبية، وهذا ما نلاحظه في المجتمع الأمريكي حيث يقوم الأفارقة بممارسات عدوانية تجاه البيض تتمثل بالسرقات وارتكاب الجرائم وهذه الممارسات بمثابة انعكاس لما يمارسه ضدهم البيض.

4. الإحباط، ويحدث عندما يدرك أفراد الجماعة الأقل شأناً أنهم عاجزون فتتفاقم لديهم خيبة الأمل مما يقودهم إلى الشعور بالإحباط.

5. بالإضافة إلى ذلك هناك عواقب صحية سلبية كارتفاع ضغط الدم، وزيادة نسبة أمراض القلب والأوعية الدموية وتليف الكبد لدى ذوي البشرة السوداء مقارنة بالمواطنين من ذوي البشرة البيضاء.

وعليه؛

- ان المتحدرين من أصل أفريقي من المواطنين الأمريكيين ما زالوا منذ قرون ضحايا للعنصرية والتمييز العنصري والاسترقاق، ولإنكار التاريخ كثيراً من حقوقهم؛

- ونؤكد وجوب معاملتهم بإنصاف واحترام لكرامتهم وعدم تعريضهم للتمييز من أي نوع؛

- وينبغي الاعتراف بحقوقهم في الثقافة وفي هويتهم الخاصة؛ وفي المشاركة بحرية وبشروط متكافئة في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية؛

- وفي حماية معارفهم التقليدية وتراثهم الثقافي والفني.

.......................................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
ademrights@gmail.com
https://twitter.com/ademrights

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

14