حين تربع باراك اوباما ذو البشرة السمراء ومن أصول افريقية على عرش البيت الأبيض الأمريكي، الكثيرون حول العالم اعتقدوا أن فايروس العنصرية داخل المجتمع الأمريكي ومؤسساته الحاكمة قد مات، أو من الممكن إن التمييز العنصري اتجاه الملونين وبالأخص السود لم يعد يشكل ظاهرة فيه، لكن ما جرى كان عكس المتوقع اذ بينت حادثتي ولاية ميرلاند وموت الشاب الأسود في احد سجون الشرطة سنة 2015 وما تبعه من موجة الاحتجاجات والمظاهرات التي اجتاحت بعض المدن الأمريكية، واليوم يثير مقتل الرجل الأسود خنقا على يد احد رجال الأمن في مينيا بولس، تاريخ التمييز العنصري، والذي يعد متجذر فيها اذ ابتدأ منذ صيرورتها في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، وكان أول ضحاياه السكان الأصليين لها وهم الهنود الحمر، اذ مورس ضدهم أبشع صور القتل والإقصاء والاستغلال.

بعد كلّ حادثة قتل، يخرج المتظاهرون للاحتجاج. تتوسع دائرة مطالبهم لتشمل ليس فقط كما يقولون، وقف عنف الشرطة وإنما إحقاق العدالة للضحايا وذويهم وإنهاء حالة العنصرية التي تعاني منها جاليات بعينها في الولايات المتحدة، لكن لم يتحقق اي من ذلك كون اساس قيام الولايات المتحدة هو استباحة الحقوق والسيطرة على مقدرات الامّم وظاهرها الدعوة لنبذ العنصرية والتمييز واحقاق حقوق الإنسان، وفيما مضى واليوم ومع تولي كلّ رئيس مقاليد الحكم تجد ان الحكومات تنتهج نفس النهج لا تطبيق لآي مما تدعوا اليه بل يتضح وبشكل جلي نسبة الازدواجية التي تعيشها الولايات المتحدة.

احتجاجات عنيفة

اندلعت احتجاجات عنيفة في العديد من المدن الأمريكية حيث عبّر المتظاهرون عن غضبهم لمقتل جورج فلويد، وهو رجل أسود لقي حتفه في منيابوليس بعد أن ضغط أحد أفراد الشرطة البيض بالمدينة بركبته على عنقه، واشتبك متظاهرون مع الشرطة في مدن مثل منيابوليس ونيويورك وأتلانتا وواشنطن في موجة متصاعدة من الغضب بشأن معاملة مسؤولي إنفاذ القانون للأقليات، واندلعت المظاهرات اربع ليالي على التوالي على الرغم من إعلان مسؤولي الادعاء إلقاء القبض على الشرطي ديريك تشوفين، الذي ظهر في تسجيل مصور وهو يضغط بركبته على عنق فلويد، بتهمة القتل من الدرجة الثالثة والقتل غير العمد.

وقد أقالت السلطات الشرطي وثلاثة من زملائه شاركوا في الواقعة ويتم التحقيق معهم حاليا فيما يتعلق بالحادث الذي وقع يوم الاثنين والذي أشعل فتيل غضب يقول ناشطون في مجال الحقوق المدنية إنه يستعر منذ وقت طويل في منيابوليس وعدد من المدن في أنحاء البلاد بسبب التحيز العنصري المستمر في نظام العدالة الجنائية الأمريكي، وفي ديترويت، أفادت وسائل إعلام محلية بأن شابا يبلغ من العمر 19 عاما قُتل أثناء مظاهرة حيث أطلق مشتبه به النار عليه من سيارة رياضية ثم لاذ بالفرار ولم يتسن حتى الآن التواصل مع الشرطة للتعليق.

وردد كثير من المتظاهرين هتافات "لا عدالة، لا سلام" وحمل بعضهم لافتات كتبوا عليها "أوقفوا وحشية الشرطة" و"لن أتوقف عن الصراخ حتى يتمكن الجميع من التنفس"، وفي لقطات مصورة التقطها أحد المارة بهاتفه المحمول وانتشرت على الإنترنت على نطاق واسع، ظهر الشرطي وهو يضغط بركبته على رقبة فلويد الذي كان يحاول التنفس ويتأوه قائلا "من فضلك، لا أستطيع التنفس" في حين تجمع حشد من المارة وصاحوا في وجه أفراد الشرطة لتركه وشأنه.

وبعد عدة دقائق بدا فلويد بلا حراك ثم أعلنت وفاته لاحقا في أحد المستشفيات، كما ملأ آلاف المتظاهرين شوارع منطقة بروكلين بمدينة نيويورك بالقرب من ساحة مركز باركليز وألقت الشرطة المسلحة بالهراوات ورذاذ الفلفل القبض على العشرات من المتظاهرين أثناء اشتباكات شابها العنف في بعض الأحيان، وفي منطقة مانهاتن السفلى، طالب متظاهرون في مسيرة بعنوان "لا يمكننا التنفس" بتشريع لحظر وسيلة الخنق أثناء الاعتقال والتي كان قد لجأ إليها أيضا أحد أفراد شرطة المدينة مما أدى إلى وفاة رجل أسود يُدعى إريك جارنر في حادث وقع عام 2014.

اعتقال الشرطة

أقارب فلويد الذين تحدثوا الى ترامب رحبوا بنبأ اعتقال الشرطي المتسبب بالقتل باعتباره "خطوة على طريق العدالة"، لكنهم قالوا أنهم يأملون بتوجيه اتهام أشد اليه، اضافة الى أن يشمل التحرك القانوني بقية عناصر الشرطة المتورطين باعتقال جورج ومقتله، وقال بيان صادر عنهم "نطالب بتوجيه تهمة القتل من الدرجة الأولى، وايضا نريد أن نرى اعتقال بقية عناصر الشرطة".

وأضاف البيان "الألم الذي يشعر به مجتمع السود حيال هذه الجريمة وما تعكسه بشأن طريقة التعامل مع السود قاس ويفيض في شوارع أميركا"، وقال المدعي العام فريمان إن رجال الشرطة الثلاثة الآخرين الذيم كانوا متواجدين عند وفاة فلويد يخضعون للتحقيق، ويتوقع توجيه اتهامات اليهم، وتم طرد الشرطيين الأربعة جميعا من سلك الشرطة بعد ظهور شريط فيديو اعتقال جورج ومقتله.

ترامب يهدد باستخدام القوة

هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باللجوء إلى القوة العسكرية القاتلة لمجابهة اللصوص في منيابوليس، بعد ثالث ليلة من أعمال الشغب والحرق العمد تمرّ على المدينة بسبب قتل الشرطة لرجل أسود أعزل، وندد ديمقراطيون في الكونجرس بتدوينة ترامب على تويتر معتبرين إياها تهديدا عنصريا، وصف فيها اللصوص "بالبلطجية" وحذر من أنه "عندما تبدأ أعمال النهب، يبدأ إطلاق النار"، ما دفع موقع تويتر لأن يخفي للمرة الأولى تغريدة ترامب وراء لافتة تحذيرية اتهمت الرئيس "بتمجيد العنف".

ورد ترامب باتهام الشركة باستهدافه هو والجمهوريين وغيرهم من المحافظين وتسليط سيف الرقابة عليهم وهدد بفرض لوائح تنظيمية جديدة على شركات الإنترنت ودعا الكونجرس إلى إلغاء قانون يحمي المنصات الإلكترونية من الدعاوى القضائية المتعلقة بالمحتوى، ويعتمد ترامب بشكل كبير على تويتر لتوصيل رسالته مباشرة إلى متابعيه البالغ عددهم 80 مليون متابع على الموقع، لكنه اتهم الشركة مرارا ومواقع التواصل الاجتماعي الأخرى بتسليط سيف الرقابة على المحافظين.

ووجه ديمقراطيون الاتهام إلى ترامب بأنه جعل الأمور تزداد سوءا ففي تدوينة على تويتر، قال نائب الرئيس السابق والمرشح الرئاسي الديمقراطي جو بايدن "إنه يحرض على العنف ضد مواطنين أمريكيين خلال فترة ألم يعاني منها كثيرون. أشعر بالغيظ ويجب أن تكون أنت كذلك أيضا".

أما النائبة الأمريكية رشيدة طليب، وهي واحدة من أشد الأصوات الليبرالية في الكونجرس، فكانت أشد نبرة في التعليق على تدوينة ترامب، وقالت "الرئيس المتهم هو عنصري أبيض عنيف"، ووقعت اضطرابات مشحونة بدوافع عنصرية في مدن بأنحاء الولايات المتحدة، وكتب ترامب في تغريدته "هؤلاء الرعاع يشوهون ذكرى جورج فلويد ولن أسمح بحدوث ذلك تحدثت للتو مع الحاكم تيم والز وأخبرته بأن الجيش معه قلبا وقالبا سنسيطر على أي صعوبة لكن عندما يبدأ السلب والنهب يبدأ إطلاق الرصاص شكرا لكم".

ولم يعد من الممكن الآن قراءة رسالة ترامب دون الضغط على تنبيه يقول "هذه التغريدة تنتهك قواعد تويتر فيما يتعلق بتمجيد العنف لكن تويتر قرر أن بقاء هذه التغريدة متاحة قد يكون في الصالح العام" وندد ترامب بمقتل فلويد ووعد بتحقيق العدالة وعٌزل أربعة ضباط شرطة متورطين في مقتل فلويد ويجري مكتب التحقيقات الاتحادية تحقيقاته.

نشر 500 عنصر من الحرس الوطني الأميركي

نشر الحرس الوطني الأميركي 500 من عناصره في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا الأميركية (شمال) لإعادة الهدوء الى المنطقة بعد ليلة ثالثة من الاضطرابات إثر مقتل مواطن أسود خلال قيام الشرطة بتوقيفه واستخدامها العنف في ذلك، وأفاد بيان عسكري أن عناصر الحرس الوطني في ولاية مينيسوتا "سيقدّمون دعما للسلطات المدنية خلال الفترة التي يُطلب منهم ذلك فيها لضمان سلامة الأرواح والممتلكات".

ووقّع حاكم الولاية تيم والز أمرا تنفيذيا بعد ظهر يسمح بتدخل الحرس الوطني، وتابع البيان أن العناصر شاركوا في مهام عدة مع الدفاع المدني ضد "الاضطرابات المدنية" واستمروا في الوصول إلى المدينة حتى الصباح الباكر، ليصل عددهم الى 500، كما تم نشر مئتي شرطي تابعين للولاية وحوامات.

بايدن يدعوا لقيادة حقيقية لأمريكا

دعا جو بايدن المرشح الديمقراطي المحتمل لانتخابات الرئاسة الأمريكية إلى تطبيق العدالة وإلى "قيادة حقيقية" للولايات المتحدة متهما الرئيس دونالد ترامب بالتشجيع على العنف بعد تهديده باستخدام القوة العسكرية المميتة لإنهاء أعمال شغب في مدينة منيابوليس تفجرت احتجاجا على قيام الشرطة بقتل رجل أسود أعزل، وبدأت الاحتجاجات في منيابوليس، أكبر مدن ولاية مينيسوتا، سلمية لكن حلت محلها ليال من أعمال الحرق والنهب والتخريب بعد أن صب المحتجون جام غضبهم على السلطات عقب موت جورج فلويد الذي ظهر في مقطع فيديو وهو يحاول التقاط أنفاسه بينما يضع شرطي أبيض ركبته على عنقه وهو راقد على الأرض.

وقال بايدن الذي يُحتمل أن ينافس ترامب في الانتخابات التي ستجرى في نوفمبر تشرين الثاني إن عضب الأمريكيين السود وإحباطهم وإنهاكهم "لا يُنكر" وإن البلاد تحتاج إلى مواجهة "جرحها العميق المفتوح" المتعلق بالعنصرية، وقال مشيرا إلى ترامب "هذا ليس وقت التغريدات الملتهبة إنه ليس وقت التشجيع على العنف" وأضاف "هذه أزمة وطنية ونحتاج إلى قيادة حقيقية في الوقت الحاضر قيادة تأتي بالجميع إلى المائدة ليكون بإمكاننا اتخاذ إجراءات لاجتثاث العنصرية المنظمة".

ديمقراطيو مجلس النواب يطالبون بالتحقيق

طلبت اللجنة القضائية بمجلس النواب الأمريكي والتي يهيمن عليها الديمقراطيون من وزارة العدل التحقيق في سوء سلوك ممنهج من جانب الشرطة، وذلك عقب موت عدد من الأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية على أيديها، ويثير موت جورج فلويد، وكذلك بريانا تيلور التي تعرضت لإطلاق نار في شقتها في لويزفيل بولاية كنتاكي، تساؤلات حول ما إذا كانت الشرطة ضالعة في "نمط أو ممارسة سلوك مناف للدستور" كما كتب رئيس اللجنة القضائية بمجلس النواب جيرولد نادلر وغيره من الأعضاء الديمقراطيين لوزير العدل وليام بار في رسالة.

وتطلب الرسالة أيضا من الإدارة التحقيق مع سلطات إنفاذ القانون المحلية التي كانت مسؤولة عن التحقيق في وفاة أحمد آربري، وهو رجل أسود أعزل آخر قتل برصاص ضابط شرطة سابق وابنه، أثناء ركضه في الحي الذي يقطنه بولاية جورجيا، وكتب نادلر "ثقة الجمهور في إدارة العدالة العمياء أصبحت محل اختبار حقيقي بعد حوادث قتل تعرض لها أمريكيون من أصل أفريقي"، وأوقف وزير العدل السابق جيف سيشنز التحقيقات في نمط أو ممارسة التمييز المنهجي المزعوم في عام 2017، بعد أن أمرت الوزارة بمراجعة مراسيم التراضي التي اتفقت عليها إدارة أوباما مع أقسام الشرطة التي واجهت هذه المشاكل.

كاميرات الهواتف ترصد الحوادث العنصرية

تُستخدم كاميرات الهواتف بشكل متزايد كسلاح ضد العنصرية حتى وإن لم تواكبها الأنظمة القضائية دوما، انتشر مقطعا فيديو تم تصويرهما بهواتف ذكية من وسائل التواصل الاجتماعي إلى وسائل الإعلام الأساسية ليسلطا الضوء على الكيفية التي يقوم بها المارة اليوم بالتقاط ما يجري حولهم من أحداث ربما لم يكن يلاحظها أحد في الماضي، لقد كان أحد المارة هو من صوّر جورج فلويد وهو يختنق بينما استمر شرطي مينيابوليس الأبيض يضغط بركبته على عنقه لخمس دقائق على الأقل.

وتساءل مدير مركز أبحاث مناهضة العنصرية في الجامعة الأميركية في مقابلة موقع "الديموقراطية الآن"، "لو لم يكن لدينا الفيديو، فهل كان الشرطيون سيفصلون بهذه السرعة؟ هل كانوا سيصدقون كل هؤلاء الشهود الذين كانوا يشاهدون ما يحدث ورأوا الشرطيين الذين كان ينبغي وقفهم؟"، في الحادثة الثانية، أبلغت امرأة بيضاء زوراً الشرطة عن كريستيان كوبر الذي كان يحب مشاهدة الطيور بعد أن طلب منها أن تربط كلبها بدلا من تركه طليقاً في منطقة مغطاة بالأشجار في سنترال بارك في نيويورك، وقالت لكوبر وهو يصوّرها وهي تطلب رقم الطوارئ 911 "سأخبرهم أن أميركيًا أسود يهدد حياتي". وقد شوهد الفيديو أكثر من 43 مليون مرة على تويتر.

ما شوهد أخيرا فى منيابوليس وغيرها ومن اعمال شغب ما هي الّا لغة المهمشين الذين كابدو من نظام حكم قائم على العنصرية والتمييز من هنا يصبح كفاح السود وغيرهم من غير المسموعين عملية مستمرة، وليقتدى سود أمريكا وكل المهمشين، بما قاله مارتن لوثر كينج من أنه "ليس هنالك شىء اسمه نضال لأجل حق صغير، أو ظرفى أو مؤقت، بل هنالك النضال الدائم لأجل إنسان، خلقه الله حرا وعليه أن يعيش حرا وكريما".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

16